دراسات
دراسات/العدد الحادي والثمانين - ربيع الأول 1431 هـحقائق حول إيران بعد 31 عاماً من الثورة!! ويل للعرب من شر إيران وقد اقترب! |
![]() الأرشيف |
الأزمة الإيرانية بين ثورتي 1905-1979
أبو زيدي يحيى – باحث جزائري
خاص بالراصد
تحتفل إيران هذه الأيام بمرور الذكرى الواحدة والثلاثين للثورة، وفي هذه المناسبة يدور سجال بين النخب السياسية في العالم العربي بين المؤيدين والمعارضين للنظام الإيراني، وفي حين يركز المؤيدون على مواجهتها للولايات المتحدة وإسرائيل (الاستكبار العالمي)، والتصلب في الملف النووي، وقدرة طهران على المناورة فيه وتمسكها بحقوقها الشرعية، وإنجازاتها الاقتصادية، وعلى إنجازاتها العلمية كانخفاض نسبة الأمية، والتطور على صعيد البنى التحتية، وإطلاقها لقمر صناعي للفضاء، ولعل إعلان طهران عن نجاحها في إطلاق صاروخ قادر على حمل قمر صناعي للفضاء قبل أيام يصب في اتجاه دعم وجهة النظر المؤيدة لها؛ كما حصل في احتفالات الذكرى الثلاثون لنجاح الثورة السنة الماضية، عندما أعلنت طهران عن نجاحها في إطلاق أول قمر صناعي من صنع محلي للفضاء، وكان هذا الإنجاز من أبرز الحجج التي ساقها المؤيدون للنظام الإيراني في مناقشاتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة أنذاك، أما المعارضين لسياسات نظام طهران فيركزون على تردي الأوضاع الداخلية، وتزايد القمع والبطش تجاه الجماهير، وتدني المستوى المعيشي لغالبية الشعب الإيراني، والفساد المستشري داخل المؤسسة الدينية الحاكمة، ويهونون من الإنجازات العلمية التي تعلن عنها إيران من حين لآخر، ويعترونها موجهة للاستهلاك الإعلامي، وهي بالنهاية ليست بمستوى إنجازات الإتحاد السوفياتي في مختلف المجالات، الذي استطاع قبل إيران من غزو الفضاء وصناعة القنبلة النووية وغيرها من المنجزات الاقتصادية؛ لكن كل ذلك لم يمنع من انهياره بسبب إهماله لأوضاع شعوبه وقمعها وحكمها بقبضة من حديد تسببت في القطيعة بينهما، وهو نفس الطريق الذي يسير عليه نظام الملالي اليوم.
إلا أن الاحتفالات هذه السنة سيكون لها طعم مختلف نظراً للأزمة التي تعصف بالنظام الإيراني، وزيادة الاحتقان بين طرفيها، ولا شك أنّ السجال بين الإصلاحيين والمحافظين لن يكون أقل حدّة عما هو جاري بين المؤيدين والمعارضين في العالم العربي، وإذا كانت في السنوات الماضية النقاشات والحوارات تدور حول سؤال: إيران ماذا بعد واحد وثلاثون سنة من الثورة ؟ فإنّ السؤال هذه المرة سيكون: إيران ماذا بعد عشرة انتخابات ؟
هذا التساؤل هو الأقرب؛ لأن فيه إشارة واضحة للأزمة الحالية التي أثارت منذ بدايتها جدلاً واسعاً بين المتابعين للشأن الإيراني، والذين اختلفت آراءهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إذ أكد البعض منهم ـ بعد أحداث عاشوراء ـ أنّ أيام النظام الإيراني باتت معدودة؛ لأن المظاهرات الكبيرة التي خرجت في ذكرى عاشوراء، والتي اعترف المحافظون أنفسهم أنها فاقت نصف مليون متظاهر ـ وقد يكون الرقم أكبر بكثير من هذا التقديرـ دليل على أنّ مطالب الإصلاحيين لديها امتداد جماهيري واسع، وهو في تزايد مستمر رغم كل محاولات الحرس الثوري والبسيج لقمعهم، ولكن المحافظين بدورهم خرجوا في مظاهرات مليونية رداً على مظاهرات الإصلاحيين؛ دلت على أنّ هؤلاء أيضاً لهم شعبية في إيران، ويخطئ من يتصور بأن النظام الإيراني سينهار قريباً، إضافة إلى ذلك فإن هؤلاء يرفضون الرأي الآخر الذي يصف حالة إيران الآن (ولا شك أنها في حالة ثورية لعوامل اقتصادية وسياسية واجتماعية) بأنها شبيهة بما كانت عليه في أواخر حكم الشاه وذلك للأسباب التالية:
- النظام الحالي زيادة على وجود قاعدة شعبية لا بأس بها تؤيده، فهو يختلف عن النظام الشاه الذي كان صُنع القرار فيه أحادياً، في حين تتعدد مراكز صنع القرار في النظام الحالي، وحتى في بداية الأزمة لم تمنع المواجهة مع الإصلاحيين اعتراض بعض النواب المحافظين على تعيين نجاد صهره وزيراً ورفض بعض من سياساته، وإلى الآن هناك أصوات منهم تتهم نجاد بسوء التعامل مع الأزمة، والتسبب في تأزيم الأوضاع أكثر، كما يوجد بينهم من يدعوا إلى حل وسط مع الإصلاحيين ويعترض على كل التهم الموجهة إليهم.
