جولة الصحافة
شيعة العراق ما بين النفوذ الإيراني والتأثير الخليجي
شيعة العراق ما بين النفوذ الإيراني والتأثير الخليجي
أشرف محمد كشك
مختارات إيرانية باختصار وتصرف يسير (العدد 68) ـ مارس 2006
يمتلك الشيعة مجموعة من الآليات التي تمكنهم من التأثير في المعادلة العراقية، وتنبع هذه الآليات من نسبتهم العددية بين السكان العراقيين، ويتمركزون بالأساس في الجنوب، كما يوجدون أيضاً في الوسط، وعقب الغزو الأمريكي للعراق استطاع الشيعة التغلغل في مؤسسات الدولة العراقية مما أثار الدول المجاورة، خاصة الدول الخليجية الست لعدة اعتبارات:
أولها: تحتوي تلك الدول على نسب متفاوتة من الشيعة ، وبالتالي أثيرت المخاوف لدى تلك الدول، انطلاقاً من معاناتها من المد الشيعي في أعقاب الثورة الإيرانية عام 1979، وهو الأمر الذي عبر عنه بوضوح وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، حيث حذر من تزايد "النفوذ الشيعي الإيراني في العراق".
وثانيها: تعد الدول الخليجية الست أكثر تأثراً بما يحدث في العراق، حيث ظل العراق لعقود أحد مصادر التهديد الرئيسية.
وثالثها: ما يحدث في العراق سيكون له تأثير بالغ على المنطقة ككل التي تعاني من خلل أمني واضح.. وتستهدف تلك الرؤية بحث الصعود الشيعي في العراق من حيث النفوذ الإيراني والأثر الخليجي.
أولاً ـ الواقع الراهن للشيعة في العراق وآليات تأثيرهم:
1ـ الواقع الراهن للشيعة في العراق:
الشيعة يتمركزون بالأساس في جنوب ووسط العراق، وقد كانت تلك القوة العددية سبباً رئيسياً في اعتماد الولايات المتحدة عليهم بعد غزو العراق، وهو ما تلاقى مع الرغبة الشيعية ذاتها، حيث رأى الشيعة أنه ينبغي أن تكون لهم الأولوية في إدارة العراق بعد حرمان وتهميش لعقود طويلة، ومن ثم فقد بدا تأثيرهم ووجودهم واضحاً سواء في مجلس الحكم الانتقالي، حيث حصلوا على 13 مقعداً بنسبة 56 % كما نالوا 13 حقيبة في تركيبة الحكومة العراقية المؤقتة في مقابل 10 حقائب مناصفة بين السنة والأكراد، واثنتين مناصفة بين التركمان والمسيحيين.
وقد لوحظ تأثير الشيعة الواضح في العراق من خلال اعتراضهم على كيفية اختيار الحكومة واللجنة الدستورية والمجلس التشريعي الانتقالي، فضلاً عن فوز قائمة الائتلاف العراقي الموحد (الشيعية) بأغلبية مقاعد الجمعية الوطنية المؤقتة خلال الانتخابات التي أجريت في يناير 2005، إضافة إلى ارتفاع نسبة مشاركة الشيعة في الاستفتاء على الدستور، سواء في محافظات الجنوب التي تقطن بها أغلبية شيعية أو في الوسط، حيث تعدت نسبة الموافقة في الكثير من الأحايين نسبة الـ 90%، بالإضافة إلى ترشيح الكتلة الشيعية إبراهيم الجعفري رئيساً للوزراء في تشكيل الحكومة الجديدة خلال شهر فبراير الماضي.
وتتمثل القوى الشيعية الرئيسية في العراق فيما يلي:
1ـ الحوزة العلمية: وقد تأسست في النجف الأشرف وكربلاء وسامراء في القرن الخامس الهجري، ويقودها حالياً آية الله على السيستاني ويستمد مكانته من أمور ثلاثة، أولها: مكانة مدينة النجف الأشرف، وثانيها: تعداد شيعة العراق ، ثالثها: أموال الخمس التي تعطي للمراجع الدينية استقلالاً اقتصادياً عن الدولة.
2ـ المجلس الأعلى للثورة الإسلامية: وقد تأسس في إيران في عام 1980 وترأسه محمد باقر الحكيم قبل اغتياله في 29 أغسطس 2003، وهو ليس حركة سياسية بقدر ما هو تجمع نخبوي دون برنامج سياسي واضح.
3ـ الأحزاب والحركات المنظمة: ويأتي في مقدمتها حزب الدعوة الإسلامية ومنظمة العمل الإسلامية وهي جماعات ليس لها جماهيرية وبها انشقاقات داخلية عدة.
4ـ تيار الصدر: ويقوده مقتدى الصدر بعد مقتل الصدر الأب عام 1999، وقد نجح هذا التيار في إنشاء ميليشيات خاصة به، وله خلافات عدة مع تيار السيستاني وتيار الحكيم، ويلاحظ أن تلك التيارات ليست جبهة واحدة.
2ـ آليات تأثير شيعية العراق:
تعد دول مجلس التعاون الخليجي أكثر الدول تأثراً بالعامل الشيعي في العراق، خاصة أن تلك الدول تضم مجموعات شيعية مختلفة، وقد بدأ التشيع في الظهور في تلك الدول في ظل سياسة شاه إيران رضا بهلوي المركزية التي تسببت في تهجير عرب إيران إلى مناطق واسعة بالبصرة والكويت والسعودية والبحرين.
