دراسات
دراسات/العدد الثامن والسبعون - ذو الحجة 1430 هـماذا يجري في سجون الثورة الإيرانية؟!.. |
![]() الأرشيف |
الشِّقاق الأخباري الأصولي في "القَدَر" الشيعي
الأستاذ عادل عبدالله
خاص بالراصد
للجعفرية الإثني عشرية مدرستين منهجيتين شهيرتين، هما الأصولية[1] والأخبارية[2]، وهما قائدتا الخلاف الشيعي الشيعي اليوم، وتتحكمان في مسيرة التشيُّع المعاصر، وترسمان خريطة طريقه السياسية، وميلان ثقله الجماهيري؛ إلا أن المدرستين تتشابكان إلى درجة يصعبُ معه تحديدُ أسبقيةِ الوجود التاريخي، أو تشابه المرجعية الأخباريةِ الأصوليةِ لعموم الشيعة؛ إذ الخلاف بين المدرستين هو في بُنية المذهب ومصادرِ تَلَقِّي مرجعياته وعلمائه[3]، وبصورةٍ أدقَّ، هو خلافٌ على مستوى المجتهدين لا المُقَلِّدين، فيجب على العالِم الشيعي -وهو يتدرج في سُلَّم الاجتهاد-أن يتتلمذَ على منهجيةٍ مرسومةٍ في كُلِّياتها وجزئياتها المدرسية؛ ومناطُ خلاف المدرستين مسألةُ تقديمِ صريحِ المعقول على صحيحِ المنقول عن الأئمة المعصومين زمنَ الغيبةِ الكبرى، أو جدليةُ العقل والنقل الفلسفية.
ومع التطوُّر المنهجي المستمر عند الشيعة حصلت قفزة نوعية أو ثورة في هذا التطور تمثلت في المنهج الأصولي، الذي أضاف العقل كعاملٍ مُقدَّم على النص المرويِِّ، كحَكَم عليه تقديما وتأخيرا، وقد تزعَّم هذه الثورة المنهجية أحد أهم مراجع الحوزة الكربلائية في زمانه، وهو الشيخ محمد باقر البهبهاني سنة (1206هـ/1791م)، الأمر الذي أعاد تشكيل عقيدة القدر، التي هي الأخرى موطن خلاف عميق بين المدرستين كما سيأتي.
وعلى الرغم من كثرة البحث والنظر في مسائل الخلاف المنهجية بين المدرستين، الدائرة على مسائل أربع جوهرية هي دليل العقل، والاجتهاد والتقليد، وتقليد الميت، واستصحاب الحال؛ إلا أن نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م، أحدثت ثورة مُوازِية في المدرسة الأصولية على الصعيد السياسي، ووسعت الهُوَّةَ بينها وبين الأخباريين على الصعيد العقائدي؛ إذ إنها تتويج لعملية توظيف عقيدة القدر في الشأن السياسي، وإعادة إحياء دولة شيعية بأجندة توسعية بعد أن شارفت على الموت بسبب سياسات العائلة الفارسية البهلوية التي كادت أن تقضي سياساتها العلمانية على المعقل الأخير للدولة الشيعية التي مثلتها الصفوية طيلة أربعة قرون خلت.
فالمدرسة الأصولية، التي هيمنت عليها الفارسية الصفوية، تنتهج في مسائل القدر العقيدة "القَدَريّة"[4]، التي تؤمن بأن القَدَرَ ما هو إلا صناعةُ الإنسان، آخذة بعقيدة شيخ المدرسة الأصولية ابن بابويه القُّمِّي (الصدوق) الذي نص في عقائده على أن "اعتقادنا في أفعال العباد أنها مخلوقة خلق تقدير لا خلق تكوين، ومعنى ذلك أنه لم يزل الله عالما بمقاديرها"، وتدارك كلامه المفيد بالتعليق قائلا: "الصحيح عن آل محمد (ص) أن أفعال العباد غير مخلوقة لله...، وقد روي عن أبي الحسن أنه سئل عن أفعال العباد فقيل له هل هي مخلوقة لله تعالى؟ فقال (ع): لو كان خالقا لها لما تبرأ منها، وقد قال سبحانه (إن الله بريء من المشركين ورسولُه)، ولم يُرِد التبرأ من خلق ذواتهم، وإنما من شركهم وقبائحهم".[5]
أما المنهجية الأخبارية، المتنازع على مرجعيتها بين الفرس والعرب، فتميل إلى "الجَبْرَ"[6] في هذه المسألة، وأنه لابد من تحققٍ كامل للمظلومية الشيعية، ليخرج قائم آل محمد، ويقيم الموازين القسط، وينصر شيعة آل البيت على أعدائهم، ويقودهم إلى حكم العالم.[7]
وهذا ما يعتبره الأصوليون سِرَّ فشل الأخباريين في الإبقاء على أي كيان سياسي شيعي قوي على مدار التاريخ، ما خلا الحركات السياسية السرية أو الحوزات العلمية؛ على الرغم من أن المدرستين تتفقان في النظرة للإله والكون، فهو (الله) لا يقبلُ مُجرَّد النطق بالشهادتين والاعتقاد بإله واحد لا شريك له، بل لابد من آل بيت المعصومين على العقيدة الشيعية، ومن ثم فكل ما هو مُهمٌ عند الله يَتَمَحوَر حَول آل البيت (على المفهوم الشيعي) في البدء والختام.