- صحيح أن الإصلاحيين يدعون - البعض منهم على الأقل- إلى إلغاء منصب ولاية الفقيه، إلا أنّ رموزهم ـ في هذه المرحلة ـ يؤكدون أنهم يؤمنون بولاية الفقيه وبنهج الخميني؛ بل ويتهمون المحافظين بالخروج عليه، وكل ما يدعون إليه هو إصلاح النظام من الداخل، هذا ما يظهر من مبادرتي مير حسين موسوي ومهدي كروبي، وللوصول لحل الأزمة طالبوا فيها بالإفراج عن جميع السجناء، ورد الإعتبار لهم، وفتح المجال لحرية التعبير وبالسماح للصحف الموقوفة بالصدور مجدداً والاعتراف بحق الشعب في التجمعات القانونية، والسماح للأحزاب بالعمل الحر وفق القانون، ودعوة الحكومة للعمل في إطار القانون، وإعداد قانون للانتخابات يضمن منافسة انتخابية نزيهة وعادلة، ولكن الطرف الآخر يشكك في ذلك ويعتبرها تكتيكات مكشوفة من الإصلاحيين الذين يضمرون العداء لولاية الفقيه، في حين أن المعارضة في سنة 1979كانت تطالب بسقوط الشاه، ورفضت كل محاولاته لإنهاء الأزمة.
- الأيديلوجية الإصلاحية مهما كانت مطالبها - وحتى إلغاء منصب المرشد الأعلى- تبقى داخل التيار الشيعي نظراً لعدم حسم موضوع ولاية الفقيه في الفكر الشيعي، ولوجود العديد من المراجع الدينية التي تؤيدهم، وأبرزها المرجع الديني الكبير الذي توفي مؤخراً آية الله علي حسين منتظري، والذي كان من المعترضين على ولاية الفقيه حتى في حياة الخميني؛ الأمر الذي دفع هذا الأخير لعزله بعدما كان مرشحاً لخلافته، هذا من جهة ومن جهة أخرى؛ فإن مواقفهم السياسية الخارجية لا تقل تشدداً عن مواقف المحافظين بشكل كبير خاصة في موضوع الملف النووي، وتبرز هنا الأولوية الوطنية بدل الشعارات الثورية للمحافظين كرفعهم لشعار " لا غزة ولا لبنان كلنا فداء لإيران "، وهذا توجه قريب من توجه الشباب الذي يطمح لتحسين أوضاعه ويرفض أن يكون ملكياً أكثر من الملك، في إشارة لوجود علاقات جيدة بين الولايات المتحدة ومعظم الدول العربية الذين يُفترض بهم أن يكونوا أكثر عداءً لها، وهم يرون أن شعارات المحافظين تسببت في الإضرار بمصالح البلد، وبالتالي فإن مطالب الإصلاحيين هي جزء من النسيج الاجتماعي للمجتمع الإيراني، أما في ثورة 1979 فكان نظام الشاه بسياسته الداخلية العلمانية ـ على الطريقة الأتتوركية ـ وسياسته الخارجية المؤيدة لإسرائيل والولايات المتحدة ـ بشكل كامل وأحياناً ـ على حساب مصالح إيران تسببت في قطيعة مع المجتمع؛ استغلها الخميني لتأليب الجماهير والثورة على الشاه.
- هناك تكافئ بين الطرفين المتصارعيين من حيث (الكاريزما) فمن جهة نجد علي خامنئي وأحمدي نجاد في طرف ونجد هاشمي رفسنجاني ومير حسين موسوي ومهدي كروبي في الطرف المقابل علماً بأنهم جميعاً من قيادات الصف الأول في عهد الخميني.