ولعل مصدر تأثير شيعة العراق في نظرائهم بدول الخليج هو أن الأخيرة خالية من أي مرجع شيعي. ورجال الدين الكبار من الشيعة هم في الأصل "وكلاء" للمراجع المقيمين في النجف أو قم أو بيروت، وبالتالي فإن وجود دولة يهيمن عليها الشيعة أو دولة شيعية في جنوب العراق قد يجعل الشيعة في الدول الخليجية الست منجذبين إليها، ومن ثم فإن أي فتوى تصدرها الحوزة العلمية المقبلة ستكون دستوراً وقانوناً على سائر شيعة المنظمة، وسوف تستطيع تحريك الملايين من الشيعة بكل سهولة، لاسيما وأن الحوزة في هذه الحالة سوف تعتبر مرجعاً دينياً وربما سياسياً لشيعة الخليج.
ويتطلب هذا الأمر التعرف على التنافس التقليدي بين مدينتي "النجف العراقية" و "قم الإيرانية"، حيث ظل هذا التنافس لعقود طويلة في دائرة التنافس على المرجعية الشيعية، فقبل عام 1979 كانت مدينة النجف التي تبعد عن بغداد نحو مائة وستين كيلو متراً تمثل المرجعية الشيعية، إلا أنه بعد انتصار الثورة الإسلامية في طهران عام 1979 تزامنت معها إجراءات تعسفية مارستها الحكومة العراقية في بغداد ضد النجف وعلمائها بلغت ذروتها باغتيال محمد باقر الصدر، وبالتالي بدأت مدينة قم الإيرانية تأخذ الدور الريادي للمرجعية، وذلك حتى سقوط النظام في العراق عقب الغزو الأمريكي في مارس 2003، مما أدى إلى إثارة قضية إمكانية انتقال المرجعية لمدينة النجف الأشرف مرة أخرى.. ويرتبط شيعة الخليج بالمراجع الشيعية من خلال تقديم أموال الخمس وهي "واجبات مالية دينية" وتقدر بمئات الملايين من الجنيهات.
وهنا تجدر الإشارة إلى الدور الإيراني المهم في صعود الشيعة في العراق، حيث يشير أحد استطلاعات الرأي التي أجريت في العراق في شهر مايو عام 2005 حول دور إيران في نشوب حرب أهلية في العراق. فقد رأى 50.9% من المستطلعة آراؤهم أن إيران هي الدولة المجاورة التي يمكن أن تؤجج حرباً أهلية في العراق، تليها سوريا بنسبة 17% وتركيا بنسبة 13.2%، بالإضافة إلى ما كشفته تقارير استخباراتية بريطانية من تدفق أطنان الأسلحة إلى سكان المنطقة الشيعية الأوسع في جنوب العراق في سعيها لقيام إقليم شيعي شبه مستقل يمتد من الحدود الجنوبية الأقصى مع الكويت حتى مناطق الكثافة الشيعية داخل العاصمة بغداد، ويدعم ما سبق تأكيد الشيخ ضياء الشكرجي العضو القيادي البارز في حزب الدعوة الإسلامية بالعراق بالقول أن "إيران هي الخطر الأول علينا".
ثانياً ـ واقع الشيعة في دول مجلس التعاون الخليجي:
لا توجد إحصائيات رسمية خليجية حول عدد الشيعة في دول مجلس التعاون الخليجي، وتشير التقديرات عموماً إلى أن الشيعة يمثلون أغلبية السكان في مملكة البحرين، حيث تتراوح نسبتهم ما بين 65 ـ 70% ( هذه مبالغة كبيرة ، راجع مقال حجم شيعة العراق والخليج ولبنان في هذا العدد ، الراصد ) ، وفي المملكة السعودية يمثلون ما بين 15ـ 25%، ويمثل الشيعة ما بين 15ـ 20% من السكان في الكويت، وفي الإمارات يمثلون ما بين 5ـ 10%، بينما يأتي أقل الشيعة عدداً في سلطنة عمان فيتراوحون بين 3ـ 7%، وفي دولة قطر لا توجد أرقام محددة لعدد الشيعة.
ومما لا شك فيه أن التركيبة السياسية الجديدة في حكومة العراق عكست صعود التيار الشيعي، في مقابل تهميش وإقصاء السنة، وقد تعزز دور الشيعة مع تزايد النفوذ الإيراني داخل العراق، وما تردد بشأن انفصال الشيعة في جنوب العراق وتكوين دولة سيكون ولاؤها الأول لإيران، الأمر الذي أدى إلى تزايد المطالب الشيعية في دول الخليج، خاصة في دولتي الكويت والسعودية.
