جولة الصحافة
صفقة رأس الزرقاوي
صفقة رأس الزرقاوي
جهاد سالم الوطن العربي 7/4/2006
لم يكن الإعلان عن موافقة الإيرانيين والأميركيين على فتح مفاوضات مباشرة بينهما في بغداد مفاجأة لأي من الخبراء المطلعين على ألغاز هذه العلاقة الغامضة بين واشنطن وطهران وما تشهده الكواليس الاستخبارية والدبلوماسية، ولم تفاجأ هذه المصادر بالمعلومات عن وصول وفد إيراني رفيع إلى بغداد يترأسه رئيس مجلس الوصاية على النظام أحمد جنتي يرافقه دبلوماسيون وضباط في مخابرات الحرس، ولا بوصول طائرة أميركية خاصة إلى مطار بغداد حاملة وفد مجلس الأمن القومي والـ "سي آي إيه" والخارجية للانضمام إلى السفير خليل زاد والتفاوض مع الإيرانيين.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن هذه الأوساط كانت قادرة مسبقاً على تقديم لائحة مفصلة وشبه كاملة "بالأعداء المتفاوضين". فالواقع أن المفاوضات بين واشنطن وطهران لم تتوقف منذ سنوات وتنقلت خلالها بين أكثر من عاصمة أوروبية، لكن الجديد في "مفاوضات بغداد" أنها ليست سرية واللافت أن الطرفين حرصا على إطلاقه علناً، وذلك ليس فقط لإظهار حاجة كل من واشنطن وطهران لمساعدة الآخر للتوصل إلى تسوية عراقية باتت ملحة جداً لدرء خطر الحرب الأهلية المذهبية وانعكاساتها، بل أيضاً لحرص الإدارة الأميركية وحكم الملالي ـ اللذين يعيش كل منهما صراع أجنحة وتيارات ـ على عدم تفجير فضيحة تذكر بفضيحة "إيران ـ غيت" في الثمانينيات!
وتؤكد معلومات "الوطن العربي" أن العاصمة النمساوية كانت تشهد منذ الصيف الماضي سلسلة لقاءات أميركية ـ إيرانية شارك فيها عدد من مسؤولي البلدين الذين انتقلوا إلى بغداد للاستئناف المعلن ـ وليس العلني ـ لمفاوضات فيينا السرية.
وثمة تقارير تشير إلى أن روزنامة مفاوضات بغداد قد وضعت على ضوء ما تم التوصل إليه في فيينا، بحيث إن كل أوراق واشنطن وطهران باتت مكشوفة للطرفين، بحيث بات واضحاً أن كل "الأزمة النووية" والتهديدات المتبادلة التي ترافقها تربط مصيرها بمصير الصفقة الأميركية ـ الإيرانية المطلوبة في العراق، وهي ـ كما لخصها خبير استراتيجي أميركي ـ تنطلق أولاً من الصراع الأميركي ـ الإيراني على النفوذ في العراق الذي جرى تصعيده باستخدام "الورقة النووية" رغم معرفة واشنطن بأن طهران قادرة في كل الأحوال على العمل على إنتاج القنبلة النووية سراً وإدراك طهران في المقابل بأن واشنطن لن تقبل بذلك وهي قادرة ساعة تشاء على شن حرب ضد إيران.
وفي معلومات المصادر المطلعة على تاريخ المفاوضات السرية بين واشنطن وطهران أن لعبة الأوراق المكشوفة إضافة إلى الحرب المكشوفة في العراق ـ ولو بالوكالة ـ أسهمت في تسهيل إعداد خريطة التفاوض على دور وموقع كل من إيران وأميركا في العراق، وعلى الحد الأدنى الذي يطالب به كل فريق، وفي هذا الإطار تشير هذه المصادر إلى أن إيران أعدت خطة تفاوض انطلقت تجاربها السابقة ـ وفي شكل خاص ـ من تجربة مفاوضات جنيف التي جرت في صيف العام 2003 وشارك فيها خليل زاد.
وكان قد سبق للسفير الأميركي في العراق أن أجرى مفاوضات مع الإيرانيين حول أفغانستان، كانت إيجابية جداً، وما زالت واشنطن تدعو لتكرارها في العراق بعد فشل مفاوضات جنيف. وفشل مفاوضات جنيف كان بسبب "القاعدة والزرقاوي" أكثر ما كان يتعلق بالتردد الأميركي في الاعتراف بـ "حقوق" إيران في العراق ودورها في أمن الخليج أو تعليق العقوبات الأميركية أو الموافقة على انضمام طهران إلى منظمة التجارة الدولية.