وأيضاً عدم تمتع خامنئي بالمرجعية ـ المشكوك فيها أصلاً ـ مقارنة بالخميني على المستوى الشعبي؛ خاصة بعد موقف خامنئي من الانتخابات، والذي أيّد فيه أحمدي نجاد واعتبر الانتخابات نزيهة؛ ما أثر على سمعته وارتفعت أصوات المتظاهرين مجدداً تهتف: "بالموت لديكتاتور الموت خامنئي"، وحتى داخل النُّخب السياسية نجد أنّ الطرفين يتمتعان بنفوذ كبير في المؤسسات الحكومية ، فيجب أن لا ننسى أن رفسنجاني لازال رئيس مجلس الخبراء، والذي من مهامه تعيين وعزل المرشد، إضافة لرئاسته الجمهورية لدورتين متتاليتين، وغيرها من المناصب التي شغلها قبل ذلك، كما أن الإصلاحيين كانوا يتمتعون بأغلبية برلمانية، ورئاسة الجمهورية لدورتين أيضاً في عهد الرئيس خاتمي، أما في سنة 1979 فكان الخميني بشخصيته (الكاريزمية) ومكانته الدينية يُعطي دفعاً قوياً للثورة حتى إن المعارضة بمختلف توجهاتها الشيوعية والليبرالية وقفت إلى جانبه.
من خلال التمحيص في هذه المعطيات؛ نلاحظ أن الأزمة الحالية قريبة منها لثورة 1905 عن ثورة 1979، وذلك لأن المطالب الإصلاحية التي تدعوا إلى العمل بالدستور هي نفس مطالب الثورة الدستورية التي طالبت الشاه (مظفر الدين القاجاري) بوضع دستور للبلاد ـ فقط ـ ولم تهدف لتغيير النظام، والذي قام بذلك هو الجيش (بقيادة رضا بهلوي) بعد سنوات عديدة وفي سياق مختلف، مع العلم أنه لم يكن له دور في الثورة الدستورية.
وفي حين وقفت القوى الأجنبية إلى جانب الشاه مظفر الدين في ثورة 1905 فإنها كانت ضد الشاه محمد رضا بهلوي في سنة 1979 أما في الأزمة الحالية فإن موقف القوى الأجنبية اقتصر على التنديد بقمع المتظاهرين والتأييد الإعلامي للمعارضين دون دعم واضح ومباشر؛ بل إنها استمرت في التفاوض مع النظام حول ملفه النووي ما اعتبرته المعارضة الإيرانية تأييداً له .
لذلك فإن السيناريو الأقرب لحل الأزمة الإيرانية سيكون مشابهاً بشكل أو آخر لسيناريو الثورة الدستورية وبعيداً ـ بشكل كبير ـ عن ثورة 1979، لأن سيناريو القضاء على الحركة الإصلاحية (وهو إحتمال وارد) خاصة مع بداية الحديث داخل وسائل الإعلام الإيرانية عن التحضير للانتخابات المقبلة، والتي كانت فيها إشارات لمنع الإصلاحيين من المشاركة فيها نظراً للشروط الدستورية لقبول المرشحين ومنها (موافقة المرشد الأعلى) ولكن هؤلاء لن يقفوا مكتوفي الأيدي وينتظرون ماذا يفعل بهم خصومهم، وإنما سيستمرون في انتقاد سياسات النظام والمطالبة بالإصلاح، ونظراً للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها إيران وإمكانية تأزمها أكثر وتفاقمها في ظل التلويح الغربي بفرض عقوبات جديدة على إيران؛ ستساهم في الضغط على المحافظين، والتاريخ يشهد بعدم زوال أي ثورة باغتيال أو نفي أو سجن قياداتها؛ بل على العكس سيكون ذلك دافعاً لتأجيجهاوإن مرت عليها فترات من التراجع؛ فإنها سرعان ما تعود لتنفجر وبشكل أكبر خاصة مع استمرار النظام في التعامل معها بطريقة أمنية، كل هذا يؤدي إلى صراع بين المتشددين من المحافظين الذين يطالبون بإعدام موسوي وكروبي، وبين الذين يطالبون بإيجاد حل وسط معهم.
وبناءً عليه؛ فإذا ما أقدم المتشددون على خطوة من هذا القبيل؛ فقد تدخل إيران في دوامة لا متناهية من العنف تكون نتائجها إما تغيير النظام وإلغاء ولاية الفقيه أو استمراره ، أما إذا استطاع التيار الآخر إيجاد حل وسط ـ وهو الراجح ـ فسنشهد بعض الوعود باحترام القانون وغيرها من الإصلاحات التي تمليها توازنات القوة داخل النظام في تلك المرحلة .