1ـ مطالب الشيعة في الكويت:
على الرغم من أن الكويت تشهد حالة من الانفتاح السياسي، إلا أن أحداث غزو العراق كان لها تأثير على تزايد المطالب الشيعية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:
ـ تأكيد بعض الناشطين على أن تغير الظروف الإقليمية ينبغي أن يصاحبه التفات أكثر لحقوق الشيعة، ومن ذلك ما صرح به الناشط السياسي الشيعي علي المتروك بالقول: "لقد حصلت تغييرات إقليمية ودولية يجب أخذها في الحسبان والأمر أصبح مستحقاً (...) أرجو أن يكون هناك التفات أكثر للحقوق السياسية للشيعة في الكويت"، وأضاف: "هذه ليست مطالب طائفية، بل وطنية ومن خلال الدستور"، وتعكس تلك التصريحات مدى شعور هذه الطائفة بالتمييز وتتنوع مطالب هؤلاء ويمكن حصرها فيما يلي:
أ ـ المطالب السياسية: يطالب الشيعة في الكويت بزيادة عدد الوزراء الشيعة في مجلس الوزراء، وفي هذا الصدد قال السيد محمد باقر المهري أمين عام تجمع علماء الشيعة في الكويت "الحكومة لا تفرق بين السنة والشيعة لكننا نريد أن يزيد عدد الشيعة في المناصب السياسية بما فيها الوزراء، وأن يكون ذلك مبنياً على الكفاءة لا الطائفية"، وبلغ الأمر إلى إصدار مكتب السيد المهري بياناً "يحذر فيه الحكومة من تجاهل وإبعاد الشيعة عن المناصب السياسية والمؤسسات الدستورية، وتضمن البيان الحديث عن شرخ في الوحدة الوطنية إذا لم تعين الحكومة وزيراً شيعياً أو تستخدم صلاحيتها في تعيين نائب بالمجلس البلدي من الشيعة".
ب ـ المطالب الدينية: لم تقتصر المطالب الشيعية في الكويت على المطالب السياسية، بل ظهرت مطالبات أخرى مثل إقامة أمانة جعفرية وتوظيف الشيعة في بعض المؤسسات مثل بيت الزكاة والأمانة العامة للأوقاف وبعض المؤسسات المالية، وهو ما أشار إليه النواب الشيعة الخمسة في مجلس الأمة، كما طالبوا بإعطائهم حق ترميم مساجدهم، وإنشاء حوزة علمية تدرس الفقه الجعفري، وبناء المساجد والجامعات والمدارس، وتعيين قضاه شرعيين شيعة، فضلاً عن تعيين الشيعة في النيابة.
وعلى الرغم من أن المطالب السابقة هي مطالب مشروعة وتأتي في إطار تزايد المطالب بالإصلاح عقب الغزو الأمريكي للعراق، فإن هناك مأخذين على تلك المطالب:
أولهما: تجاوز المطالب الشيعية إلى حد الهجوم على الطائفة السنية، وهو ما يكرس "للطائفية" في الدول الخليجية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، في الكويت تم توزيع منشورات وشرائط كاسيت معادية للسنة، حيث قامت مكتبة شيعية خلال الثلث الأخير من عام 2003 بتوزيع شرائط كاسيت تحتوي على ترويج لأفكار شيعية متطرفة تتضمن الإساءة إلى بعض الصحف، وهو ما أثار احتجاج السنة في الكويت، فضلا عن تهديد عدد من علماء الشيعة بتحريك دعاوى قضائية ضد خطباء ودعاة السنة لقيامهم بالتعرض لآل البيت والسيدة فاطمة الزهراء، واعتبر بعض هؤلاء أن هناك من يكفر الشيعة، وأن هناك بعض الأشرطة التي تكفر عقائدهم وأفكارهم.
وثانيهما: أنه بالرغم من تأكيد الشيعة على أن مطالبهم ليس لها بعد طائفي وأنها تندرج ضمن الإطار الدستوري والقانوني، إلا أن الواقع عكس ذلك، حيث قام عدد من الشيعة الذين ينتمون إلى التحالف الإسلامي الوطني (الشيعي) بالاجتماع مع ممثل عن خامنئي ،المرشد الأعلى لإيران، في مقر السفارة الإيرانية بالكويت ثلاث مرات، وذلك لتجاوز الخسارة التي مُني بها التحالف في الانتخابات البرلمانية الكويتية والتي أسفرت عن سقوط جميع مرشحي التحالف، فضلاً عن تنسيق المواقف من أحداث العراق.
وقد اعتبرت الحكومة هذا اللقاء تدخلا في شئونها الداخلية، ومن ثم استدعت القائم بالأعمال الإيراني وأبلغته احتجاجها الرسمي على ذلك، حيث اعتبرت الخارجية الكويتية أن هذا الأمر يعد "تجاوزاً للخطوط الحمراء".
حدود استجابة الحكومة الكويتية للمطالب الشيعية:
في ظل تجربة الكويت الديمقراطية استطاع الشيعة أن يكون لهم دور في الحياة السياسية، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى ما يلي:
1ـ الشيعة ممثلون في مجلس الأمة بخمسة نواب، فضلاً عن إعلان الائتلاف الشيعي أنه سوف يخوض انتخابات عام 2007 بسبعة مرشحين بينهم سيدة.
2ـ استجابة الحكومة لطلبات الشيعة، حيث أشار وزير العدل السابق أحمد باقر في 25/10/2003 إلى موافقة الحكومة على طلب النواب الشيعة "بتشكيل محكمة تمييز لقضايا الأحوال الشخصية الجعفرية.