وتكشف التقارير أن الإيرانيين فوتوا يومها فرصة فتح صفحة جديدة مع الأميركيين بسبب رفضهم حسم شرط أميركي مسبق انطلق من شعار "الحرب ضد الإرهاب" وهو تسليم رموز "القاعدة" الذين لجأوا إلى إيران. وبرر الإيرانيون معارضتهم هذه بالدعوة إلى مقايضة رموز "القاعدة" بقادة حركة مجاهدي خلق، وفوجئ الإيرانيون بالرفض الأميركي رغم تقديم تنازلات مهمة على هذا الصعيد خصوصا لجهة موافقتهم على الابتعاد عن حماس والجهاد الفلسطينيتين وعلى إقناع حزب الله بالتحول إلى حزب سياسي.
وتؤكد مصادر "الوطن العربي" أن القيادة الإيرانية التي بدأت تشعر بمخاطر وانعكاسات الصراع مع أميركا في العراق أعدت خطة مفاوضاتها الجديدة على ضوء قراءتها لأسباب فشل مفاوضات جنيف وإدراكها لسلم أولويات الأميركيين، واتخذت قرار فتح باب المفاوضات بعرض مفاجئ لقناعتها بحساسية واشنطن تجاه ما تعتبره "الإرهاب في العراق".
رأس الزرقاوي
وتكشف مصادر أميركية مطلعة على الأجواء التحضيرية للمفاوضات العلنية وعلى استعدادات الطرفين للتنازلات المتبادلة حرصاً على كل منهما على حماية مصالحه وتحقيق أهدافه أو بالأحرى بعض أهدافه ـ سواء المعلنة أو غير المعلنة ـ أن "الصاعق" الذي سيفجر الباب المسدود بين واشنطن وطهران هو رأس الزرقاوي.
وفي معلومات هذه المصادر أن الزرقاوي هو الورقة الرئيسية التي تراهن إيران على استخدامها لتقديم خدمة ثمينة لا يحلم بها الأميركيون وتكون في الوقت ذاته ورقة غير قيمة بالنسبة لإيران التي تحتفظ بين أوراقها المصنفة إرهابية بأوراق كثيرة سيسمح التنازل عن ورقة الزرقاوي بالاحتفاظ بها.
ويبني الإيرانيون رهانهم هذا على معرفتهم المسبقة بالهاجس الذي يشكله الزرقاوي بالنسبة للأميركيين في العراق وخصوصاً معرفتهم بحجم الثمن الذي تبدو واشنطن مستعدة لدفعه مقابل رأس الزرقاوي.
وهذا الثمن يتجاوز بالطبع مكافأة الخمسة وعشرين مليون دولار التي وضعها الأميركيون ثمناً لرأس "الإرهابي الأول في العراق".
وفي معلومات الإيرانيين أن القوات الأميركية سبق أن صرفت مئات ملايين الدولارات في مطاردتها للزرقاوي، وهي تعتبر أن المليار دولار يومياً التي تصرفها في احتلالها للعراق تذهب هدراً منذ أكثر من ثلاث سنوات بسبب عجزها عن وقف المقاومة ووضع حد للعمليات المسلحة التي بات أبو مصعب الزرقاوي رمزاً لها في العراق.
لكن ما يعرفه الإيرانيون أكثر أن الأميركيين سبق أن عرضوا إغراءات سياسية كبيرة للأطراف السُنية لدفعها ليس فقط للتخلي عن المقاومة المسلحة، بل خصوصاً لإعلان الحرب على "القاعدة" والزرقاوي.
ووصلت المفاوضات الأميركية مع أطراف المقاومة السُنية إلى حد أن بعض هذه الأطراف تجرأت على طلب مقايضة رأس الزرقاوي برأس صدام حسين، وذلك لمعرفتها بمدى استعداد الأميركيين للتنازل مقابل وقف العمليات العسكرية.
