جولة الصحافة
كالاكاتو".. قرآنيو نيجيريا في دائرة العنف
عبد الرحمن البغدادي- إسلام أون لاين 5/1/2010
أشهر قليلة تفصل بين المواجهات الدامية لجماعة "بوكوحرام"، وجماعة الكالاكاتو مع قوات الأمن في شمال نيجيريا، فالأولى اشتعلت في يوليو 2009، والثانية في 30 ديسمبر 2009؛ حيث لقي نحو 70 شخصا مصرعهم ممن ينتمون إلى طائفة "كالاكاتو" في مدينة "بوتشي"، وهي جماعة إسلامية "متشددة" ينتشر أنصارها في المناطق الشمالية.
تعود نشأة جماعة "كالاكاتو"، أو "المايتتسيني" إلى عام 1980 على يد شخص جاء من خارج نيجيريا، واستوطنها لاحقا، يدعى محمد مروا، ويقال إنه ادعى النبوة في آخر حياته لكن لم يؤمن أحد بنبوته، وعرفت هذه الجماعة بالقرآنيين، أي الذين يؤمنون فقط بالقرآن الكريم كمصدر أساسي للدين الإسلامي.
يطلق على الجماعة "الكالاكاتو أو المايتتسيني"، أو "مايتاتسين"، والترجمة الحرفية لكلمة: كالاكاتو بلغة الهوسا تعني "الرجل الضخم طويل القامة عديم الفائدة"، ويقصدون بذلك من يشتغل بـ"رواية الحديث"؛ حيث إنهم يرون أن من يؤمن بالحديث الشريف يكون عديم الفائدة والنفع؛ لأنهم يعتبرون الحديث من أخبار الرجال ولا يمكن استنباط أحكام الدين عن طريق رواية أخبار الرجال.
ويرجع انتشار الجماعة في الشمال في أحد جوانبه إلى الوجود الكبير للمسلمين هناك؛ حيث تطبق الشريعة الإسلامية بالفعل في 12 ولاية بالشمال، ويشكل المسلمون نحو 68% من تعداد سكان نيجيريا البالغ 140 مليون نسمة، أما المسيحيون فيمثلون 22%، والـ10% المتبقية يدينون بديانات وثنية إفريقية، ومن سمات هذا البلد الإفريقي هو تعدد الجماعات العرقية؛ فهناك أكثر من 200 جماعة عرقية تتعايش بصفة عامة في سلام، وإن كان هناك بعض الاضطرابات الدينية منذ الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1967، وراح ضحيتها ما يزيد عن مليون قتيل في ثلاثة أعوام.
صدام النشأة والمعتقدات: يؤمن القرآنيون في نيجيريا بما جاء في القرآن الكريم فقط، منكرين لباقي مصادر الدين الأخرى، كالسنة النبوية الشريفة، والأكثر من ذلك أنهم يحاربونها، ويدعون الناس إلى عدم تصديقها أو السير على هديها، ولعل في هذا ما يفسر تلك الاضطرابات التي صاحبت مجيء زعيمهم "محمد مروا" إلى نيجيريا ودعوته إلى عقيدة القرآنيين؛ حيث بدأت الاضطرابات في الشمال وتتابعت في ولايات "كانو" عام 1980، ثم ميدغري عام 1981، ويولا عام 1983.
في أحد الاشتباكات التي خاضتها الجماعة عام1981 لقي زعيم الجماعة محمد مروا مصرعه أثناء القتال، وخلفه في قيادة الجماعة "محمد ماكينكي"، وحينها لم يكن أنصار الجماعة يعلنون عن أنفسهم صراحة.
وعلى الرغم من ذلك فقد انتشرت معتقدات "الكالاكاتو" في الشمال، ويكثر أتباعها بالتحديد في ولايات كانو، وباوتشي، وبرنو، وهم يتفرقون في عدد من الولايات المختلفة، ولكل ولاية شيخها وإمامها الذي يجتمعون تحت إمرته، وهذا الشيخ لا يكون معلوما إلا لأتباعه فقط، وهو يسير أمور الولاية بمعرفته؛ نظرا لخصوصية كل ولاية وظروفها الخاصة.