3ـ يستفيد الشيعة من حرية إقامة التجمعات السياسية، ومن ذلك ما حدث خلال شهر ديسمبر عام 2004، حيث تم تشكيل جبهة شيعية (سياسة اجتماعية دينية) في مواجهة التحالف الإسلامي الوطني (شيعي)، وقد ضمت الجبهة في صفوفها تجمعاً جديداً هو "تجمع العدل والسلام" يضم في غالبيته أتباع الشيرازي، إضافة إلى تجمع علماء المسلمين الشيعة الذي يتزعمه السيد محمد باقر المهدي وجماعة الحساوية والجماعة المنتمية إلى العلامة اللبناني محمد حسين فضل الله، وبعض التجمعات والجماعات الصغيرة مثل حركة الوفاق الوطني، إضافة إلى شخصيات شيعية مستقلة.
ويلاحظ مما سبق أن الحكومة الكويتية حاولت إدماج الشيعة في نسيح المجتمع الكويتي، وتحرص دائماً على الالتقاء بقادتهم بغرض ترسيخ مبادئ الوحدة الوطنية، وهنا ينبغي التأكيد على أمر مهم، وهو أن الحكومة الكويتية في ظل تميز تجربتها السياسية لا تواجه الظواهر الطائفية بإجراءات قد تكرس لتلك الطائفية، وإنما تؤكد دائماً على أهمية المجتمع المدني ودولة القانون، بحيث تتاح الفرص للجميع وفق مبدأ تكافؤ الفرص.
وليس أدل على هذا من عدم استجابة الشيخ صباح الأحمد الصباح رئيس مجلس الوزراء الكويتي للمطالب التي نادت بتعيين وزير شيعي بدلاً من د. محمد أبو الحسن زير الإعلام الكويتي (شيعي) الذي قدم استقالته عقب تقديم استجواب له في مجلس الأمة الكويتي في عام 2004، ورأى الوزير أن التجاذب اتخذ منحنى طائفياً، وهنا يلاحظ أن العديد من الاستجوابات التي قدمت في الكويت قد اتخذت شكلا طائفياً، ومن ذلك استقالة وزير الصحة الكويتي على خلفية طلب بطرح الثقة فيه تقدم به نواب شيعة من قبيلة العوازم.
وقد كان للحكومة الكويتية موقف واضح من ظاهرة الطائفية يمكن تباينه من خلال تصريح الشيخ صباح الأحمد رئيس مجلس الوزراء ـ آنذاك ـ بالقول "الفتنة إذا ظهرت واشتعلت سوف تحرقنا كلنا وتحرق البلد"، وأضاف "لا تهاون تجاه أي محاولة للمساس بالوحدة الوطنية وزرع بذور الفتنة بين أبناء المجتمع الكويتي"، مشيراً إلى أن الحكومة "سوف تطبق القانون بشدة على كل مسيء للوحدة الوطنية".
2ـ مطالب الشيعة في المملكة العربية السعودية
بعد الغزو الأمريكي للعراق أضحت تلك القضية إحدى أهم القضايا التي تستحوذ على اهتمامات الكتاب السعوديين، ومن ذلك ما كتبه كاتب سعودي بالقول "الشيعة في معظم الأوطان يعيشون كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة"، وأضاف "أن هذا فضلاً عن كونه يتناقض مع فكر الدول فإنه يهيئ الأرضيات لوجود الثغرات التي يلج منها أعداء الأمة".
وواقع الأمر أن تلك الآراء وغيرها لم تكن سوى جزءًا من مطالبات للشيعة في المملكة العربية السعودية كنتيجة طبيعية لتداعيات احتلال العراق، ومن ذلك:
ـ عقب الإطاحة بالنظام العراقي السابق، وفي 18 إبريل عام 2003 أصدرت 13 شخصية سعودية شيعية بيانا رحبوا فيه بسقوط "الدكتاتور العراقي" وقد أعرب الشيخ حسن الصفار أحد كبار علماء الشيعة في المملكة عن أمله في أن تؤدي التغييرات في العراق إلى تحسن أوضاع الشيعة السعوديين.
ـ وفي خطوة أخرى ذات دلالة قام وفد مكون من 18 شيخاً يمثلون الشيعة في المملكة في 30 إبريل 2003 بتقديم مذكرة موقعة من نحو 450 شيعياً إلى الملك عبد الله بن عبد العزيز (ولي العهد آنذاك) بعنوان "شركاء في الوطن" يطالبون فيها بتحسين أوضاعهم، وأن تتاح لهم الفرص لتقلد مناصب عليا في مجلس الوزراء والسلك الدبلوماسي والأجهزة العسكرية والأمنية ورفع نسبتهم في مجلس الشورى، وتعد هذه الوثيقة تحولا نوعياً في مطالب الشيعة بالمملكة لعدة اعتبارات:
أولها: لم تقتصر على المطالب بحقوق معينة وإنما عكست التمييز ضد الشيعة، حيث طالب موقعو هذه الوثيقة "بالتوقف عن وصف مذهبهم بالكفر والشرك والضلال، والسماح بإدخال الكتب والمطبوعات الشيعية إلى البلاد.
وثانيها: عبرت هذه الوثيقة عن مختلف الأطياف الشيعية، إذ أنها لم تقتصر على رجال الدين، فقد وقع عليها علمانيون وشيعيون وشخصيات عادية، وشهدت للمرة الأولى مشاركة شيعة المدينة المنورة في العرائض.
