جولة الصحافة
مصباح يزدي .. زرقاوي الشيعة الحالم بخلافة خامنئي
حسن فتحي القشاوي - جريدة السياسي الالكترونية/ 19/11/2009
إذا كان أسامه بن لادن هو زعيم المتطرفين السنة، وأبو المصعب الزرقاوي هو خلاصة إرهابيي القاعدة، فإن آية الله محمد تقي مصباح اليزدي هو ذروة التطرف الشيعي الاثنا عشري يعد آية الله يزدي الأستاذ والملهم الديني للرئيس الإيراني المثير للجدل محمود أحمدي نجاد، وهو مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي، وعضو مجلس خبراء القيادة في ايران، وأحد أبرز المرشحين لتولي منصب المرشد الأعلى للثورة (الولي الفقيه) في حال خلو المنصب، رغم أن يزدي ليس من المراجع التقليدية الشيعية، ولايتمتع بأي شعبية في الأوساط الإيرانية المختلفة، إذ فاز بصعوبة في انتخابات المجلس المحلي للعاصمة طهران، ولكنه بات يستقوي بالدولة التي يرأسها تلميذه نجاد، والتي جنحت بشدة نحو التطرف بعد أن أصبح مريدو يزدي يقومون فيها بأدوار مهمة داخل إدارة الرئيس والسلطة القضائية.
يوصف آية الله يزدي من قبل المصادر الإيرانية، بما فيها الدينية، بأنه ذو توجهات شديدة الرجعية، وهو مشهور عنه توزيع فتاوى القتل والتكفير وأغلبها توجه لمعارضة الرئيس محمود أحمدي نجاد، أو المعترضين على قرارات المرشد الأعلى الذي يتطلع لوراثته، فقد سبق أن قال يزدي إن "إطاعة أحمدي نجاد.. تعني إطاعة الله" ، وأردف قائلاً "عندما ينصب المرشد الرئيس، فإن طاعته تكون بمثابة إطاعة الله
ولقد نسبت إليه صحيفة "الكوياريه ديلاسيرا" الإيطالية أنه أصدر فتوى مؤخراً تبيح تصفية المرشحين الإصلاحيين مير حسين موسوي والشيخ مهدي كروبي، كما سبق أن بعث برسالة للمرشد يطالبه بتنفيذ حكم الإعدام في الإصلاحي هاشم آغاجري، ورجل الدين أحمد قابل، وكان الإصلاحي أكبر غنجي قد اتهمه بإصدار فتوى كانت وراء تصفية كتاب وصحافيين معارضين جسدياً
كما اتُّهم يزدي من قبل أوساط المعارضة بإصدار فتوى تبيح اغتيال خمسة أشخاص في مدينة كرمان، واعتقلت على خلفية هذه الأحداث مجموعة من ميليشيا الباسيج (التعبئة) المستقرة في إحدى الحسينيات، حيث اعترفوا بأنهم أقدموا على ذلك بعد سماعهم كلمة للشيخ محمد تقي مصباح يزدي أباح فيها دماء المعارضين.
لكن يزدي بعث برسالة إلى المحكمة برر فيها فتواه بأنه لم يصدر فتوى لتصفية المقتولين الخمسة، ولكنه أصدر فتوى تجيز القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بواسطة ميلشيا الباسيج مباشرة
ومن بين الاتهامات التي توجه لمصباح يزدي من قبل الأوساط الإصلاحية إصداره فتوى تجيز التزوير في الانتخابات الرئاسية لصالح أحمدي نجاد، وهو ما يفسر اتهام الحكومة الإسلامية التابعة لنجاد وبعض أجهزة الثورة بما نسب إليها من تزوير في الانتخابات الرئاسية، لإنجاح المرشح الإسلامي نجاد، مما فجر الأحداث الأخيرة في إيران
ويزدي مدافع شرس عن نظرية ولاية الفقيه، إذ اعتبرها بمثابة المحور لسيادة الإسلام والضمانة لتحقيق العدل والتقدم في البلاد، بل إنه تمادى في تصريحاته المدافعة عن ولاية الفقيه قائلا "من يخالف ولاية الفقيه فهو مشرك"، رغم أن مبدأ ولاية الفقيه هو مبدأ حديث في المذهب الشيعي أحياه الإمام الخوميني، ولا يؤمن به أغلب شيعة العراق، ودول الخليج، فضلا عن جل السنة في العالم الإسلامي، ووفقا لفتوى يزدي أن الشيعة الإيرانيين قبل عام 1979 كانوا مشركين، إضافة إلى الجزء الأكبر من الشيعة خارج إيران وبالطبع السنة
ويقول أحد تلامذة يزدي والناطقين بلسانه إن الولي الفقيه بإمكانه تعطيل بعض أحكام الشريعة مثل الحج والرجم، ويكن يزدي عداء شديداً لنظام الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي، إذ يرى أن إيران كادت تتحول إلى دولة غربية في عهده، وقد وصف يزدي منتسبي الحركة الإصلاحية التي كان يقودها خاتمي بأنهم يريدون إحياء "الكفر الشاهنشاهي" (نسبة لشاه إيران).
