جولة الصحافة
الاحتفال بالمولد النبوي
الاحتفال بالمولد النبوي
محمد الأرناؤوط - الغد – 8/4/2006
صدر مؤخراً في دمشق التاريخ المفقود لابن أحمد الدمشقي البصروي، الذي هو ما بين اليوميات والحوليات والذي يغطي السنوات الأخيرة للحكم المملوكي في بلاد الشام(871-904هـ/ 1466-1499م)، وعرف هذا المؤلف للبصروي(842-905هـ/1438 -1500م) وأُشير إليه في التواريخ المعاصرة واللاحقة، نظراً لأهميته ومكانة صاحبه الذي كان من علماء دمشق في ذلك الوقت. وفي الواقع أن "تاريخ البصروي" - كما سماه المحقق أكرم العلبي- يمثل مصدراً مهماً للتعرف على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية لبلاد الشام في السنوات الأخيرة للدولة المملوكية، أو عشية الفتح العثماني لبلاد الشام. ومن هنا تكمن أهميته في اطلاعنا على ما كان موجوداً واستمر بعد ذلك خلال الحكم العثماني أو ما كان قائماً وانتهى.
ومن الأمور التي كانت موجودة واستمرت بل تطورت أكثر خلال الحكم العثماني الاحتفال بالمولد النبوي سواء على المستوى الرسمي مولد السلطان أو على المستوى الشعبي.
ومع ذلك يلاحظ إذا قارنا "تاريخ البصروي" بمصدر مماثل لتلك الفترة ألا وهو"التعليق" لأحمد بن أبي طوق(834-915 هج/ 1430-1502م) الذي صدر مؤخراً أيضاً، أن البصروي لم يهتم كثيراً بتسجيل الاحتفال بالمولد النبوي في بلاد الشام. وربما يكون للموقع الذي شغله البصروي -نائب القاضي الشافعي بدمشق والمدرس بالجامع الأموي- دور في ذلك، إذ ربما كان للبصروي رأي في ذلك لم يعبر عنه بشكل مباشر وإنما بشكل غير مباشر من خلال تجاهله للاحتفال بالمولد النبوي في بلاد الشام.
ولكن إذا عدنا إلى كتاب"التعليق" لابن طوق، الذي هو أقرب إلى اليوميات التي تغطي الفترة ذاتها تقريباً (885-908 هـ / 1480-1502م)، نجد ذكراً واضحاً في عدة سنوات لهذا الاحتفال وماذا كان يقدم فيه. ومع ذلك يبقى الفارق واضحا ما بين بلاد الشام ومصر في الاهتمام بهذا الاحتفال، حيث كانت مصر تتميز باهتمام رسمي وشعبي أكبر بكثير، مع انهما ضمن دولة واحدة هي دولة المماليك.
ومع ذلك لدينا في"تاريخ البصروي" معلومة مهمة عن الاحتفال بالمولد النبوي في مصر. وفي الواقع أن ما دفع البصروي لتسجيل هذه المعلومة هو ما حدث حول الاحتفال بالمولد النبوي في القاهرة خلال ربيع الأول 902هـ/تشرين الثاني 1496م فقد ذكر البصروي أن السلطان قد احتفل بالمولد النبوي في 8 ربيع الأول، ثم"عمل في الثاني عشر مرة أخرى، ولم يحضر من جرت العادة بحضوره إلا الفقهاء والقضاة".
وأهمية هذه المعلومة تكمن في أن الاحتفال بالمولد النبوي حتى نهاية الدولة المملوكية كان يتم في يومين مختلفين -في الثامن والثاني عشر من ربيع الأول- بغض النظر عن بقية المعلومة التي تفيد بعدم حضور
"من جرت العادة بحضوره" في الاحتفال بالمولد الذي كان يقيمه السلطان المملوكي.
وفي الواقع أن هذا الاختلاف حول يوم المولد النبوي قد شغل العلماء المسلمين قبل ذلك بقرون وبعده بقرون أيضاً. فالمؤرخ ابن كثير(توفي 774هـ/1372م) في"البداية والنهاية" يستعرض الروايات العديدة عن ولادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وينتهي إلى أن"لا خلاف في أنه ولد في يوم الاثنين"في شهر ربيع الأول. أما عن اليوم فهناك عدة روايات استعرضها ابن كثير وهي تتراوح ما بين 3 و 8 و 12 و 17 و 18 ربيع الأول.
ومن بين هذه الروايات يركز ابن كثير على اليومين الشائعين أكثر من غيرهما، ألا وهما 8 و12 ربيع الأول. وفيما يتعلق بالأول فقد رواه الحميدي عن ابن حزم ورواه مالك وعقيل ويونس بن زيد وغيرهم عن الزهري عن ابن مطعم، ونقل ابن عبد البر عن أصحاب التاريخ أنهم صححوه أو حققوه، وقطع به الحافظ الكبير محمد بن موسى الخوارزمي ورجحه الحافظ ابن دحيه في كتابه"التنوير في مولد البشير النذير" الذي يعتبره البعض أول"مولد" بعدها أصبح يقرأ لاحقاً في الاحتفال بالمولد النبوي.
أما اليوم الآخر( 12ربيع الاول ) فقد نص عليه ابن اسحق في سيرته ورواه ابن ابي شبيبة في مصنفه عن جابر وابن عباس بقوله:" ولد رسول الله يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الاول وفيه بعث وفيه عرج الى السماء وفيه هاجر وفيه مات".
وعلق المِرخ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، ج 2 ص 265 على الرأي الثاني بالقول انه:" المشهور عند الجمهور"، بينما قال عن الرأي الاول ما يلي:" والصحيح عند ابن حزم الاول انه لثمان مضين منه كما نقله عن الحميدي وهو أثبت".
وفي الواقع ان هذا الامر، كما ورد سابقا، قد شغل علماء المسلمين قبل ابن كثير وبعده بعدة قرون. وهكذا فيما يتعلق بمصر، التي كانت معنية أكثر بالاحتفال بالمولد النبوي ولا تزال الى اليوم، نجد في النصف الاول للقرن العشرين ان المؤرخ الشيخ محمد الخضري قد توقف عند هذا الامر في كتابه" نور اليقين في سيرة سيد المرسلين"( القاهرة 1920). والمهم هنا ان الخضرى يورد ان العالم المعروف محمود باشا الفلكي قد حقق ولادة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بأنها صبيحة يوم الاثنين 9 ربيع الاول الموافق 20 نيسان
وبالعودة الى دولة المماليك تجدر الاشارة الى ان الاحتفال بالمولد النبوي كان يتعاظم في الدولة المجاورة لها –العثمانية- خلال تلك الفترة. ففي سنة 1401م كان سليمان شلبي قد أنجز عمله الشعري"وسيلة النجاة" والذي تناول فيه سيرة النبي، واشتهر لاحقا بـ" المولد " لانه أصبح ينشد في الموالد النبوية. ومع هذا" المولد " سيظهر "أدب" جديد حيث ان الكثير من الشعراء أصبحوا يتنافسون على تقليد"مولد " شلبي أو ابداع ما هو أفضل منه كي يكون هو المرغوب في الانشاد في هذه المناسبة.
ومن ناحية أخرى فقد أصبح الاجتماع لسماع" المولد" يتم في المساجد وفي البيوت على مدار العام، أي أنه لم يعد يقتصر على يوم معين، حيث يرتبط ذلك بأكثر من مناسبة كبناء بيت، أو ولادة طفل عزيز، أو خطوبة وزواج أو شفاء من مرض.