ويقدر بعض المحللين أعداد "الكلاكاتو" بمئات الآلاف، إلا أنه لا توجد إحصاءات رسمية بأعداد القرآنيين في نيجيريا؛ نظرا لعدم وجود تنظيم هيكلي يخصهم، بل إنهم ينتشرون في شكل جماعات متفرقة تتبع شيخا معينا، وهم ينقسمون إلى فريقين: فريق يعلن عن معتقداته ويدعو لها، وفريق آخر يخفي ما يعتقده خوفا من نظرة المجتمع والأقارب وتصنيفه ضمن فريق ربما لم تقو شوكته حتى الآن.
وتهدف دعوة القرآنيين إلى إرجاع الناس إلى العمل بالقرآن الكريم والابتعاد عن الحديث؛ لأنه -برأيهم- لا يمكن أن يأخذ الرجل دينه من كلام رجل عن رجل، فهم يكذبون نقل الحديث عن طريق التواتر، وهذا لا يعني أنهم ينكرون نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فهم يؤمنون برسالته.
وتختلف صلاة القرآنيين وطقوسهم الدينية وأحكامهم الشرعية عن باقي المسلمين؛ فصلاتهم تتم دون عدد محدد من الركعات بدعوى أن القرآن لم ينص على عدد معين من الركعات لكل صلاة من الصلوات الخمس، بالإضافة إلى إنكارهم لكثير من الأحكام الإسلامية الأخرى التي لم يرد ذكرها أو تفصيلها في القرآن الكريم ونصت عليها السنة النبوية.
لا يهدف القرآنيون ضمن مشروعهم إلى إقامة دولة إسلامية أو تطبيق الشريعة الإسلامية كغيرهم من الجماعات الإسلامية المتشددة، وإنما يقتصر الأمر فقط على دعوة الناس لنبذ الحديث الشريف والاكتفاء بالقرآن الكريم الذي لم يدخل عليه التحريف أو التغيير.
ومن عادات القرآنيين في العمل أنهم يخرجون في الليل ويجلسون تحت الأشجار ليفسروا القرآن الكريم -بطريقتهم- ولا يبالون إن كان هناك من يستمع إليهم أم لا، المهم أن يبلغ ما يريد من موعظة في ذلك اليوم، وغالبية من ينتمون إليهم هم من الأطفال وصغار السن الذين يرسلهم أهلهم من مختلف الولايات لدراسة القرآن الكريم وحفظه، والذين يسمون بالمهاجرين، فخلال الاشتباكات الأخيرة كان معظم القتلى من صغار السن، لكن الجماعة تضم في عضويتها تجارا وصناعا وعمالا.
وتتسع قائمة المحرمات لدى القرآنيين؛ فهم يحرمون الزواج من غيرهم، ويتزاوجون فقط فيما بينهم، ويحرمون كذلك استخدام الراديو والتليفزيون وغيرها من الأجهزة التي لم يرد ذكرها في القرآن الكريم.
بوكوحرام وعودة المانيسيتي: بعد حقبة الثمانينيات اختفت الحركة وأنصارها واختفت تجمعاتهم لتعود إلى الظهور من جديد بعد أحداث جماعة "بوكوحرام والتي عرفت بطالبان نيجيريا" التي اشتعلت في الشمال في يوليو 2009، والتي قتل فيها أكثر من 200 شخص من عناصر "بوكوحرام"، بعد هذه المواجهات بدأت جماعة الكالاكوتا في الظهور مجددا على الساحة، وبدلا من العمل السري اتجهوا إلى الدعوة إلى معتقداتهم في العلن؛ وهو ما تسبب في رفض الكثير من الجماعات لما يدعون إليه خاصة ذات التوجه السلفي.
وتذكر إحدى الروايات أن المجادلات اشتعلت بينهم وبين جماعة "إزالة البدعة وإقامة السنة" (وهي جماعة سلفية في نيجيريا)، وظلت الأمور قاصرة على الحرب الكلامية فقط، إلا أنها تطورت فيما بعد حينما أعلن شيخهم "بادماسي صالح الكاليري" عن قتل كل من يخالف معتقدات "المايتتسيني"، في خطاب ناري وجهه لأتباعه بهذا الشأن خلال الأيام السابقة لاشتعال الصدامات، ويقال إن أعضاء في هذه الجماعة عقدوا اجتماعا الأحد 27 ديسمبر2009 هاجموا فيه الحكومة والتعليم الغربي".