لا يقتصر يزدي على توزيع صكوك التكفير، ولكنه يوسع دائرة اتهاماته إلى التخوين، فقال في عام 2003 إنه تلقى معلومات من مدير "وكالة أنباء تركمنستان" تؤكد حصول مسؤولين إيرانيين على مبلغ 500 مليون دولار من الولايات المتحدة الأمريكية كرشاوى للتفاهم معها، وإن عناصر من "وكالة المخابرات المركزية الأمريكية" بصدد محاولة شراء مسؤولين إيرانيين آخرين، ويضيف أن هناك أشخاصاً يبدون الإيمان بالنظام وقيم الثورة، لكنهم يقومون في نفس الوقت بدور واضح في إقرار علاقات مع الأعداء، أو يتصلون سراً بهم ويقيمون علاقات سرية معهم
رغم أن يزدي يعد تلميذاً للعلامة الشيعي الطباطبائي، صاحب تفسير «الميزان» وأحد أبرز المفسرين والفلاسفة الشيعة المتبحرين في العصر الحديث، إلا أن فكر يزدي يعد ردة خطيرة عن فكر الثورة الإسلامية، بل عن الخط العام للفكر الشيعي بصفة عامة، في قفزة واسعة للخلف والتطرف يشهدها المذهب الشيعي، كالتي يشهدها المذهب السني على يد بعض متطرفيه
فيزدي يوزع اتهاماته التكفيرية على أي أفكار تخالفه، حتى لو كانت من بنات أفكار علماء ومكفرين شيعة كبار، وفي هذا الإطار يكن يزدي عداء خاصاً للمفكر الشيعي على شريعتي أحد أهم ملهمي الثورة الإسلامية الإيرانية، والذي اغتاله نظام الشاه في باريس، ويعد شريعتي مفكراً شيعياً منفتحاً ومجدداً وداعية قوياً للوحدة الإسلامية، والتعالي على الخلافات المذهبية مع السنة، حتى اتهم بخيانة المذهب الشيعي، كما يعد شريعتي أول مفكر شيعي يدافع عن الدولة العثمانية السنية، ويهاجم الدولة الصفوية التي أدخلت المذهب الشيعي لإيران، لأنها ناصبت جارتها العثمانية العداء وتحالفت مع الغرب ضدها، كما حرفت المذهب الشيعي فيما يسميه شريعتي التشيع الصفوي الخاطئ مقابل التشيع العلوي الصحيح.
وقد اتخذ يزدي موقفاً متشنجاً من أفكار شريعتي وأطروحته الناقدة للتيار الديني وللسلوكيات المجتمعية المتصلة بالدين، واستمر هذا الموقف حتى بعد ممات شريعتي، وهذا الموقف المتشنج جعله يدخل في خلاف مع رجلي الدين بهشتي ومطري، رغم أنهما أكثر تحفظاً مع شريعتي وكانا مختلفين معه، إلا أنهما كانا يقران بفضله في توعية الشباب، أما يزدي فقد اعتبر أنه لا بد من إظهار الحق وتعرية أفكار شريعتي المنحرفة
ورغم أن يزدي أحد المرشحين لتولي منصب ولاية الفقيه، فإن أفكاره المتطرفة تشكل ردة حقيقية عن أفكار الثورة الإسلامية، التي حاولت أن تجمع بين الأفكار الدينية والجمهورية فيما عرف بالجمهورية الإسلامية، كما سماها الخوميني، أو الديمقراطية الإسلامية كما سماها خامنئي، وهي التي تجمع (وإن كان دون نجاح كبير) بين الانتخابات الشعبية مع وجود قدر من الوصاية لرجال الدين عبر العديد من الآليات
أما يزدي فيعارض مبدأ "الجمهورية الإسلامية" حيث يؤكد في المقابل على قيام "الحكومة الإسلامية". وقال في إحدى خطبه بأن الشعب "يعين الولي الفقيه ولا يعينه" !، ويعتبر الولي الفقيه حكماً ينوب عن المهدي المنتظر، لذا لا يجوز اختياره بواسطة الشعب، بحسب رأيه
ويشدد مصباح يزدي على أن الفرد غير قادر على إدراك حاجاته الحيوية جميعاً، فبعضها يتطلب قدرات تتجاوز إمكاناته الفكرية والسيكولوجية الاعتيادية. في العادة فإن الفرد مشدود إلى حاجاته المادية الملحة، رغم أنها أدنى قيمة من حاجاته المعنوية والوجودية
ولايؤمن مصباح يزدي بالمواطنة على النسق الغربي، فيقول إن المواطنة لا تمنح صاحبها بالضرورة حقوقاً معينة ثابتة، فحق الوصول إلى المناصب العامة يتقرر بناء على معايير الكفاءة الأخلاقية، وليس الحقوق الدستورية أو الطبيعية
ويبدو أن آية الله مصباح يزدي قد اقترب أكثر من أي وقت مضى من تحقيق أفكاره المتطرفة، بعد أن أصبح تلميذه المفضل رئيساً للجمهورية، واقترب المرشد من أفكار اليمين الديني المتطرف الذي يمثله يزدي، وبعد أن تراجع نفوذ رجل البراجماتية والاعتدال في الثورة هاشمي رافسنجاني
الأخطر أن أفكار يزدي قد تصبح موضع تطبيق، إذا صحت التوقعات بخلافته للمرشد، وفي هذه الحالة فإن يزدي سيجهز على الجمهورية الإسلامية بعد أن أجهز تلميذه على سمعتها في الداخل والخارج، وستعود إيران إلى العصور الوسطى رسمياً، وساعتها سيترحم الإيرانيون والعالم على حكمي الخوميني وخامنئي.