وحتى في حال عدم وصول الصفقة الأميركية مع العشائر والمقاومة السُنية إلى حد ربط مصير صدام حسين بمصير الزرقاوي إلا أن الواضح أن الأميركيين قدموا تنازلات للسُنة في هذا المجال شملت إطلاق سراح مجموعات من رموز النظام السابق المعتقلين "وثمة مجموعة جديدة تنتظر إفراجات مقبلة" وتحسين تمثيل السنُة في الحكم العراقي الجديد، ومساعدات مالية واقتصادية ووعوداً بتعديل الدستور.. وكل ذلك لم يكن فقط ـ حسب العارفين ـ مقابل دخول السنة في العملية السياسية، بل كانت خلفيته مساعدة الأميركيين على فرض الأمن والاستقرار في العراق وفي مقدمتها المساعدة على مطاردة جماعة الزرقاوي ووضع حد لعمليات المقاومة وخصوصاً عمليات عناصر "القاعدة".
وتؤكد المصادر الغربية أن إيران لعبت دوراً كبيراً في دعم العمليات العسكرية ضد الأميركيين على أيدي الجماعات المسلحة السنية بالتزامن مع دعوتها لحلفائها الشيعة لمهادنة قوات الاحتلال.
وفي البداية كان الهدف الإيراني واضحاً من دعم تسلل "القاعدة" إلى العراق بالتعاون مع الحليف السوري، وهو منع الأميركيين من إنجاز سيطرتهم على العراق وتوريطهم في المستنقع العراقي في شكل يجعلهم عاجزين عسكرياً عن التفكير في إكمال مخطط تغيير الأنظمة بالانطلاق من العراق إلى سورية وإيران، كما يحول دون تكريس خطتهم للبقاء في هذا البلد وإقامة نظام موالٍ لهم وقواعد عسكرية دائمة.
وتشير التقارير إلى أن الحرب الأميركية ـ الإيرانية على النفوذ والسيطرة في العراق قد حولت الأميركيين في مرحلة أولى إلى "رهائن" للنظام الإيراني بسبب رهانهم الكامل على الأكراد والشيعة وتهميشهم للسنة.
وقد قاد هذا الواقع، الأميركيين إلى تغيير المعادلة وموازين القوى من خلال الرهان على استقطاب السنة والابتعاد عن الشيعة، وإلى إثبات قدرتهم على التكيف والمناورة.
وفي رأي العديد من الخبراء أن ملالي طهران قد اكتشفوا أنهم ارتكبوا خطأ تكتيكيا تحول إلى خطأ استراتيجي في مشروعهم العراقي، وذلك بمبالغتهم في رفع مستوى الحرب ضد الأميركيين ومستوى عدم الاستقرار في العراق عبر دعمهم للجماعات المسلحة الشيعية المرتبطة بهم وجماعات "القاعدة" وبعض أطراف المقاومة السنية، وهو دعم فاق "الحد المقبول" أميركياً ودفع بالأميركيين إلى اعتماد "الخيار السني" في انعطافة فاجأت شيعة العراق والإيرانيين و"خربطت" حساباتهم.
ويشير بعض الخبراء إلى أن الوحشية والدموية التي تميزت بها أعمال الزرقاوي وجماعته ضد الشيعة تجاوزت بدورها الخط الأحمر، وهي إذا كانت استهدفت في البداية دفع الشيعة إلى طلب حماية طهران ومساعدتها والرهان عليها إلا أنها انتهت إلى التهديد بحرب سنية ـ شيعية، تبين فجأة لملالي طهران أن نارها تهدد بالانتقال إلى داخل إيران وتهديد تركيبة النظام الإيراني المؤلفة من عدة مذاهب وإثنيات والمرشحة لعدوى الحرب العراقية.
هذه المفاجآت غير المحسوبة أقنعت الإيرانيين بأن أفضل وسيلة لقطع الطريق على "خسارة العراق" والأمل مجدداً باستعادة النفوذ والهيمنة وتكريس الحكم للغالبية الشيعية تمر بإفشال الصفقة السنية ـ الأميركية والعودة إلى "الصفقة" غير المعلنة التي تهدف لسيطرة الشيعة وإيران على العراق. وذلك يمر أولاً بنزع الورقة الأخطر للمقاومة من أيدي السُنة عبر تخفيف خطورة هذه المقاومة على المشروع الأميركي وإعادتها إلى الحد الأدنى الذي يسمح بإبعاد الأميركيين عن السُنة.
دعم سوري
وتكشف بعض التقارير أن إيران قامت لهذه الغاية بممارسة سلطتها لدى الحليف السوري بدعوة دمشق إلى ضبط الحدود وتخفيف حركة التسلل وتهريب السلاح.
