جولة الصحافة
عودة المتطرفين في إيران
عودة المتطرفين في إيران
جاك ا. جولدستون - الغد 19/3/2006
بعد مرور ستة وعشرين عاماً منذ قيام الثورة الإسلامية، وبعد أن بدأ الغرب يتوقع لإيران أن تستقر وتصبح أكثر برجماتية واعتدالاً، يبدو أن نظام الرئيس محمود أحمدي نجاد قد ارتد إلى التطرف. ولكن ربما نستطيع أن نفهم ما يجري في إيران الآن إذا ما نظرنا إلى الثورات السابقة، وذلك لأن الأحداث الأخيرة هناك لها سوابق تاريخية واضحة.
فإذا ما رجعنا إلى التاريخ سنجد أن العديد من الثورات مرت عبر فترة أولية "هادئة" في أعقاب مرحلة مبكرة اتسمت بالتطرف، ثم شهدت بعثاً جديداً للتطرف بعد خمسة عشر إلى خمسة وعشرين عاماً. والسبب وراء هذا أن الفترة الأولية الهادئة غالباً ما تتسم بالفساد والتراجع عن الأهداف الثورية، الأمر الذي يجعل المثاليين يشعرون بأن الثورة قد ضلت الطريق. وانطلاقاً من إيمانهم بأن السعي الحثيث نحو تحقيق الغايات الثورية هو الطريق الوحيد لتعزيز قوة بلادهم، يحاول هؤلاء المثاليون التحريض على "عودة المتطرفين"، فيشتعل بذلك نزاع حاد بينهم وبين رفاقهم من الثوريين الأكثر اعتدالاً.
كانت ثورة المكسيك في عام 1910 قد بدأت بتحدٍ للديكتاتور بورفيريو دياز. وقد أدى ذلك التحدي إلى اندلاع الانتفاضات والثورات بين الفلاحين والعمال. ولقد بدا أن المرحلة المتطرفة من الثورة قد انتهت حين استولى الجنرال ألفارو أوبريجون على السلطة في عام 1920؛ فبادر إلى تقييد الإصلاح الزراعي وسعى إلى الصلح مع الولايات المتحدة. وطيلة الأربعة عشر عاماً التالية، حكم أوبريجون المكسيك هو وحليفه بلوتاركو كاليس.
ثم في عام 1934 أدى الاستياء والامتعاض من الفساد المستشري إلى إجبار كاليس على اختيار "مثالي مخلص" ليتولى رئاسة البلاد، وهو رجل شاب كان قد حارب معه في وقت مبكر من الثورة. ولقد تصور كاليس أن ذلك الشاب يستطيع أن يستعيد السيطرة لكنه في نفس الوقت سيساعد الحكومة على استرداد شعبيتها. طاف "الثوري المخلص" لازارو كارديناس البلاد في جولة اكتسب بها تأييداً شعبياً، ثم انقلب على كاليس وطرده من المكسيك.
وبما عُرِف عنه من تطرف وإخلاص، رفض كارديناس الإقامة في القصر الرئاسي وخفض راتبه إلى النصف. كما تعامل بجدية مع الأهداف المبكرة للثورة، فشرع في عملية إصلاح زراعي واسعة النطاق. وفي عام 1938 - بعد ثمانية وعشرين عاماً على بداية الثورة - حرض كارديناس على الدخول في مواجهة كبرى مع الولايات المتحدة وبريطانيا بمصادرة شركات النفط التابعة للدولتين وتأميم صناعة النفط في المكسيك. ولم تعد المكسيك إلى مسار سياسي أقل تطرفاً إلا في الأربعينيات بعد خروج كارديناس من السلطة.
وعلى نحو مماثل، بدأت الثورة الشيوعية في الصين بهجمات متواصلة دامت عقداً من الزمان ضد الطبقتين المتوسطة والمهنية، وبإعادة تشكيل الريف الصيني. ولقد بلغت هذه المرحلة ذروتها بِـ"القفزة التقدمية العظمى" في الفترة ما بين عامي 1958 و1959. لكن تلك الحملة الكوارثية المشؤومة أدت إلى إضعاف نفوذ ماو؛ وفي مطلع الستينيات تدنت به الحال إلى الاضطلاع بأنشطة ثانوية بينما اكتسب البرجماتيون من أمثال ليو شاوكي ودنج زياوبنج المزيد من القوة.
