جولة الصحافة
التوترات العرقية الإيرانية الداخلية: خارطة الموزاييك المهددة بالتصدع
مواضيع متعلقة |
الوطن العربي 14/10/2009
أظهرت تجربة الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة شروخا حقيقية في الخارطة الإيرانية أعمق بكثير من الانقسام بين المحافظين والإصلاحيين، فالحركات الاحتجاجية المستمرة عقب الانتخابات كانت تحركها رموز إصلاحية لكن وقودها كان مصدره أقليات تشعر بالتململ الشديد في ظل طغيان واضح للأقلية الفارسية التي صبغت "إيران الثورة" مستأثرة بالنفوذ ورموز الهوية معا، فيما التركيب السكاني لإيران حافل بالاختلافات الدينية والعرقية والمذهبية التي كانت موضوع تغييب مبرمج عن واجهة المشهد وإقصاء ممنهج عن مواقع التأثير كافة.
وأهم الأقليات في إيران الآذريون (حوالي ربع السكان) والعرب والبلوش والأكراد، ومن الناحية المذهبية فإن بعض هذه الجماعات يتبعون المذهب السني وليس المذهب الشيعي الذي أصبح المذهب الرسمي للدولة الإيرانية، وفيما ينص الدستور على حماية حقوق الأقليات فإن الممارسة العملية والسلوك الفعلي للحكومة يؤكدان مركزية الطبيعة الشيعية والفارسية للدولة.
فالمادة 15 من الدستور تقضي بضرورة تدريس لغات الأقليات وآدابها في المدارس والسماح لها بإصدار الصحف والجلات بلغاتها القومية، والمادة 19 تنص على التكافؤ في التنمية الاقتصادية والسياسية والثقافية بين جميع الأقليات الإيرانية.
وحالة التململ الآذرية ليست سوى جزء من مناخ عام، ففي منتصف مارس "آذار" الماضي أعلنت جماعة تنتمي إلى البلوش في جنوب شرق البلاد استهدافها موكبا حكوميا، والبلوش البالغ عددهم 1.4 مليون نسمة، وفي كيرمانشاه ذات الأغلبية الكردية أدى إطلاق قوات الأمن النار على فتى كردي اندلاع تظاهرات من المدن الشمالية الغربية بين الأكراد البالغ عددهم 4.8 مليون نسمة، مما أدى إلى مقتل العديد من المدنيين والشرطة. ومنذ أبريل "نيسان" 2008 كانت هناك سلسلة من أحداث العنف بينها تفجيرات استهدفت منشآت حكومية في جنوب غرب البلاد؛ حيث يعيش الكثير من العرب البالغ عددهم أكثر من 2 مليون.
ورد فعل الحكومة على هذه الاضطرابات العرقية هو دائما مزيج من القمع وإلقاء اللوم على القوى الأجنبية.
وهناك من المراقبين من يرى أن هذا الملف أخطر بكثير من القضايا الخارجية التي يتم التركيز عليها لحشد الشعب كله خلف النظام، والسيناريو الأخطر في هذا الملف حالة غضب متزامنة للعرب والأذريين والبلوش والأكراد وغيرهم من الأقليات لأن هذا السيناريو سيعني تحول التشققات إلى تصدعات.
والأقليات الإيرانية لا تسعى إلى الانفصال أو الحصول على امتيازات خاصة بها بل يستهدفون تحقيق مطالب كفلها لهم الدستور وكاستخدام اللغة الخاصة بهم في التعليم وفي وسائل الإعلام المحلية. وحتى الآن هناك حظر مفروض على استخدام لغات الأقليات العرقية من أذريين وعرب وأكراد وغيرهم، في المراحل الابتدائية والإعدادية. وتطالب الأقليات كذلك بوقف التمييز العنصري بين مختلف الطوائف العرقية. كما يعترضون على مستويات البطالة والتخلف التي فرضتها عليهم السياسات الرسمية ولا تكاد تتوقف عرب الأهواز ضد التمييز المفروض عليهم، خصوصا فيما يتعلق بتوزيع الموارد.
وحسب تقرير منظمة العفو الدولية للعام 2009 فإن السلطات الإيرانية لا تزال تفرض قيودا مشددة على حرية التعبير، وتشن "حملات قمعية" ضد نشطاء المجتمع المدني، وضمن ذلك العاملون على تعزيز حقوق الأقليات، وبحسب التقرير أيضاً، لا تزال تثار قلاقل عرقية بإيران حيث تعتبر الأقليات العربية والأذرية والكردية والبلوشية أن الحكومة "تهمشهم ولا تعمل على تعزيز حقوقهم الاقتصادية الاجتماعية والثقافية"، وهي الأمور التي دعت الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في أكتوبر "تشرين الأول" 2008 إلى مطالبة طهران بسن قوانين تتماشى مع المعايير الدولية وحقوق الإنسان وإنهاء التمييز ضد "الأقليات العرقية".
وإلى جانب السياسات التمييزية القاسية التي ينفذها النظام الإيراني يعمد إلى وسيلة أخرى أكثر خطورة تتمثل في تعمد حجب الإحصائيات الرسمية الخاصة بالتركيب السكاني (العرقي ـ المذهبي ـ الديني)، وتذهب تقريرات غربية إلى أن التركيب السكاني الإيراني يتوزع على النحو التالي: حوالي 50% فرسا، 24% آذريين، 8% كيلاك ومازندرانيون، 7% أكراد، 3% عربا، 2% لور، 2% بلوش، 2% تركمانا.