وقد أحدثت مسألة القدر خلافا جوهريا في التحرك السياسي المُمَهِّد لخروج المهدي المنتظر من غيبته الكبرى، فالتيار الأصولي المعاصرُ الذي تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية وظَّفَت القَدَرَ في أجندة سياسية أيديولوجية، تُغذّي الضميرَ الجماعيَ الشيعي نحو هدفٍ مُوحَّد، هو تهيئةُ الظروف لخروج المهدي، وتختلف معها المدرسة الأخبارية "الجَبْريَّة" التي تعتقد ضرورة انتظار خروج "المهدي" أولا، ثم بدء التحرُّك معه لتنفيذ وظيفته بعد خروجه، وأي تحرك قبل وقوع القدر باطل.[8]
والحقيقة أن الخلاف الشيعي الشيعي في مسألة القدر يصلح أن يكون بندا خامسا من بنود الخلاف بين المدرستين؛ لأنه خلاف في أصل النظرة إلى المصير وحركة التاريخ الشيعي، ويغلب على الظن أن هذا هو منشأ الخلاف الفلسفي بين المنهجيتين.
"القَدَر" كرؤية للتاريخ الشيعي
تنبع رؤية الشيعة –أخباريين وأصوليين-للتاريخ من عنصرين أساسيين، أحدهما عقائدي والآخر تاريخي؛ فأما العقائدي فسِمَتُه الحُلُولية بكل ما تحويه من مَزجٍ بين العناصر المطلقة والنسبية، وبكل ما تخلعُه عليهم من مُطلَقاتٍ تخرج مَخرَج الأحكام اليقينية.
وثانيهما التجربة التاريخية للشيعة؛ فقد ساهمت هذه التجربة في إعطاء ما يَشبه الأساس الواقعي أو الافتراضي للرؤية الشيعية للتاريخ، يجعل الشيعة كيانا مستقلا عن باقي الكيان الإسلامي، وهذا أوهم مفكريهم أن للشيعة تاريخهم المستقل عن التاريخ العام الذي يُحيط بهم، وأنساهم أن استقلالية الشيعة نفسها من سمات تطور المجتمع الإسلامي، وخاصة في دائرة ما يعرف بالشرق الأوسط، وأن النظام الاجتماعي الشيعي المستقل هو -في نهاية الأمر-نتاج للبناء التاريخي الأساسي لمراحل الخلافة الإسلامية المتعاقبة؛ إذ إن الذي حكم ظهور وسقوط الحوزات الشيعية الكبرى أو الأشكال الإدارية الإثني عشرية المستقلة الأخرى ليس الإرادة الشيعية المستقلة، وإنما حركة التاريخ الإسلامي، ومجموعة من العناصر المركبة يُشكل الشيعةُ جزءا منها في القديم والحديث.
ويمكن القول: إن الرؤية الشيعية للتاريخ لا تختلف في بنيتها عن الرؤية الحلولية الصوفية، فتاريخ الشيعة هو تاريخ يتدخل (أي يِحِلُّ) الله تعالى فيه بشكل مستمر؛ ولذا أصبح السفراء والمراجع والحوزات والمُقَلِّدون أُمّةً ومجتمعا دينيا في آن واحد، ولا يزال الشيعةُ شعبا ومجتمعا دينيا (قوميا ومقدَّسا) حتى وقتنا هذا.