وفي معلومات هذه الأوساط أن الشهادة التي قدمها مؤخراً قائد الأركان الأميركي جون أبي زيد أمام إحدى لجان الكونغرس حول دور سورية في تخفيف حركة التسلل عبر الحدود لم تكن تعكس في الواقع تجاوباً سوريا مع الضغوط الأميركية بل مع ضغوط الحليف الإيراني في إطار خطته تخفيف الضغط عن الأميركيين لإفشال تعاونهم مع السنُة... أما الورقة الأهم فهي ـ حسب المصادر المطلعة ـ العرض الإيراني بالتخلص من أبو مصعب الزرقاوي وتقديم رأسه على طبق للأميركيين كعربون حُسن نية في المفاوضات الجديدة.
وفي المعلومات أن هذا العرض الإيراني معد ليسحب ورقة مهمة من المفاوضات الأخرى الجارية بين الأميركيين والمقاومة السنية حول رأس الزرقاوي، وليكشف في الوقت ذاته أن قدرة إيران على أذى الأميركيين في العراق تتجاوز علاقاتها مع الشيعة وأن حجم اختراقاتها الأمنية للساحة العراقية يفوق ما هو متداول عن دعم منظمة بدر أو جيش المهدي ليكرّس مصداقية التقارير عن حجم اختراق المخابرات الإيرانية للمقاومة السنية وفي شكل خاص لفصائل "القاعدة في بلاد الرافدين".
الزرقاوي أداة إيرانية!
والواقع أن المعلومات عن دور إيران في دعم وتمويل خلايا الزرقاوي، بل في إرساله إلى العراق، كانت تشكل منذ سنوات لغزاً محيراً، لكنها تحولت في التقارير الأخيرة للأجهزة الاستخبارية إلى قناعة تجعل من الزرقاوي صنيعة إيرانية وأداة لتنفيذ سياسة طهران ونموذجاً لاختراق مخابراتها لتنظيم القاعدة...
ومهما تعددت الروايات عن علاقة الزرقاوي بطهران، إلا أن التقارير الاستخبارية تتقاطع عند التأكيد على حجم المعطيات التي تربط بين الزرقاوي وإيران، إلى حد اعتبار وجوده في العراق بمهمة إيرانية ونتيجة لتحالف بين القاعدة وطهران.
وتؤكد التقارير أن أبو مصعب الزرقاوي كان من أبرز رموز "القاعدة" الذين اختاروا اللجوء إلى إيران بعد الضربة الأميركية لأفغانستان في أواخر 2001 بدون أن يتوقف في باكستان. وقيل إن وجود الزرقاوي في مدينة هيرات القريبة من إيران في تلك الفترة كان من الإشارات الأولية لعلاقاته الإيرانية. لكن إقامة الزرقاوي في إيران وتردده على معسكرات تابعة لقوات القدس في الحرس الثوري زادت من هذه الشكوك التي تكرست أكثر بصداقته مع سيف العدل ـ المستقر في إيران حتى الآن ـ حيث قيل إن صديق الظواهرى هذا لعب دوراً في التخطيط لمشاريع الزرقاوي "المقبلة" وخصوصاً في إقامة علاقة وطيدة بينه وبين الجنرال قاسم سليماني قائد "قوات القدس".
وفي العام 2002 انتقل الزرقاوي إلى كردستان العراق للانضمام إلى أنصار الإسلام، في معسكراتهم القريبة من الحدود الإيرانية. وانطلق يومها في مشروع بناء "القاعدة" في العراق والتحضير للجهاد الذي بدأ إثر الغزو الأميركي في 2003.
لكن زعيم "التوحيد والجهاد" ظل يتنقل بين المدن العراقية وسورية ولبنان في المرحلة الأولى، حيث يقال إنه استقر لفترة خلال العام 2002 في مخيم عين الحلوة. ومنذ انطلاقته في الجهاد واستيعابه للمجاهدين الأجانب قبل إعلان ولائه للقاعدة وتبني اسم "قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين" كان الزرقاوي يحصل في شكل دائم على دعم مالي ولوجستي وذخائر وأسلحة من المخابرات الإيرانية. بل يقال إن عناصره ينتقلون دورياً إلى إيران للراحة وتلقي العلاج والأوامر، وأنه يزور طهران في شكل دوري خصوصاً في مراحل المعارك العنيفة التي يتعرض لها المجاهدون، ومنها معركة الفلوجة، إذ قيل إنه كان خلالها في طهران.
