جولة الصحافة
الجوانب الخفية لزيارة مقتدى الصدر(لإيران)
الجوانب الخفية لزيارة مقتدى الصدر(لإيران)
كريم ارغنده بور
مختارات إيرانية العدد 68 ـ مارس 2006
نقلا عن الشرق الإيرانية 1/2/2006
حظيت الزيارة الأخيرة التي قام به الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر إلى إيران باهتمام إيراني متباين، ففي حين أبدت الصحف المحسوبة على التيار الإصلاحي اهتماما ملحوظا بالزيارة، فضلت وسائل الإعلام التابعة لتيار اليمين ونواب المجلس، الصمت حيال هذه الزيارة، ويرى المراقبون للشأن العراقي في مقتدى الصدر شابا راديكاليا يمثل أحد أكبر التحديات التي يواجهها المحتلون للعراق. ومع الأخذ في الاعتبار قاعدته العريضة في منطقة النجف، وكذلك العقبات القائمة أمام استقرار النظام وتأسيس حكومة وطنية في العراق، فإن أي نوع من الدعم لمقتدى الصدر يمثل في الواقع نوعا من التأييد للراديكالية التي ستؤدي إلى نتائج ستؤثر على مستقبل العراق.
المنتقدون لدعم مقتدى الصدر يشيرون إلى أزمة الملف النووي الإيراني من طرف خفي. ومن ناحية أخرى، يرون أن هذا الدعم إذا كان يعني الابتعاد عن الجماعات التي يرون أن الأغلبية الحالية في البرلمان العراقي والحكومة العراقية القادمة مثل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية وجماعات الأكراد، فإن هذا التوجه يُعد إجراءً غير مبرر.
ومن ناحية أخرى، فإن مقتدى الصدر الذي كانت مواقفه في السنوات التالية لاحتلال العراق يعتريها الكثير من التباين بين التشدد والتهاون، ومعظم مواقفه لم تكن نابعة من عقيدة راسخة، وخاصة فيما يتعلق بموقفه من المرجعية ومن بقية الجماعات الأخرى وعلى رأسها الطوائف الشيعية، وموقفه من النزاعات الإقليمية، وطريقة الخروج منها، وصولاً إلى موقفه من إيران، لم يكن لديه موقف ثابت من شيء سوى مناهضة الاحتلال. لقد كان يتصور في البداية أن وجوده كقوة مسلحة يمكن أن يكون ذا أثر على ميادين القتال في العراق، لكنه أدرك فيما بعد أنه سيقاتل بمفرده، وأنه لن يحصل على أي مساعدة من بقية الجماعات، بل إن تعداد معارضيه صار في تزايد مستمر، فأعلن أن رأي المرجعية أعلى من القانون والاتفاقات السياسية، ولكنه وقبل غيره فعل أشياء تخالف أوامر المرجعية.
إن الأوضاع في العراق تؤكد صحة المقولة القائلة بأن "الوجود في بيئة سياسية مغلقة تحكمها قواعد صارمة يجعل القوى الأحادية التي لا تحظى بقدر كبير من التحالفات مع غيرها من القوى الأخرى، أكثر عزلة وغير قادرة على لعب الدور المناسب في هذه الساحة".
في الوقت نفسه، يجب القول بأن مجريات الأمور في السنة الأخيرة في العراق تشير إلى أن مواقف مقتدى الصدر صارت أكثر مرونة مما كانت عليه في الماضي، وصار هو نفسه أكثر توافقاً مع الواقع في العراق. لقد انتهج مقتدى الصدر في الانتخابات العراقية الأخيرة نهجا أكثر اعتدالاً مما كان في السابق، وهو يسعى حاليا إلى أن يحصل على نصيبه في توازنات الحكومة القادمة.
ثمة دلائل عدة تشير إلى أن مقتدى الصدر قد أدرك أن دوره المؤثر في مستقبل العراق يجب أن يكون من خلال الطرق السياسية وليس من خلال المعارك المسلحة، وهو الأمر الذي يجب أن ترحب به إيران. وكاتب هذه السطور لا يسعى إلى نفي مخاوف المنتقدين لزيارة مقتدى الصدر إلى إيران وإنما يطرح بعض النقاط التي تم إغفالها تحت وطأة النقد الذي أُعتيد توجيهه لموقف الحكومة الإيرانية الحالية، ولعل تلك النقاط تساعد على تحليل أكثر عمقاً للتطورات الجارية:
1ـ إن زيارة مقتدى الصدر لم تكن للجمهورية الإسلامية الإيرانية وحدها، فهو قبل مقدمه إلى إيران شارك في مراسم تأبين أمير الكويت، وأجرى مباحثات مع كبار المسئولين الكويتيين على هامش زيارته. والتصريح الذي أدلى به مقتدى الصدر في طهران بأنه في حالة الهجوم الأجنبي على إيران فسوف يدافع عنها، هو التصريح نفسه الذي أدلى به في الكويت، حيث ذكر أنه سيدافع عن أي جار له في حالة تعرضه لهجوم.
وبعد زيارته لإيران التقى بكبار المسئولين السعوديين، كما وردت أخبار أن لديه برامج أخرى لزيارة عدد من الدول الإسلامية بالمنطقة. ولو أن زيارة مقتدى الصدر وجولاته كانت لإيران فقط في هذه المرحلة لكانت المخاوف المطروحة حالياً على قدر كبير من الصحة، ولكن طالما أن هذه الزيارات قد امتدت إلى عدد آخر من الدول، ومن بينها دول حليفة للولايات المتحدة وغير شيعية، فإن الأمر يجب أن يفسر على نحو آخر، حيث يُعبر عن قرار مُتخذ على نطاق أوسع من حدود الدولة الواحدة.
2ـ على عكس الادعاءات التي راجت في الفترة الأخيرة والقائلة بأن زيارة مقتدى الصدر لإيران قد أحدثت ردود فعل دولية متشددة ضد إيران، يجب القول إن الواقع لا يؤيد مثل هذه الادعاءات. وما من شك في أن أخبار هذه الزيارة قد تم تتبعها على نحو موسع بسبب الحساسية العالمية تجاه قضية العراق، ولكن الأمر يختلف عن معنى رد الفعل السلبي الدولي.
ولعل هذه النقطة يمكن أن تشير إلى تساؤلات أكثر قيمة، وهي هل كانت زيارة مقتدى الصدر والمباحثات التي عقدها مع كبار مسئولي الجمهورية الإسلامية في إيران محاولة لتهدئة الأوضاع المتوترة في العراق وكبح جماح النزاع فيه، وخطوة نحو خلق الاستقرار وتمكين حكومة عراقية قوية في المستقبل، ما من شك في أنه إذا حدث اتفاق حول هذه الأمور فسوف يكون في صالح الجميع.
3ـ إن المصالح القومية مبدأ أساسي في وضع السياسات الخارجية لجميع الدول، ولا توجد أساليب محددة للحفاظ على هذه المصالح، خاصة في العصر الحالي، حيث تستباح جميع الأساليب والوسائل التي كانت غير معروفة في الماضي شريطة الحفاظ على المصالح القومية.
وإذا كان التباحث مع الأعداء من أجل الوصول إلى حل لإنهاء النزاع أمر مقبول في السياسات الدولية فإن التباحث مع أي فرد أو جماعة تستطيع خلق ثبات في مستقبل العراق لا يُعد أمراً غير منطقي فحسب، وإنما يصب كذلك في صلب المصالح القومية لجميع جيران العراق، وإذا كانت زيارة مقتدى الصدر تمثل خطوة في هذا الإطار فإنها تستحق الدفاع عنها وليس معارضتها.