في الرؤية الشيعية للتاريخ، هناك تطابق كامل بين ما يُشكِّله الأئمة المعصومون وسفراؤهم ومراجعهم من جهة، والعقيدة والتاريخ من جهة أخرى؛ فهم يعتقدون أن التاريخ والوحي (أقوال الأئمة) ظاهرة واحدة: التاريخ باعتباره وحيا قَدَريا، والوحي باعتباره تاريخا شيعيا، يظهر ذلك في باب مستقل عقده الكليني في أصول الكافي باسم: "باب أن الأرض كلها للإمام"، أورد فيه عن أبي عبدالله (ع) قال: "أما علمتَ أن الدنيا والآخرة للإمام، يضعها حيث شاء ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك من الله...".[9]
وهكذا تتحول المراجع الشيعية -كالحال مع الرؤى الدينية الحلولية الكمونية القديمة-إلى جماعة من المعصومين، وسائر المؤمنين (الشيعة) لهم تبع، فيتحول تاريخهم إلى وَحيٍّ مُستمر؛ ولذا، فالشيعة –على هذا التصور الحلولي -أمة تعيش وحيا إلهيا عبر تاريخها المُطَهَّر، الذي لم يكن سوى صراع لا ينتهي من أجل وضع وصايا آل البيت المعصومين موضع التطبيق.
وبهذا يتداخل التاريخ الرسالي لآل البيت والتاريخ الاجتماعي العام، كحركة حياة إنسانية؛ ما جعل حصول تداخل في البنى التاريخية وعدم إلمام بحركة التاريخ ينعكسان بجلاء في الطريقة التي يقرأ بها الشيعة الواقع التاريخي؛ إذ هم حينما ينظرون إلى العراق مثلا، أو أرض الحجاز أو الشام، فهم لا ينظرون إلى الأوطان والشعوب، كواقع إنساني تاريخي، وإنما يرون مفهوما دينيا يُدعَى "منطقة الظهور".[10]
ويتبدَّى الرفض الشيعي للتاريخ الإنساني العام في استعمال مصطلح "التاريخ"، فحينما يستخدمونها فإنهم لا يشيرون في العادة إلى التاريخ الحي، بل يوظفون تاريخ الأئمة الإثني عشر أو تراثهم الديني (المكتوب أو الشفوي)، ويسقطونه على الواقع الحي؛ ولذا، تضيق خريطة التاريخ إلى مواطن حركة الأئمة وملاحمهم ضد خصومهم.
وبهذا تكون الحقوق التاريخية الشيعية هي أيضا الحقوق "الطاهرة" للأئمة المعصومين التـي وردت في رواياتهم، والتي تؤكد أنهم شيعة آل البيت، لهم حقوق تستمد شرعيتها من الولاية الإلهية على المؤمنين وخلافة النبوة، وهو العهد الرَّباني الذي يُعبِّر عن الحلول الإلهي في شيعة علي.
ويبرز هنا الخلاف الأخباري الأصولي مرة أخرى –على الرغم من الرؤية الاختزالية للواقع-في إعمال القدرة البشرية في القَدَر، أو تركَه يعمل عمله، بما يسوق أتباعه إلى القدر المحتوم؛ إذ النموذج الإخباري الاختزالي مُعادٍ للتاريخ مُنكر لإمكانات الآخر (بحكم عقيدة الجبر)، والأصولي معادٍ كذلك للتاريخ، لكنه يقيم لإمكانيات الآخرين وزنا ويحسب له حساباته.
ومن هنا يتصور الأصوليون الفارسيون أنه بإمكانهم اجتياز الهوَّة، التي تفصل بين رؤيتهم للتاريخ من جهة وبين الواقع التاريخي من جهة أخرى، عن طريق العنف[11]؛ فالعنف عادةً هو الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على الواقع وتركيبيته، ويبدو أنه نجح خلال العقود الثلاثة الماضية في تحقيق جزء كبير من المشروع النهضوي الفارسي الشيعي؛ إذ إن فترة الثورة الخمينية تُعدُّ من الفترات المضيئة، تمركزت فيها الذات الشيعية على نفسها ودافعت عن نفسها بضراوة وشراسة، وبحسب هذا الفهم، تكون العقود القليلة التي مرت على قيام دولة شيعية في إيران أكثر الفترات خصوبة في التاريخ الشيعي، ويصبح التمرد الصفوي في وجه "قوى الاستكبار"، والدفاع عن شيعة آل البيت وعن الوجود الشيعي في "منطقة الظهور"، هو إحدى القمم القليلة بل النادرة في هذا التاريخ، وتكون الثورة الإيرانية (الصفوية الجديدة) التعبير الحقيقي عن هذا التمركز المذهبي الذي يُجسد روح التاريخ الشيعي ويشكل نهايته السعيدة.