وعندما توجه أنصار "المايتتسيني" لتنفيذ الأوامر اتجهوا إلى جيرانهم ودعوهم لمساعدتهم في قتل المخالفين لأفكارهم، وحينما رفض الجيران دعوتهم قتلوهم بالسيوف والسواطير والأسلحة البيضاء، وخرجوا إلى الشوارع فخرجت قوات من الجيش لقمعهم وكانت المواجهات الدامية التي أسفرت عن مقتل أكثر من سبعين شخصا وجرح مئات تتراوح أعمارهم بين السادسة عشرة والخامسة والعشرين، وقتل زعيمهم في تلك المواجهات الدامية.
ومن جانبه، قال آدمو أبو بكر من الصليب الأحمر النيجيري إن قوى الأمن ضبطت في منزل زعيم طائفة كالاكاتو -التي وصفها بالمتشددة- "معدات لصنع قنابل ومتفجرات ورشاشي كلاشينكوف مع ذخيرتهما"، مشيرا إلى أن من بين قتلى المواجهات جنديين وشرطيا، كما تم العثور على "كمية من السيوف والخناجر والذخيرة إثر هذه الاشتباكات التي جرت في حي زانغو في المدينة"، بحسب تصريح أبو بكر لوكالة الأنباء الفرنسة إثر اشتعال القتال في 30 ديسمبر 2009.
وتذكر رواية أخرى أوردتها الصحف النيجيرية أن سبب الاشتباكات كانت أزمة داخلية أدت إلى انشقاق فيما بينهم، تطور إلى مواجهات بالأسلحة البيضاء بصورة عنيفة، مما دعا الجيش للتدخل ووقف هذا القتال.
موقف العلماء من القرآنيين: يتبرأ جميع علماء نيجيريا المسلمين من هذه الفرقة، ويعتبرونها خارجة عن الإسلام؛ لإنكارهم معلوما من الدين بالضرورة، وهو السنة النبوية التي قال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبدا كتاب الله وسنتي».
ويقول محمد ثاني مدير كلية الكانمي للدراسات الإسلامية بولاية برنو النيجيرية في حديث لـ"الإسلاميون.نت" إن الجماعات الإسلامية في نيجيريا تنشغل بتكفير بعضها البعض؛ حيث تتبادل كل من جماعة الإزالة السلفية والطريقة التيجانية الصوفية تكفير كل منهما للآخر، ولم يهتموا بمواجهة أفكار جماعة كجماعة الكالاكوتا التي تدعو إلى أفكار وعقائد فاسدة من الممكن أن تضر بالمجتمع المسلم في الشمال.
ويضيف أنه وبالرغم من عدم تقبل المجتمع للقرآنيين ولأفكارهم ودعوتهم، إلا أن الناس لا تستطيع أن تنكر أفكارهم بشكل فردي، أو تنتقدها وتظهر مخالفتها لصحيح الدين الإسلامي؛ وذلك خوفا من بطش أنصار الجماعة بمن يخالفهم أو يقف ضد معتقداتهم.
وذكر الشيخ "باباجنا آجي" -من علماء ولاية ميدغري- أن هذه الجماعة "كالاكاتو" تتفق مع جماعة "بوكوحرام" في تحريمها للتعليم الغربي، إلا أنها تختلف معها وتكفرها؛ لأنها تعتمد على الحديث كمصدر من مصادر التشريع وتنشغل بعلومه وعلوم السلف.
وأشار "باباجنا آجي" إلى عودة الحركة بقوة بعد الأحداث الدامية والاشتباكات التي استهدفت فيها "بوكوحرام"؛ حيث إنها وجدت الساحة خالية أمامها لنشر أفكارها التي يتقبلها بعض الجهلة من الشعب والذين لا يعلمون عن معتقداتهم الدينية الكثير.
وشدد على ضرورة تصدي العلماء والجماعات الإسلامية لمثل هذه المعتقدات التي تشكل خطرا على أهل السنة والجماعة في نيجيريا والصحوة الإسلامية في الشمال بشكل عام.
ويستبعد المحللون اختفاء هذه الجماعة من على الساحة في المستقبل؛ حيث يعتبرون تلك الاشتباكات التي حدثت بالأمس القريب مجرد حادث طارئ لن يؤثر كثيرا على هذه الجماعة أو يخفيها من الوجود، خاصة أن الحكومة لا تسعى إلى التضييق على أفكار هذه الجماعة في ظل علمانية الدولة التي لا تحجر على الأفكار والمعتقدات أيا كانت.

