جولة الصحافة
الجعفري قطعة صغيرة في لعبة الصراع الكبيرة على الزعامة الشيعية
الجعفري قطعة صغيرة في لعبة الصراع الكبيرة على الزعامة الشيعية
عدنان حسين - الشرق الأوسط
كان وجه إبراهيم الجعفري ضاجّا بعلامات الشعور بالهزيمة، أكثر من وجه عادل عبد المهدي، مع أن الأول هو الذي «فاز» على الثاني في المنافسة الشرسة داخل «الائتلاف العراقي الموحد»، للترشح إلى منصب رئيس الوزراء في الحكومة العراقية الجديدة.
وعندما تقدم عبد المهدي إلى الجعفري لتهنئته بـ«الفوز» ـ وهذا كان يُنقل إلينا على الهواء مباشرة من بغداد ـ قال له الجعفري «يجدر بك أن تعزيني في هذا الموقف وهذا الامتحان». ولما سأله احد الصحافيين عن سبب علامات الحزن البادية على وجهه بدلا من علامات الفرح والسرور، ردّ الجعفري قائلا «ابتسامتي ستكون اعرض لو كنت أعفيت من عظم المسؤولية التي اختارني الشعب أن أتولاها أمام الله».لا أظن أن ذلك كان صحيحا، فالجعفري كان يدرك انه في ذلك اليوم، الثاني عشر من شباط (فبراير) الماضي، بدأت معركته الحقيقية من اجل الاحتفاظ بمنصبه ولم تنته، حيث فاز الجعفري بتأييد 64 عضوا من نواب «الائتلاف» الشيعي، مقابل 63 لعبد المهدي. والجعفري كان يدرك أكثر من غيره أن معارضيه داخل «الائتلاف» ليسوا فقط قوة تصويتية معتبرة (50% تقريبا) ـ ستضاف إليها قوة معارضة الكتل الأخرى ـ وإنما هم أيضا قوة نوعية، تضم «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية»، الأكثر نفوذا بين الأحزاب الشيعية التي عارضت نظام صدام حسين، وحزب الفضيلة الصاعد والقسم الأكبر من كتلة المستقلين، فيما اعتمد فوزه على القوة التصويتية لأتباع مقتدى الصدر، وهي قوة غير مضمونة على الدوام، بل هي رجحته لغاية أخرى.أكثر من هذا أن الجعفري كان يعلم علم اليقين أن الانشقاق الكبير داخل «البيت الشيعي»، الذي أحدثه إصراره على ترشيح نفسه سيسعّر الصراع الناشب بين آل الحكيم وآل الصدر على السلطة والنفوذ داخل الطائفة الشيعية في العراق.
على مرّ القرون كان الصراع على زعامة الشيعة في العراق قائما وله امتدادات إلى إيران والخليج وجنوب لبنان. وفي القرن الماضي بعدما تمتع الشيعة والمؤسسات الدينية بقدر كبير من الحرية، اثر قيام الدولة العراقية الحديثة (المملكة الهاشمية) ـ بالمقارنة بالقمع والعسف الذي عانوا منه منذ عهد الأمويين حتى انهيار الدولة العثمانية ـ انفتحت آفاق أرحب أمام هذا الصراع في ظل اتساع حجم الموارد المالية للعتبات الشيعية المقدسة وللعائلات التي تديرها وللحوزات الدينية في النجف وكربلاء والكاظمية. وفي كثير من الأحيان انطوى هذا الصراع على إراقة الدماء والغدر والتآمر والخيانة.
ظلت الأحزاب والمؤسسات والهيئات الشيعية تنتظر انهيار نظام صدام لتنطلق في سباق محموم نحو تكريس ما كان كل منها يحلم به، وهو زعامة الطائفة بكل ما تعنيه من فرض السلطة السياسية والنفوذ المالي والاجتماعي. وعشية الانهيار، كانت ساحة هذه الزعامة في النجف خالية.. آل الحكيم وآل الخوئي في الخارج، وآل الصدر من دون شخصية كارزمية. وفي لحظة سقوط الصنم في ساحة الفردوس ببغداد اندفع آل الصدر إلى شوارع النجف ليمسكوا بصولجان الزعامة قبل عودة آل الحكيم من إيران، وفي طريق اندفاعهم اكتشفوا إن عبد المجيد الخوئي قد عاد منذ أيام الى المدينة من لندن، فنُحر بالقامات وسُحل في الحال داخل الحضرة الحيدرية وفي شوارع مدينته الأثيرة، مع أن عبد المجيد ـ وهذا ما كنت شخصيا أعرفه عنه ويعرفه كل معارفه ـ لم يكن يرغب في أي دور سياسي أو حتى ديني، وقد اعرض عن كثير من العروض «المغرية» وكان اكثر ما يحلم به ـ قبل ان يجد نفسه مضطرا لخلافة شقيقه المغدور في عهد صدام، محمد تقي، في إدارة مؤسسة الخوئي، أن يصبح رجل أعمال.لم يزل الجعفري يبدو حزين الوجه، مثلما كان يوم فوزه في الترشيح، لأنه يدرك أكثر من غيره انه صار قطعة صغيرة في لعبة كبيرة تتجاوزه وتتجاوز المنصب الطامع فيه.. أنها لعبة الصراع على الزعامة الشيعية، التي لن ينعقد لواؤها عليه، وإنما على آل الحكيم أو على آل الصدر. وهذا سرّ الحكاية.. حكاية الأزمة السياسية الراهنة في العراق.