ولكن مشكلة هذا التبسيط الذي يُكسب الثورة الخمينية الأصولية شرعيتها، مبني على افتراض وجود هذا التاريخ الشيعي، وهذا في حد ذاته يعمق حالة من الخلاف بين المدرستين الأخبارية والأصولية، على اعتبار أن حالة "المظلومية" جـزء لا يتـجزأ من البنـاء التاريخي الشيعي الذي يَفترض الشيعة وجوده. وتعبِّر الأدبيات الشيعية عن هذا التناقض العميق، فهي تارة تُمجّد تاريخ المظلومية تمجيدا لا حَدَّ له، وتارة أخرى تدمغه باعتباره مجرد انحراف عن مسار التاريخ الشيعي الحقيقي، لكنهم -سواء في تمجيدهم أو هجومهم-يفترضون وجود تاريخ شيعي منفصل عن تاريخ الشعوب والحضارات الأخرى التي عاش الشيعة بين ظهرانيها.
إن تَبَنِّي نموذج التاريخ الشيعي المسـتقل هو في نهاية الأمـر إيمانٌ بأن الشيعة موجـودون خارج التاريخ، أي أن تَبَنِّيَ هذا النموذج هو في جوهره رؤيةٌ حلولية واحدية تلغي الفارق بين الإلهي (القدر الكوني) والتاريخي (النَّتَاج الإنساني).
وكما سبق، لعب تراث الشيعة الحلولي دورا كبيرا في تشجيعهم على استخدام مثل هذه المصطلحات الأحادية النظرة، وعلى الخلط بين المستويات والبنى المختلفة، وعلى إيمانهم بالوجود التاريخي الشيعي المنفصل، كما أن تجربة الثورة الإيرانية الضيقة ذاتها، قد ساهمت هي الأخرى في إعطاء ما يشبه الأساس الواقعي أو التاريخي للتهويمات الشيعية.
وحدة المصير كآلية استقطاب شيعية
"المصير (أو القَدَر) الشيعي" عبارة ساحرة تعني أن الأمة الشيعية لها مصير واحد فريد ومشترك، وأنها خاضعة لمسار واحد، ولها تطلعات مشتركة، ويلقون نهاية واحدة؛ ففكرة المصير الشيعي مرتبطة بعقيدة الانتصار لآل البيت، فهذه أمة قد اختارها الله لمولاة عليٍّ، الذي هو "رب الأرض"[12]، وذريته (الحُسَينيين) المعصومين خلفاؤه من بعده، وتكفل الله برسم مستقبل تاريخهم ومجدهم النهائي بخروج قائم آل محمد، وأودع سر ذلك ومشئته لعلي وذريته الأوصياء من بعده، فهو "عين الله في أرضه، ولسان الله الناطق في خلقه، ونور الله الذي لا يطفأ، وباب الله الذي لا يؤتى منه، وحجته على عباده"[13]، وبهذا يكونون محط عناية ورعاية إلهية مستمرة، حتى وهم مظلومون مضطهدون، وبذلك يصبحون أمة ذات مصير خاص مقرَّرٍ مسبقا، يبدأ تاريخه بـ"غدير خُم" من بعد حجة الوداع النبوية وينتهي بخروج المهدي المنتظر؛ وبين البداية والنهاية، يلاقي الشيعة مصيرهم الموسوم بـ"الظلم" من الآخرين، ويُرسم على نُحُورهم خَطُّ الدم؛ لأنهم أنصار الحسين وشيعته وأولياؤه، فهم أداة خلاص الظلم من العالم، أو أداة انتصار الدم على السيف، وهذه -كما يظهر-رابطة مصيرية بين خليفة الله وشيعته.
ويظهر قصور المقدرة التفسيرية لنموذج المصير الشيعي المعاصر، إذا ما دُرس السلوك الفعلي للشيعة خارج إطار هذه المقولات الأسطورية، فشيعة إيران مثلا قد ربطوا مصيرهم كليةً بمصير بلدهم، برغم كل ادعاءاتهم الشيعة بتعلقهم بكربلاء، وموطن خلافة الإمام علي (كوفة العراق)، فإذا أضفنا إلى هذا الاتفاق الإستراتيجي غير المعلن بين إيران كحامٍ ومدافع سياسي عن الشيعة، وبين شيعة الجوار من غير العجم، والاعتماد شبه الكامل لهؤلاء على الغطاء والدعم الإيراني بحيث أصبح مصيرها في يد راعيها، فيمكن الاستنتاج أن مصير الشيعة، إن كان هناك مصير مستقل، هو نفسه المصير الإيراني؛ فمصير شيعة الجوار خاضع تماما للنظام الثوري الإيراني.