وثالثها: عكست وجود مساندة خارجية لتلك المطالب، وفي هذا الصدد قال عدنان الشخص أحد أعضاء الوفد الذي التقى مع ولي العهد السعودي "إن الإخفاق في تلبية المطالب الشيعية سوف يعرض المملكة لضغوط خارجية بحجة الدفاع عن حقوق الأقليات".
ـ ومن ناحية ثالثة: وفي تعبير عن التمييز ضد الشيعة قدم أحد الأشخاص ورقة بحثية خلال اللقاء الوطني الثاني (الحوار الوطني) في المملكة الذي ناقش قضية الغلو وأسبابه بعنوان "مناهج التعليم الديني في السعودية: المسألة الشيعية"، وقد تضمنت هذه الورقة توصيفاً لعناصر العملية التعليمية في المناهج والسياسات التعليمية والمعلمين وموقفهم من الطائفة الشيعية، حيث تشير الورقة إلى أن أحد أبعاد مشكلة الشيعة في المملكة هي أنهم موصومون بالكفر وأن عليهم أن يقبلوا مناهج تعليم دينية أحادية النظرة.
وهنا يلاحظ أن المطالب الشيعية في المملكة وإن كانت أكثر حدة من مثيلتها في الكويت بيد أنها لم تتعد حدود الوطن ـ على الرغم من تصريحات البعض إمكانية المساندة الخارجية ـ فيؤكد المطالبون أن مطالبهم هي جزء من مطلب عام يهم الوطن ككل، وتندرج ضمن المطالبة بالإصلاح وليست ذات طابع فئوي أو مذهبي وهو ما عبر عنه الشيخ حسن الصفار قائلاً كل المواطنين في المملكة وفي البلاد العربية يشعرون بالحاجة إلى الإصلاحات السياسية"، مؤكداً أن المسألة لا ترتبط بالشيعة فقط.
انتهجت المملكة العربية السعودية آلية الإصلاح للاستجابة لمطالب الشيعة. ومن بين جوانب هذا الإصلاح تفعيل المشاركة الشيعية في الحياة العامة، وتدعيم مبادئ حقوق الإنسان وما يرتبط بها من حريات عامة وممارسات دينية مذهبية، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى ما يلي:
ـ في شهر يونيو عام 2003 عقدت الدورة الأولى للحوار الوطني بعنوان "الطائفية في المملكة" وشارك فيها ممثلون عن الشيعة والسنة، وقد أكد الملك عبد الله ـ ولي العهد آنذاك ـ في كلمته آنذاك على أن "اختلاف الآراء وتنوع الاتجاهات وتعدد المذاهب أمر واقعي وطبيعي من طبائع البشر"، وتعكس كلمة الملك عبد الله إدراكا لطبيعة التنوع والاختلاف وضرورة احترام هذا الاختلاف.
وعلى الرغم من أن انعقاد مثل هذا اللقاء يأتي في سياق الإصلاحات السياسية التي تزايدت وتيرتها في المملكة بعد احتلال العراق، والتي من المفترض أن تكون حوارات بين الحكومة والمجتمع السعودي، إلا أنه لوحظ أنه حوار سني ـ شيعي، مما يعكس حالة الاحتقان التي سادت عقب صعود الشيعة في العراق ورغبة الحكومة في تجاوز تلك الحالة.
ـ ومن ناحية ثانية، شارك الشيعة في الانتخابات البلدية التي أجريت من المملكة خلال عام 2005، فمن بين 12 مقعداً كانت متاحة في الإحساء والقطيف حصلوا على 11 مقعداً، وهنا يشار إلى أن السلطات السعودية كانت قد وافقت على مطالب الشيعة بإقامة مجلس بلدي منفصل لبلدية القطيف والقرى المجاورة وهو ما يعد تحولاً مهماً بالنسبة للشيعة.
ـ ومن ناحية ثالثة، تؤكد التصريحات الرسمية على المساواة بين المواطنين دون تفرقة مذهبية أو طائفية، ومن ذلك تصريحات الأمير بندر بن سلمان آل سعود مستشار العاهل السعودي الذي أكد على أن "مطالبات الشيعة هي كباقي مطالبات المواطنين السعوديين مشدداً على أنهم لن يصلوا إلى ما سماه بـ "التفرقة" أو حتى القول بأن هناك مطالبات شيعية ببقاء الشيعي مواطناً سعودياً وهذا وطنه"، وأضاف "لكل مطالبه لكن في النهاية نبقى جميعاً في دائرة الإسلام وهي الدائرة الكبيرة التي تضمنا دينياً وتحت سيادة دولة واحدة هي المملكة العربية السعودية".
ثالثاً ـ أثر الصعود الشيعي في العراق على الدول الخليجية:
على الرغم من تباين مطالب الشيعة في دول الخليج ابتداءً بالمطالب السياسة ومروراً بالمطالب الدينية وانتهاءً بالمطالب الاجتماعية، فإن هناك عاملاً مشتركاً يجمع بين تلك المطالب وهو التحرك للاستفادة من الأوضاع الجديدة التي رتبها الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003 وعلى الرغم من مرور ثلاثة أعوام على هذا الاحتلال لا يزال هناك جدل حول الآثار التي يمكن أن تترتب على الصعود الشيعي في العراق على دول الخليج الست.