وتاريخياً كان أهل السنة (الشافعية والحنفية) الأكثرية في إيران. وكان الشيعة أقلية، محصورة في بعض المدن الإيرانية، مثل قم، وقاشان، ونيسابور، ولما وصل الشاه إسماعيل الصفوي للحكم سنة 907 هـ أجبر أهل السنة على التشيع في إطار صراعه مع الدولة العثمانية التي كان معظم سكانها يتبعون المذهب السني. وانتشر المذهب الشيعي بالتدريج في وسط إيران بينما بقي أهل السنة في الأطراف. وتنص المادة 12 من الدستور الإيراني على أن: "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام، والمذهب الجعفري الاثنى عشري" وأن هذه المادة تبقي للأبد غير قابلة للتغيير.
وتتضارب المعلومات بشأن الحجم الحقيقي للسنة في إيران فالإحصاءات شبه الرسمية لحكومة إيران تقول إنهم يشكلون 10% من السكان. إلا أن مصادر مستقلة تؤكد أنهم يشكلون 30% وفي مقابل التضييق الواضح على السنة تحظى الديانة المجوسية برعاية كريمة من النظام الإيراني، والطائفة التي يقدر عددها بحوالي 20 ألفا هي دين معترف به رسمياً وتم اعتباره رمزاً للقومية الإيرانية. وقام الخميني بدعوة مجوس الهند للعودة إلى "موطنهم الأصلي" إيران.
وقد عاد ملف الأقليات ليفرض نفسه مجدداً على الأحداث في إيران، على خلفية الاضطرابات المستمرة التي تشهدها مناطق الأقليات مما أصبح يمثل تحديا خطيرا للنظام الإيراني. ويرى محللون أن وصول الشيعة والأكراد في العراق للحكم بعد عقود من التهميش أنعش آمال الأقليات في إيران بأن يتمكنوا من تغيير المعادلة في إيران، وبدا ذلك جليا في مطالبة "مجلس القوميات الإيرانية" المؤلف من ممثلي الأكراد والعرب والآذريين والتركمان والبلوش في بداية 2005 بإقامة نظام فيدرالي في إيران على أساس عرقي. من ناحية أخرى يستشعر النظام الإيراني خطرا جديا من حقيقة أن الأقليات الإيرانية توجد على الحدود مع الدول الأخرى: (العرب في الجنوب والجنوب الغربي ـ البلوش في الجنوب والجنوب الشرقي ـ التركمان في الشمال والشمال الشرقي ـ الآذريون في الشمال والشمال الغربي ـ الأكراد في الغرب) مما يعني عمليا في حال تصدع إيران أن يفقد الفرس الموقع الجغرافي ومعظم منابع النفط معا.
ويشير محللون إلى أن خيار التفكيك كان دائما مطروحا على طاولة صانع القرار الأميركي في التعامل مع الملف الإيراني، حيث لا يستبعد تلاقي مصالح المضطهدين في الداخل مع قوى غربية لتقويض النظام الاستبدادي على غرار ما حدث في العراق وهو ما يعرف بـ "استراتيجية الثورة الشعبية" وتقوم بالأساس على تغيير النظام عبر نقل المعركة إلى الداخل.
وحسب تقرير لمؤسسة "جيمس تاون" الأميركية فإن هناك من يطالب بإبقاء القوات الأميركية في العراق وأفغانستان بشكل دائم ولوضع النظام الإيراني تحت "ضغط مستمر" لينهار تلقائياً.
ولأسباب انتخابية خالصة اكتسبت قضية الأقليات ـ لفترة وجيزة ـ حيزا من الأهمية بعد وصول الإصلاحيين للسلطة العام 1997 فتزايدت التوقعات بحدوث نقلة نوعية في وضع الأقليات لاسيما بعد مبادرة حكومة الرئيس السابق محمد خاتمي بتشكيل لجنة وطنية لحقوق الأقليات إلا أن ذلك لا يعني أن الإصلاحيين كانوا منحازين للاقليات بل يوجد توافق شبه تام بين الإصلاحيين والمحافظين على ضرورة "تفريس الدولة" أي تغليب العنصر الفارسي في جميع مؤسسات ودوائر صنع القرار الإيرانية وتهميش الأقليات داخلها.
كما أن الإصلاحيين القوميين (الشعبويين) المتطرفين يرفضون تطبيق المادتين 19و15 من الدستور ويروجون لنظرية أن "إيران ذات قومية ولغة وثقافة واحدة". ويمثل هؤلاء تيار متطرفا داخل حزب (جبهة المشاركة الإسلامية) الذي يتزعمه محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس السابق محمد خاتمي، وحزب (الأمة الإيرانية) وحركة "نهضت آزادي" (حرية إيران). وهذه النظرة التي يتبناها الإصلاحيين القوميون إزاء الاقليات نقطة التقاء مع القوى اليمينية المتطرفة من التيار المحافظ ويمثلها تنظيم "حزب الله" الذي تنتشر عناصره داخل مؤسسات الدولة والحرس الثوري (الباسدران) وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج).