وعلى كلٍّ، هذا أمر متوقَّع بعد أن قامت مجموعات من شيعة العرب بتوقيع عقد صامت مع الفرس يتحولون بمقتضاه إلى جماعات وظيفية في بلدانهم، تدافع عن المصالح الإيرانية نظير أن تضمن هذه الأخيرة إكمال مشروع تمكينهم من البلاد التي يَتَوَطَّنُونها.
ويُلاحَظ أن الجماعات الوظيفية عادةً ما يكون لديها إحساس متضخم بخصوصية دورها ومصيرها؛ لأنها في الحقيقة محاولات إنسانية لعقلنة وضع غير عقلاني لا يمكن عقلنته إلا بهذه الطريقة؛ ولعل اضطلاع شيعة العرب خصوصا، وهم أتباع المدرسة الأخبارية، بدور الجماعات الوظيفية في بلدانهم، واضطلاع الثورة الإيرانية بدور الدولة الراعية، السبب الكامن وراء تضخُّم حديث المراجع الأصولية في قُم والنجف عن المصير الشيعي الفريد والمشترك.
والحقيقة أن هناك فرقا بين مصطلح وحدة المصير وبين تشابك المصائر، إذ إن أحوال الشيعة العرب تؤثر أحيانا على الشيعة الفُرس، وذلك على الرغم من وجودهما في مسارين تاريخيين مختلفين، وانتمائهما إلى تاريخ وحضارة مختلفة؛ وعلى سبيل المثال، لم تستطع الثورة الخمينية الأصولية احتواء إقليم الأحواز الشيعي العربي، بل ذوَّبته في محيطها الجغرافي الأوسع، وأحلت محله العوائل الفارسية في عملية خلخلة ديموغرافية، وكررت العملية في الجنوب العراقي بعد سقوط النظام العراقي البعثي، فأشعلت حرب الإرهاب عن طريق ميليشيات جيش المهدي وبدر، وأعملت فيهم القتل والتهجير، ونَخَلَت الجنوب العراقي، فأبعدت السُّنة، ووطنت مكانهم ملايين الإيرانيين أو الموالين، لكنها إلى هذا الوقت تتعامل مع الشيعة العرب، وإن كانوا من الأصوليين، بدونية واستحقار، وتتخاطب معهم بأبجديات التبعية والذَّيلية؛ وواضح اشتباك مصير شيعة العرب بمصير شيعة الفرس دون أن يتَّحدَ المصيران بالضرورة.
وقد أثر مشروع تصدير الثورة الأصولي الشيعي، وهو مشروع فارسي بالدرجة الأولى، في شيعة الجوار الإيراني؛ إذ إن مصيرهم اشتبك مع مصير الإيرانيين، الأمر الذي اضطرهم إلى إعلان ولائهم للثورة الإسلامية، ودخولهم في إشكاليات المواطنة في بلدانهم، ومع هذا، ظل وضعهم التراتبي في الذيل الإيراني، وحدوث خلل في الهوية الحضارية المستقلة داخل هذه الخصوصية الشيعية، وهو ما يعني أن مصيرهم ليس متوحدا بَعدُ مع مصير الإيرانيين.
[1]) تسمى هذه المدرسة بالمدرسة الجديدة أيضا، والأصولية هي التيار السائد بين الشيعة الإثني عشرية في العصر الحديث، وأبرز سمات الأصولية الاعتماد على مراجع التقليد في المسائل الأصولية والفرعية الفقهية، والقول بالاجتهاد في المذهب.