وفي هذا الصدد يبرز اتجاهان:
الأول: يرى أن تحركات الشيعة لن تقف عند حد المطالب، إذ أنها سوف تستمر لتهدد الوحدة الوطنية لتلك الدول حتى لو استجابت حكوماتها لمطالبهم.
أما الاتجاه الثاني: فيرى أن تواصل شيعة الخليج مع مناطق الوجود الشيعي لن يتعدى رابطة دينية تجمعهم مع نظرائهم في تلك المناطق بما لا يهدد الوحدة الوطنية لتلك الدول، وفيما يلي عرض للاتجاهين وتقييم كل منهما:
الاتجاه الأول ـ المطالب الشيعية تهدد الوحدة الوطنية للدول الخليجية:
يرى أنصار هذا الاتجاه أن المطالب الشيعية تهدد الوحدة الوطنية للدول الخليجية، وذلك من خلال عدة مؤشرات هي:
1ـ سعي الشيعة للاستقلال:
على الرغم من سعي شيعة الخليج لتقديم كافة أشكال الولاء والطاعة لحكام الدول التي يقطنونها، إلا أن هذا لا ينفي تطلعهم لإقامة حكم ذاتي شيعي في مناطق وجودهم كأغلبية أو قيام حكومة منفصلة شيعية على أبعد تقدير، وذلك انطلاقاً من ارتكاز توجهاتهم الدينية على مبدأ (التقية) ويعني أن اتقاء القوي ومجاراته يعد مطلباً دينياً ومبدأً أساسياً لهم، وهذا ما يؤكده رئيس تحرير إحدى الصحف الخليجية بالقول "إنه مهما تواضعت مطالب الشيعة اليوم واندمجت في إطار المطالب الوطنية العامة فلابد من الإقرار بأن شيئاً ما قد تغير بالفعل بعد كل الهزات السياسية والأمنية والثقافية التي عاشتها منطقة الخليج، وليس أقل التغييرات أن يأخذ الشيعة ثقلاً سياسياً جديداً بعد أن كانت إيران تحتضنهم عن بعد".
ومن ناحية أخرى، تزداد مخاوف الدول الخليجية بشأن ما يتردد عن تقسيم العراق في ظل وجود العديد من المؤشرات الدالة على ذلك، حيث إن الدويلات التي سوف تنشأ على أنقاض الدولة العراقية هي دولة كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وثالثة شيعية في الجنوب، ستكون جميعها ضعيفة للغاية، وهنا تجدر الإشارة إلى أن الجنوب الشيعي يمثل مركز ثقل استراتيجياً بالنسبة لإنتاج النفط العراقي، حيث ينتج الجنوب وحقول الرميلة نصف إنتاج العراق من النفط، كما أن نمط العلاقات فيما ( بين) تلك الدويلات سيكون سمته الصراع وليس التعاون، وقد تتجه إحدى هذه الدويلات إلى الاستعانة بطرف خارجي، الأمر الذي من شأنه أن يكون مقدمة لأتون حرب أهلية من شأنها أن تؤثر سلباً على مجمل النظام الإقليمي في الخليج.
وفي هذا الإطار جاءت تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في 6/1/ 2004، حيث قال "إن تقسيم العراق هو تهديد مباشر لأمننا وأمن دول الجوار" معتبراً أن أي نظام عرقي مبنى على أسس عرقية أو مذهبية لا يساعد على استقرار البلاد ووحدتها".
كما أن قيام دولة شيعية في الجنوب سوف يؤدي لتمدد النفوذ الإيراني في منطقة الخليج العربي بما يعنيه ذلك من تداعيات خاصة في ضوء استمرار بعض المشكلات بين إيران ودول المجلس والسعي الإيراني للهيمنة على المنطقة باعتبارها قوة إقليمية مستندة إلى برنامجها التسليحي الكبير، وسوف تنجذب الأقليات الشيعية في الخليج لهذه الدولة الجديدة التي سوف تضم مقدسات شيعية مهمة.
وبعيداً عن هذا وذاك، يلاحظ أن ورقة الشيعة كأداة ضغط من جانب الولايات المتحدة تأتي دائماً من جانب جماعات الضغط الصهيونية التي تقدم أنصارها بمشروع قانون للكونجرس أطلق عليه "قانون محاسبة السعودية"، فضلاً عما رددته تلك الجماعات من أن المملكة تسعى لامتلاك أسلحة دمار شامل، بالإضافة إلى دأب تقارير حقوق الإنسان السنوية التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية على انتقاد المملكة لممارستها التمييز، واتهامها "بالاتجار بالبشر" في إطار تعاملها مع العمالة الوافدة على أراضيها، فضلاً عما أورده تقرير وزارة الخارجية الأمريكية بشأن حقوق الإنسان في العالم لعام 2003، حيث قال "تقوم المملكة باعتقال وسجن وتعذيب علماء شيعة وعلماء دين بسبب آرائهم الدينية التي تخالف آراء الحكومة".