وتلتقي التقارير على اتهام المخابرات الإيرانية وعملائها في الخارج بدعم الزرقاوي في بناء شبكة أوروبية واسعة وخلايا امتدت من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وحتى بريطانيا، حيث يقال إن علاقته بالفلسطيني "أبو قتادة" لعبت دوراً في تقريبه من قيادات "القاعدة".
وفي أية حال تولدت قناعة في أوساط الأجهزة الاستخبارية المتخصصة في مكافحة الإرهاب وفي رصد خلايا القاعدة وخصوصاً شبكات تجنيد المجاهدين إلى العراق بأن الرجل الذي تحول إلى أخطر إرهابي في العالم وبات ـ بعد الجهاد في العراق وعملياته الدموية ـ يُعرف باسم خليفة ابن لادن، يملك وجوها عديدة بعدد جوازات السفر التسعة التي تنقل بها ولم يكن بينها اسمه الحقيقي (أحمد فضيل الخلايلة) وتميزت بجوازات إيرانية باسم إبراهيم قاسمي رضا أو عبد الرحمن حسن وفرتها له "قوات القدس" في الحرس الثوري..
والواقع أن التقارير الاستخبارية عن علاقة الزرقاوي بإيران سبقت تلك التي ركزت على علاقته بالبعث العراقي ومخابراته لدرجة أن إثارة وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول لاسم الزرقاوي وعلاقته بصدام حسين أمام الأمم المتحدة في إطار التحضير لضرب العراق دفعت ببعض الخبراء الأمنيين إلى التساؤل عن سبب تجاهل علاقة الزرقاوي الإيرانية.
ففي تلك المرحلة كانت المخابرات الألمانية قد أعدت تقريراً مفصلاً عن إقامة الزرقاوي في إيران ونشاطاته بين زاهدان وأصفهان وطهران برعاية الحرس الثوري، كاشفة عناوين إقامته كاملة وأرقام هواتفه وفاكساته التي كانت تتلقى اتصالات شبكاته الأوروبية وخصوصاً شبكته الألمانية. واللافت أن هذه التقارير كانت تجمع على مشاعر العداء التي كان الزرقاوي يصرح بها علنًا تجاه الشيعة وهي اتهامات كان الجنرال سليماني يدافع عنها بقوله: "المهم أن عمليات الزرقاوي تخدم المصالح الإيرانية".
لكن يبدو أن عمليات الزرقاوي لم تعد تخدم المصالح الإيرانية، بل إنها لم تعد تخدم استراتيجية قادة "القاعدة". وفيما وجدت إيران أن الزرقاوي بات يهدد بإشعال حرب مذهبية تخرج عن السيطرة وتهدد الاستقرار في نظام الملالي التقت مع "القاعدة" في أن عمليات الزرقاوي التي باتت تستهدف المسلمين المدنيين تشوه صورة الجهاد و "القاعدة" والمشروع الإسلامي الإيراني الذي يحتاج في مرحلة المواجهة مع الغرب إلى تضامن كل الطوائف والمذاهب الإسلامية.
وهكذا حكم الزرقاوي على نفسه بدون أن يدري، وتحول إلى ورقة محروقة عرضة للمفاوضات، بات رأسه مطلوباً ليس فقط من الأميركيين بل من الأطراف السنية ومن قبل قيادة "القاعدة" وأخيراً من قبل إيران، بحيث اندلع نوع من السباق على "اصطياده" والحصول على "المكافأة الأميركية" ليس المالية بل التي تتعلق "بمن يحكم العراق"!
من يصطاده أولاً؟!
هل تنجح إيران في تحقيق إنجاز صفقة مع الأميركيين حول دورها وموقعها ومصالحها وطموحاتها في العراق بتسليم رأس الزرقاوي الذي عجزت المقاومة السنية عن اصطياده!!
التقارير الاستخبارية المتداولة تؤكد أن حظوظ طهران وإمكانياتها في بيع الزرقاوي أوفر بكثير من حظوظ وإمكانيات الأطراف السنية. وعلى الرغم من تركيز الزرقاوي لنشاطه في المثلث السني، فثمة إجماع على أن علاقة طهران به وحجم اختراق المخابرات الإيرانية للساحة العراقية وعلاقاتها مع السوريين تجعل من الأسهل لها نصب الفخ لزعيم القاعدة في العراق. ولعل العامل الأهم هو أن الحسابات والرهانات الإيرانية الجديدة تسمح بالتخلي نهائياً عن ورقة الزرقاوي بدون أية محاذير أو انعكاسات سلبية وهو ما لم تستطع المقاومة السنية بلوغه.