[2]) ويُسَمَّون أهل الحديث والمستبصرون، ونص محي الدين الغريفي في كتاب الاجتهاد والفتوى على أن ظهور حركة الأخباريين كان قبل أربعة قرون على يد الملا محمد أمين الاسترآبادي (1036هـ/1626م)، ويقال إن مذهبهم ترجع جذوره إلى قبل ذلك، وأن رئيسهم هو الشيخ الصدوق (المتوفى سنة 381 هـ) صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه، إلا أن الميول الأخبارية؛ على اعتباره مذهبا له أصوله ومنهجيته، لم يكن له وجود قبل أربعة قرون. [نقلا عن شبكة الشيعة العالمية www.shiaweb.org]
ويؤكد الشيخ محسن العصفور، وهو أخباري بحراني، ذلك أيضا أن هذه المدرسة تأثرت بالمتكلمين والأصوليين الشيعة في المدرسة الفقهية في بغداد، وكانوا آنذاك مجموعة قليلة، إلا أنهم ظهروا مرة أخرى أوائل القرن الحادي عشر على يد الاسترآبادي صاحب كتاب الفوائد المدنية؛ ويضيف أن الأخباريين يشبهون إلى حد ما أهل مدرسة الحديث التي ظهرت في القرن الثالث والرابع الهجري، ومن أشهر علمائهم ملا محسن فيض الكاشاني، ويوسف بن أحمد البحراني، ومحمد بن حسن الحر العاملي مؤلف وسائل الشيعة. [نقلا عن موقعه www.ekhbarion.com]
وذكر الشيخ الطوسي في كتابه عدة الأصول جماعة من القدماء باسم "المقلدة"، وانتقدهم، إلاّ أنّهم لم يؤلّفوا مذهبا معيّنا، إنما الذي دعا الشيخ إلى وصفهم بالمقلدة هو أنّهم رجعوا في اُصول الدين إلى الأخبار يستدلون بها.
وبالمجمل يُنكر الأخباريون أن يكون العقل حجة، كما أنّهم لا يقبلون بحجية القرآن وسَنَدِيَّته إلا معتضدا برواية عن أهل البيت تُفسره وتؤيد الدلالة الشرعية على الحكم، وأن الواجب هو الرجوع إلى الأحاديث الواردة عنهم، كما أنّهم يقولون إن الإجماع بدعة أوجدها أهل السنة لتنصيب أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وبهذا يكونون قد أنكروا من مصادر التشريع الإسلامي المتعارف عليها الكتاب والإجماع إضافة إلى العقل وهو القياس.
كما أن الأخباريين يعتقدون أن طريق الاجتهاد المألوف عند الأصوليين مغلق، ويجب العمل طبقا للنصوص المرويّة الموجودة فقط، وعلى الأخص الكتب المعتمدة الأربعة (الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه القُمّي، وتهذيب الأحكام، والاستبصار فيما اختلف من الأخبار للطوسي) على اعتبار أنّها صحيحة السند بأكملها، ومن أشهر علماء هذه الفترة: السيد مهدي بحر العلوم مؤلف كتاب المصابيح، وجواد الحسيني العاملي، وجعفر بن خضر كاشف الغطاء، والميرزا القمي، والملا أحمد النراقي وغيرهم.
[3]) ينكر أغلب علماء الشيعة المعاصرين ذلك، ويُشِيعون بين مُريديهم وللعامة أن الاختلاف بين المدرستين اختلاف في المباني الفقهية والأصولية، وليس اختلافا في أصول مباني المذهب .
[4]) يرى أصحاب هذا الاعتقاد أن كل فعل للإنسان هو إرادته المستقلة عن إرادة الله، حتى عُرف عن بعض غُلاتهم نفي علم الله أو قدرته على خلق أفعال العباد، فاشتُهر عن بعضهم (معبد بن خالد الجهني) القول: "لا قَدَرَ والأَمرُ أُنُفٌ"؛ ليخرج بهذا فعل الإنسان عن نطاق قدرة الخلاّق سبحانه، وأن علمه تعالى يأتي بعد وقوع الفعل، فيُستأنفُ القَدَرُ بعد العلم، وهذا ما يجعل الإنسان خالقا لفعله، وقد ناقش بعض المؤرخين سبب تسميتهم بـ"القدرية" على الرغم من إنكارهم "القدر" الذي هو ركن من أركان الإيمان، فقال قوم: إنهم نفوا القدر عن الخالق وأثبتوه للمخلوق؛ إذ جعلوا كل شيء لإرادة الإنسان وقدرته، فكأنما أعطوا الإنسان سلطانا على القدر، ويميل البعض إلى أن هذا الوصف ذكرهم به مخالفوهم لينطبق عليهم الأثر: "القدرية مجوس هذه الأمة"، ويعلل الشيخ مصطفى صبري (كبير علماء الدولة العثمانية) ذلك لمقاربته رأي القدرية لبعض عقائد المجوس، الذين ينسبون الخير إلى الإله والشر إلى الشيطان، لأن الإله لا يريد الشر. [للتوسع ينظر: محمد أبوزهرة: تاريخ المذاهب الإسلامية/ دار الفكر العربي – القاهر/ 1996م].