2ـ مطالب الشيعة تتيح التدخل في الشئون الداخلية لدول الخليج:
وهنا يكون التفرقة بين الشيعة المعتدلين والشيعة المتشددين، حيث إن وصول شيعة العراق المعتدلين الذين يؤمنون بالديمقراطية والتعددية إلى الحكم سوف يؤدي إلى تعزيز العلاقات بين الشيعة والسنة في الكويت والسعودية، أما في حالة سيطرة شيعة العراق المتشددين على السلطة فإن ذلك سوف يؤدي إلى خلق حالة من التوتر وعدم الثقة الناتجة عن التدخل في الشئون الداخلية.
ومما يؤكد صحة هذا الطرح التصريحات التي أطلقها مقتدى الصدر ضد الكويت وطالب فيها برحيل القوات الأمريكية عن أراضيها، مشيراً إلى أن "الخطر الذي يخشاه قد زال بعد سقوط صدام حسين"، وقد كان لهذه التصريحات ردود فعل كويتية رسمية حادة، والتي اعتبرت أن تصريحات الصدر تعد تدخلاً في الشئون الداخلية لدولة حرة مستقلة، وذلك من خلال تصريح وزير الخارجية الكويتي د. محمد الصباح السالم بالقول "إن بقاء أو رحيل القوات الحليفة الموجودة على أرض البلاد هو من صميم السيادة الكويتية التي لا يسمح لأحد بالتدخل فيها أو المساس بها"، وأضاف "أن الكويت دولة حرة وذات سيادة ونحن الذين نحدد من نستضيف ومن نطرد ولا أحد يعلمنا من نستضيف ومن لا نستضيف".
3ـ ظهور الطائفية في الدول الخليجية:
كان للصعود الشيعي في العراق آثار واضحة على بداية ظهور مؤشرات للطائفية في بعض الدول الخليجية ومنها دولة الكويت.. حيث ظهرت بعض الكتابات التي تناولت الوضع العراقي بالتركيز على ما يتعرض له السنة هناك على يد الشيعة، وفي هذا الصدد أشارت إحدى الصحف الإلكترونية التي تنطق بلسان إحدى الحركات الإسلامية السنية قائلة "يذبح إخواننا أهل السنة في العراق بخنجر الأحزاب الشيعة المتطرفة ويتعرضون في الجنوب لأبشع المجازر بغية إجلائهم عن أراضيهم ليتسنى للدولة الساسانية في إيران مد نفوذها، فضلاً عن قيام أحد المواطنين بطباعة مطوية والاتفاق مع بعض الصحف على توزيعها كإعلان مدفوع الأجر خلال شهر فبراير 2005، وقد تضمنت هذه المطوية مواعظ دينية تحذر من لطم الخدود وشق الجيوب في إشارة إلى ما يقوم به الشيعة في يوم عاشوراء.
ولاشك أن ظهور الطائفية في دولة الكويت يعد تهديداً لأمنها القومي بالنظر لصغر حجم الدولة ووجود خلل في تركيبتها السكانية، نتيجة ارتفاع حجم العمالة الآسيوية وانقسام البلاد بين تيارين (إسلامي وليبرالي)، ووجود طائفتين إحداهما سنية والأخرى شيعية، ومما يؤكد هذا الأثر المباشر للطائفية أمران، أولهما: استقالة وزير الإعلام د.محمد أبو الحسن (شيعي) بسبب شعوره أن الاستجواب الذي كان مقدماً ضده سوف ينحرف إلى مستوى طائفي. وثانيهما: تحذير رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الأحمد من "مؤشرات سلبية تمس الوحدة الوطنية".
وفي المملكة العربية السعودية، وعلى الرغم من محاولات الشيعة تحقيق مكاسب في ظل التغيرات الجديدة، إلا أن الطائفية لم تتضح حتى الآن.. فقد ناقش الحوار الوطني الأول الذي انعقد في الرياض خلال شهر يوليو 2003 "قضية الغلو والتشدد"، وتم اللقاء بين رجال دين سنة وشيعة.
وتعكس التجارب التاريخية مدى تأثر شيعة الخليج بالخارج، ومن ذلك شيعة المملكة العربية السعودية في المنطقة الشرقية الذين تبرعوا بالملايين للجمهورية الإسلامية في إيران بعد انتصار الثورة عام 1979 من خلال الأخماس، وتوجد مواقف لا تحصى، حتى أن النساء قمن ببيع حليهن للتبرع للثورة وقام البعض بالاقتطاع من مصروف أطفاله اليومي لهذا الغرض.
الاتجاه الثاني ـ تواصل شيعة الخليج مع الخارج لن يتعدى الرابطة الدينية:
ويؤكد أصحاب هذا الاتجاه على أن تواصل شيعة دول مجلس التعاون الخليجي مع مناطق الوجود الشيعي، لاسيما تلك التي توجد بها العتبات المقدسة لا يعني تبعيتهم السياسية لمركز أو دولة معينة، حيث إن الأمر لا يتعدى رابطة دينية عامة تجمع الشيعة الذين قد يرغبون في زيارة عتباتهم المقدسة في العراق على سبيل المثال، وهذه مسألة شبيهة تماماً بما يحدث لدى السنة من زيارتهم للأماكن المقدسة في المملكة العربية السعودية، ويؤكدون على ذلك بعدة حجج وهي:
أولاً: التزام شيعة الخليج بانتماءاتهم الوطنية مؤكدين أنهم جزء من النسيج الوطني الخليجي، كما أنهم لا يشكلون تحدياً سياسياً، وهذا ما أشار إليه الدكتور منصور الجمري رئيس تحرير صحيفة الوسط البحرينية الذي أشار إلى أن "المستقبل الشيعي في المنطقة مستقبل اندماج وليس انفصال"، مؤكداً على أن "الشيعة في الخليج يحملون انتماءً قوياً لوطنهم وليست لديهم أي انتماءات سياسية خارجية أو حتى طموحات داخلية من شأنها أن تؤثر على وحدة واستقرار النظم الخليجية".