لكن ماو أبدى انزعاجه من ابتعاد ثورته عن المسار الذي رسمه لها، فعمد في منتصف الستينيات إلى شن حملة لاسترداد السيطرة على الحزب من خلال تثقيف جيل جديد من الشباب المتطرفين. وعلى أيدي هؤلاء الشباب الذين أطْلِق عليهم "الحرس الأحمر" انطلقت الثورة الثقافية التي دامت طيلة الفترة من عام 1966 إلى عام 1968. ولقد استهدفت الثورة الثقافية العناصر الأكثر محافظة داخل الحزب الشيوعي، وأدت إلى تمزيق البلاد، لكنها أعادت ماو إلى السلطة المطلقة وسمحت له بتطهير الحزب من البرجماتيين المعتدلين.
ولكن هل انتهت المعركة بين البراجماتيين والمتطرفين عند ذلك الحد؟ في مطلع السبعينيات اكتسب المعتدلون بعض النقاط حين خططوا لإعادة العلاقات الودية مع الولايات المتحدة، وهي المحاولات التي بلغت ذروة نجاحها بزيارة نيكسون الشهيرة إلى الصين في عام 1972. وفي العام التالي تم رد الاعتبار إلى دنج، وفي أواخر السبعينيات بعد وفاة ماو، استولى البرجماتيون من أتباع دنج على زمام السلطة.
ولكن تُرى ما الذي توحي به هذه السوابق التاريخية بالنسبة لإيران؟ من المرجح أن تكون فترة الهدوء النسبي التي سادت منذ وفاة الخميني في عام 1989 قد بلغت الآن منتهاها. ويأتي انتخاب أحمدي نجاد كإشارة إلى بداية نشوب صراعات جديدة داخل الحزب الجمهوري الإسلامي الحاكم. وهذه الصراعات من شأنها أن تضع "المتطرفين المخلصين" - بزعامة أحمدي نجاد وبتأييد من الجيل الثاني من الثوريين الأكثر شباباً والمعروفين بِـ "البناءون" والذين اكتسبوا قوة واضحة في البرلمان الإيراني- في مواجهة مباشرة مع الملالي الأكثر فساداً وبرجماتية، والذين يترأسون الحزب، تحت زعامة الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني. أما القائد الأعلى آية الله خامنئي فقد ترك في المنتصف، وربما في عزلة متزايدة وبدون تأييد شعبي قوي.
كيف ينبغي أن تكون استجابة زعماء الولايات المتحدة وأوروبا؟ تاريخياً، تدوم مرحلة عودة التطرف إلى القوة من خمسة إلى عشرة أعوام. وتتسم هذه الفترة بقدر أعظم من العدوانية ضد الأعداء في الداخل والخارج.
هذا لا يبشر بخير فيما يتصل بتحسين العلاقات مع إيران على الأمد القريب، ويجعل لزاماً على القوى الغربية أن تتحد للتأكيد بوضوح لا يداخله شك أن أي استخدام لأسلحة أو مواد نووية من قِبَل إيران أو جماعات إرهابية متحالفة معها سوف يسفر عن ردة فعل فورية ومدمرة. (كانت الصين قد أنتجت أسلحتها النووية قبل ثورتها الثقافية مباشرة، بغرض ردع الاتحاد السوفييتي في الأساس، لكنها لم تستخدمها قط).
ومن البدائل المتاحة أيضاً أن يقدم الغرب حوافز إيجابية - بما في ذلك اعتراف من قِبَل الولايات المتحدة وإنهاء للعقوبات المفروضة على إيران - من شأنها أن تساعد على تمكين البرجماتيين المعتدلين ودعمهم في صراعهم داخل الحزب، تماماً كما كان في المبادرات التي قدمها نيكسون إلى الصين إضعاف للتطرف في الصين ودعم للبرجماتيين في الحزب الشيوعي.
لم يطالب نيكسون زعماء الصين بالتخلي عن الشيوعية، أو زعماء المكسيك بالتحول إلى الديمقراطية التنافسية، بل كانت مطالبه تتلخص في التصرف من منطلق الإحساس بالمسؤولية والسعي إلى إقامة علاقات عمل مع الولايات المتحدة. وبعد مرور خمسة عقود منذ قيام ثورتها، ما زالت الصين دولة غير ديمقراطية، والمكسيك بعد تسعة عقود من ثورتها بدأت للتو في التحول إلى الديمقراطية. ومن المعروف أن أياً من الدولتين لم تكن على اتفاق دائم مع الغرب، ولكن كل منهما صارت الآن دولة يستطيع الغرب أن يقيم معها قدراً عظيماً من علاقات العمل، واندمجت كل منهما بصورة متزايدة في الاقتصاد العالمي. وربما تكون هذه هي الغاية الواقعية الوحيدة التي ينبغي علينا أن نسعى إلى تحقيقها في التعامل مع إيران.
جاك ا. جولدستون أستاذ السياسة العامة بجامعة جورج ماسون ومحرر "ثورات نهاية القرن العشرين" و"موسوعة الثورات السياسية".