وتُعد مسألة "القدرية السياسية" قاسما مشتركا بين صنَّاع الحدث الدولي في منطقة ما يُسمى الشرق الأوسط، فالأمريكان البروتوستانت والشيعة المتصهينون، إضافة إلى أتباع مذهب "ولاية الفقيه" الصفوية، يؤمنون بأن القدر لا يتحرك من نفسه، ولابد من تحرك المؤمنين بقدوم "المخلص/الماشيح/الغائب" للتمهيد لمقدمه ليقودهم إلى النصر والتمكين، وبسط دولتهم على العالم كله من ثَمَّ.
[5]) عقائد الصدوق/ 75، وشرح عقائد الصدوق للمفيد/ 12
[6]) الجبر هو نفي الفعل حقيقةً عن العبد وإضافته إلى الرب، والجبرية أصناف: فالجبرية الخالصة التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قُدرة على الفعل أصلا، والجبرية المتوسطة التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة، والقدرية والجبرية مسائل تتعلق بموضوع خلق أفعال العباد أو الكسب، التي أحدث الكلام فيها المعتزلة، وأخذت عنهم الشيعة، التي هي في حقيقة الأمر مجموع اعتقادات مختلفة، وتخضع لعوامل التطوُّر والتبديل المستمرين، يقول أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، أن للشيعة في أفعال العباد ثلاث فرق: "فرقة يقولون بأن أعمال العباد مخلوقة لله، وأخرى تقابلها فتنفي أن تكون أعمال العباد مخلوقة لله، وثالثة تتوسط وتقول لا جبر.". المقالات 1/114
[7]) أوردت المصادر المعتمدة عند الشيعة الصورة النموذجية المتفق عليها عن دولة المهدي المنتظر، ووظيفته كخليفة أخير في سلالة بيت النبوة المعصومين على ما تقتضيه الرؤية الإثنا عشرية، فهي تتلخص فيما رواه المجلسي عن رواية المفضل بن عمر، الذي توجه إلى الإمام جعفر الصادق بأسئلة عن يوم القيامة وعلاماتها، والمهدي وعلامات ظهوره وتأسيس دولته، فأعلمه أن المهدي لم يكن حتى موت أبيه يرى غير أصدقائه والمؤمنين الصادقين، ولم يبق المهدي بسامراء حين اختفائه، بل انتقل إلى قصر صابر في المدينة، وبعد أن أقام هناك ست سنوات اختفى عام 266هـ عن الأنظار كلها، وأصبح يعيش بعدها في الخفاء.
عندما يذهب المهدي من قصر صابر إلى مكة يلتقى هناك بالملكين جبرائيل وميكائيل، ويعلن عندئذ أنه جاء ليحكم العالم؛ وبعدها يندفع إليه الصحابة (313) مثل العدد الذي وقف إلى جانب النبي في معركة بدر، ويظهر كذلك الحسين بن علي شهيد كربلاء في الميدان مع (12000) من المؤمنين، ويتردد نداء المهدي في جميع أنحاء المعمورة فيجتمع الناس كلهم؛ فيأمر بهدم المسجد الحرام في مكة باستثناء أسسه التي شيدها إبراهيم وإسماعيل، وبعدها يأمر ببناء المسجد حسب الخطة القديمة التي أمر الله بها.