فإيران لم تنظر يوماً إلى الزرقاوي وجماعته كمجموعة مسلحة تستخدمها لتحرير العراق من الاحتلال بل كأداة للضغط على الأميركيين وتسهيل تنفيذ طموحاتها.
وفي المعادلة الحالية تبدو هذه الأداة وقد انتهت صلاحيتها وبات من المطلوب التخلي عنها وبيعها بثمن غال وبدون أية تكلفة. ويشير الخبراء الأمنيون في هذا المجال إلى أن إقدام إيران على تسليم رأس الزرقاوي لا يعني عملياً تخليها عن دعم "القاعدة"، بل يكشف فقط أن طهران لم تعد في وارد لعب ورقة الزرقاوي كخليفة لابن لادن، خصوصاً وأنها تؤوي في أراضيها قيادات بارزة من "القاعدة" تستطيع الرهان عليها، كما أنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع حركات مسلحة متشددة ومتعددة على مستوى العالم الإسلامي. أما في العراق فيعرف الإيرانيون أن رهانهم الحقيقي والأخير هو على الجماعات المسلحة الشيعية مثل منظمة بدر وجيش المهدي.
المصادر المطلعة على خفايا المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية تؤكد أن عرض "تسليم الزرقاوي" قد طُرح في شكل غير مباشر أثناء مفاوضات فيينا قبل أشهر. ولا تستبعد أن يكون قد أسهم في "إغراء" الأميركيين للقبول في الدخول في مفاوضات مباشرة وعلنية مع الإيرانيين.. ويبدو أن الأميركيين تحسبوا لتكرار فشل مفاوضات جنيف بعودة طهران إلى إثارة مسألة "مجاهدي خلق" فقاموا في تلك الفترة بإخراج مسعود رجوي ومجموعة من قياداته من معسكر "أشرف" ومن العراق.
واللافت أن الأسابيع الأخيرة شهدت عملية اختفاء أبو مصعب الزرقاوي عن الساحة العراقية بما فيها ساحة العمليات وساحة مواقع الإنترنت، وبدأت تتسرب معلومات متضاربة عنه بين قائل إن زعيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين قد أُخرج بانقلاب عبر مجلس شورى جديد أشرف عليه أيمن الظواهري وسيف العدل، ومعلومات تشير إلى أن الزرقاوي كُلف من قبل الظواهري بفتح ساحات جهاد أخرى في اتجاه إسرائيل... وآخر هذه التقارير يشير إلى أن المخابرات الإيرانية قد استدعت الزرقاوي للراحة وإعادة تقويم العمل الجهادي وهي مازالت تستضيفه في "إقامة جبرية" في انتظار الصفقة على رأسه.
واللافت أن بعض المواقع الجهادية على الإنترنت بدأت تسوق لنهاية الزرقاوي عبر التأكيد أن أمير القاعدة في العراق بات يعتبر أنه أدى قسطه الجهادي وهو يستعد للخروج من الباب الواسع بعملية جهادية انتحارية ضخمة جداً!!..
في أي حال تبدو ثمة قناعة في أوساط الجهاديين أن مرحلة الزرقاوي قد انتهت، وتقابلها قناعة لدى الخبراء السياسيين الأمنيين بأن رأس الزرقاوي دخل سوق المساومات والمفاوضات.. وفيها يبدو واضحاً أن نهاية الزرقاوي لن تضع حداً للمقاومة والعمليات المسلحة في العراق، ويبقى السؤال عما إذا كان تسليم الزرقاوي يؤدي حكماً إلى فتح صفحة جديدة بين طهران وواشنطن وإلى "الصفقة التاريخية" التي تطمح إليها إيران في العراق.
والعارفون بحجم الطموحات الإيرانية ومثلها الأميركية وتضاربها وحجم المسائل العالقة بين البلدين والحسابات السرية لكل منهما يتوقعون مرحلة طويلة من الشد والجذب والمناورات والتصعيد الكلامي والعسكري تبقي العراق والمنطقة والعالم برميل بارود معداً للانفجار بين شهر وآخر!