وهو المعني ذاته الذي أكده الشيخ حسن الصفار بالمملكة بالقول "المواطنون السعوديون الشيعة يصرون على أنهم جزء لا يتجزأ من هذا الوطن ويدافعون عن وحدته"، مؤكداً على أن "الشيعة لا يسعون إلى إقامة دولة خاصة بهم"، وقد ترجم الشيعة السعوديون هذا التوجه ضمن وثيقة قدموها للملك عبد الله بن عبد العزيز، حيث أكدت على أن "المواطنين الشيعة في المملكة هم جزء أصيل لا يتجزأ من كيان هذا الوطن الغالي، وهو وطنهم النهائي ولا بديل لهم عنه ولا ولاء لهم لغيره"، وهو الأمر ذاته الذي أكد عليه شيعة الكويت، حيث شدد النواب الشيعة في مجلس الأمة وعدد من الشخصيات الشيعية في لقاء مع رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ صباح الأحمد الصباح في شهر أبريل 2004 على أنهم مواطنون كويتيون قبل أن يكونوا من الطائفة الشيعية.
وفي هذا الصدد استهجن النائب الشيعي حسين القلاف مقولات مفادها "أن الشيعة سيأخذون حقوقهم من خلال ضغوط داخلية أو خارجية" مؤكداً "أن الشيعة مواطنون بالأصالة ولهم من الحقوق ما لهم وعليهم من الواجبات ما عليهم"، وهذا ما أكده أيضاً علي المتروك وهو سياسي ورجل أعمال شيعي كويتي، حيث قال "إن شيعة الخليج هم جزء أصيل من أي مجتمع خليجي وأنهم لا يستمدون العون من أي طرف خارجي سواء إيران أو غيرها للمطالبة بحقوقهم"، وأوضح "نحن ننطلق في الحصول على حقوقنا من الدستور الذي لا يميز بين المواطنين".
ثانياً: تؤكد السوابق التاريخية أن الشيعة في الخليج لم يكونوا يوماً ما ضد الوحدة الوطنية.. فمن ناحية الأصول التاريخية ينحدر شيعة الخليج عموماً من قبائل عربية أصيلة مثل قبائل ربيعة وقبائل حرب وجهينة وبني يام، بالإضافة إلى قبائل عامر وتميم، وبالتالي فإن جذورهم تضرب في الأعماق العربية وظلوا باقين من الخليج دون محاولة التوجه للخارج، فضلاً عن الدور الذي لعبه شيعة المملكة العربية السعودية في فتح منطقة الإحساء عام 1913، حيث أيد الشيعة الملك عبد العزيز آل سعود ومكنوه من دخول المنطقة دون حرب، وقام الملك المؤسس بترك الشيعة أهل المنطقة لإدارة شئونهم عبر مؤسساتهم الدينية ومحاكمهم الشرعية، بالإضافة إلى أن شيعة المملكة لم يتأثروا بدعوات الثورة الإيرانية، وبالتالي فقد أخفقت كل محاولات اختراق دول الخليج العربية الست وزعزعت وحدتها الوطنية.
ومن ناحية أخرى عندما غزا العراق دولة الكويت شارك الشيعة في مقاومتها ، وهذا ما أوضحه السيد محمد باقر المهري في بيان أصدره في شهر ديسمبر عام 2003، حيث قال "العدو البعثي حينما هاجم بلدنا لم نسمع بأن هناك فرقاً بين السنة والشيعة، بل كان المقياس هو الروح الوطنية، فمن كان مدافعاً عن الكويت ومقاوماً للاحتلال العراقي البغيض كان مصيره القتل أو الأسر شيعياً كان أم سنياً".
ثالثا: لا يعدو الشيعة سوى تعبير كمي حيث إنهم ـ شأنهم شأن الطوائف الموجودة في العالم العربي غير موحدين سياسياً وفكرياً فهم منتمون لمدارس فقهية وسياسية وانتماءات متباينة، وبالتالي يصعب التقاؤهم على برنامج أو هدف سياسي معين، وقد أشار أحد المؤلفات إلى أن فرق الشيعة ثلاثون والبعض الآخر يرى أنهم يزيدون عن هذا العدد قليلاً، أبرزهم الكيسانية والناووسية والإسماعيلية والقطيمية والواقفية والزيدية والإثنا عشرية.
رابعاً: الفتاوى التي صدرت وتؤكد على الوحدة الوطنية وما لها من تأثير على الشيعة في الخليج، ومن ذلك فتوى المرجع الشيعي العلامة السيد محمد حسين فضل الله "بتحريم إثارة أي حديث مذهبي لاسيما بين السنة والشيعة في الكويت"، قائلاً "إننا نقول لكل إخواننا في الكويت لا تطالبوا بحقوق الشيعة"، ولابد "من أن تكون هناك أسرة كويتية واحدة".