بعد أن يتولى المهدي الحكم في مكة ينتقل إلى فتح العالم، ثم ينتقل من مكة إلى المدينة لزيارة قبر جده النبي، وهناك يَدُله الناس على قبرَي الخليفتين الأوليين إلى جانب قبر الرسول، فيأمر باستخراج الجُثتين وتعليقهما في شجرة يابسة، ولكن المَيّتَين سيكونان كما لو أنهما وُضعا في القبر الآن، وتخضرَّ الشجرةُ الميتة فجأة على نحو رائع، ويعتبر المشاهدون الحدثَ بمثابة معجزة كبرى، فتهتز عقيدتهم وتتزعزع؛ لكن آخرين يتمسكون بإيمانهم بعليٍّ ويرفضون معرفة أي شيء عن الخليفتين؛ وفي تلك اللحظة يأمرُ المهدي عاصفةً سوداء تقتلع كلَّ الذين آمنوا بمعجزة أبي بكر وعمر، كما تقتلع الأشجار فينقلبون ويموتون، وفي النهاية يؤخذ أبو بكر وعمر من الشجرة وُيبعثان إلى الحياة بإذن الله وعلى أبي بكر وعمر أن يتحملا مسوؤلية ما فعلا مع علي وفاطمة، وفي تلك اللحظة تصعد النار من الأرض وتأكل الخليفتين، ولكن هذا ليس هو نهاية العقاب، وإنما سيأتي جميع الأئمة ويأخذون بثأرهم من عدويهم؛ سيبعثان إلى الحياة ألف مرة كل ليلة ويعاقبان عقاب ميتة مريعة. ويعمل المهدي المنتظر على تحرير الحرمين من النواصب، والقدس من بعد حربه الترك (على خلاف: هل هم الروس أم لأتراك)، فيقاتل "السفياني"، الذي يتحالف مع اليهود والروم، وتدور معركة كبرى بين الطرفين، تكون الغلبة فيها للمهدي، فيدخل القدس فاتحا، وينزل الغضب الإلهي على قوات السفياني واليهود، وينطق الحجر فيشي بمن يختبئ خلفه. ثم يخرج الدجال بفتنته، ويتبعه اليهود والنواصب والشاذون والشاذات، لكن المهدي يكشف زيفه ويقضي عليه وعلى أتباعه.
وبعد تنحية الخصوم يجتمع النبي وجميع الأئمة الإثني عشر في الأرض مع أعدائهم: النبي قاضيا، والأئمة من علي فصاعدا مُدَّعين، والخصوم الشخصيون للأئمة مُدَّعى عليهم، ومن خلال مرافعةِ الاتهام سيكون الحديثُ عن تاريخ الخلافة كلها من بداية الإسلام إلى عهد المهدي.
ويتولى المهدي بعدئذ السيادة على العالم ويختار الكوفةَ عاصمة له، وتختفي كل الديانات ما عدا الإسلام، ولن يكون هناك أي مكان لعبادة الأوثان. [تنظر القصة كاملة كما أوردها الكليني في بحار الأنوار: ج13/ ص209. ويراجع: جواد علي: المهدي المنتظر عند الشيعة الإثني عشرية؛ وعلي الكوراني العاملي: عصر الظهور؛ وجابر البلوشي: خروج المهدي عام 2015م
(http://www.jbolushi.com/books/main.htm)].
[8]) يمكن تقريب صورة هذا الخلاف بما يشيع اليوم بين اليهود من خلاف بين جماعة ناطوري كارتا، التي لا ترى إقامة دولة لليهود قبل قدوم الماشيح، وبين التيار الصهيوني الذي يسعى للتمهيد لمقدم الماشيح، بقيام دولة إسرائيل، التي هي عبارة عن ثكنة عسكرية بمسمى دولة، وكذلك الحال في إيران.
[9]) أصول الكافي: 1/407-410
[10]) تشمل منطقة الظهور إيران والعراق وبلاد الشام وفلسطين والحجاز واليمن، إضافة إلى مصر والمغرب. يراجع: عصر الظهور، لعلي الكوراني العاملي.
[11]) تميز الفرس بقسوتهم في التعامل مع المخالفين، وما يزال إلى اليوم التيار الديني المتشدد معروفا بقسوته مع المخالف، ويتضح هذا في سياسة النظام الإيراني ضد معارضيه في الداخل والخارج، وحتى الشيعة، بل العلماء منهم أيضا.
[12]) أورد الصفار صاحب كتاب بصائر الدرجات، وصاحب مرآة الأنوار (ص 59) حديثا عن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) أنه قال: "أنا رب الأرض الذي يسكن الأرض به".
[13]) أرود المجلسي في بحار الأنوار (ج27/33-40) رواية مطولة في ثماني صفحات عن قدرات وهبها الله لعلي بن أبي طالب، أظهرها لبعض أصحابه، ورد فيها أنه قال عن نفسه: "أنا عين الله في أرضه، أنا لسان الله الناطق في خلقه، أنا نور الله الذي لا يطفأ، أنا باب الله الذي لا يؤتى منه، أنا حجته على عباده".. ومن القصة أيضا أنه قال: "والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لأملك من ملكوت السماوات والأرض ما لو علمتم ببعضه لما احتمله جنانكم، إن اسم الله الأعظم على اثنين وسبعين حرفا... عندنا نحن والله اثنان وسبعون حرفا، وحرف واحد عند الله عز وجل، استأثر به في علم الغيب...".

