جولة الصحافة
جريمة برقبة المجلس الإسلامي الأعلى
عدنان حسين أوان الكويتية 09/08/2009
منذ العام 2003 باتت الهجمات على فروع المصارف ومكاتب الصيرفة، بدافع السرقة، من الأمور المعتادة في العراق، مثلها مثل التفجيرات، والهجمات المسلحة على الأهداف الحكومية والأهلية من دون أي تمييز، أو تحسب لسقوط ضحايا مدنيين يصل تعدادهم أحيانا إلى المئات، وهي جميعا عمليات لا تنحصر الجهات المنفذة لها بالقوى المعارضة للنظام، وإنما تشمل قوى في النظام عينه.
وعلى الرغم من الاعتياد على هجمات من هذا النوع، فإن حادث السطو على فرع مصرف الرافدين في منطقة الزوية، في وسط بغداد، نهاية الشهر الماضي، غدا قضية الرأي العام الأولى التي لم يتوقف السجال بشأنها في مختلف أنحاء البلاد، والسبب أن الحادث حرّر الألسن من عقدتها، وجعل المسكوت عنه رسميا متداولا علنا، بعدما كان الكلام فيه يجري بالهمس في الأماكن العامة، وبالنبرة الواطئة خلف الجدران والأبواب المغلقة.
وما حدث في الزوية، أن مجموعة مسلحة دخلت مبنى المصرف من دون أن تخلع بابا، أو نافذة، أو تهدم جدارا، وقتلت بدم بارد حراس المبنى الثمانية، وسرقت ثمانية مليارات ونصف مليار دينار عراقي (أكثر من سبعة ملايين دولار أميركي). وما جعل الحدث قضية رأي عام، أن وزارة الداخلية اكتشفت أن العصابة الإجرامية نقلت الأموال المسروقة، وخبأتها في مقر صحيفة «العدالة»، التي تصدر عن «المجلس الإسلامي الأعلى» بزعامة عبدالعزيز الحكيم، ويشرف عليها القيادي في المجلس، ونائب رئيس الجمهورية عادل عبدالمهدي.. والأنكى أن رئيس العصابة الإجرامية هو ضابط في سرية حماية السيد عبدالمهدي.
بعدما أعلنت وزارة الداخلية عن معلوماتها بشأن الجريمة، سعى المجلس، والسيد عبدالمهدي، إلى النأي بنفسيهما عنها، ولاما وزارة الداخلية، ووزيرها، والناطق باسم الوزارة لأنهم «تعجلوا» في الإدلاء بالمعلومات.
بعدما أعلنت وزارة الداخلية عن معلوماتها بشأن الجريمة، سعى المجلس، والسيد عبدالمهدي، إلى النأي بنفسيهما عنها، ولاما وزارة الداخلية، ووزيرها، والناطق باسم الوزارة لأنهم «تعجلوا» في الإدلاء بالمعلومات.
حتى يوم الخميس الماضي، كنت شخصيا متيقنا بنسبة 99 في المئة من أن الجريمة ارتكبتها جهة ما في المجلس، أو «منظمة بدر» التابعة له، ونسبة الواحد في المئة، جعلتها من أجل السيد عبدالمهدي، الذي التقيته مرتين عابرتين في حياتي، لكن معارفه يشيدون به.. بيد أنه، ومنذ يوم الخميس الفائت، صارت قناعتي بنسبة 100 في المئة. ففي ذلك اليوم أعلنت وزارة المالية أن وزيرها، وهو قيادي في المجلس الأعلى، كرّم حراسا لفرع آخر لمصرف الرافدين في حي البياع في بغداد، لأنهم تصدوا لـ«قوة أمنية تستقل خمس عجلات، حاولت سرقة مصرف البياع في الساعة 4.45 من صباح الثلاثاء، وقامت بكسر الباب الخارجي بواسطة إحدى العجلات». وأضاف بيان الوزارة أن «السارقين لاذوا بالفرار إلى جهة مجهولة»، من دون توضيح كيف أن أحدا من الحراس الخمسة، لم يستطع التقاط رقم أي من العجلات الخمس!!
بعد هذا البيان قلت في نفسي إن هذه مسرحية للتغطية على جريمة الزوية، فلا بد إذن من أن تلك الجريمة، هي من تدبير جهة ما في المجلس الأعلى. وأمس نفت وزارة الداخلية أن يكون فرع مصرف الرافدين في البياع، أو أي فرع، أو مصرف آخر في بغداد، قد تعرض لمحاولة سطو يوم الثلاثاء. وقالت إن «مصرف الرافدين فرع الرسالة، لم يتعرض لعملية سطو مسلح، وإنما حدث خلاف بين القوة المكلفة بحماية المصرف وقوات من وزارة الداخلية مكلفة بحماية المنطقة، وتحركت بعلم قيادة عمليات بغداد».
مع هذه الوقائع صار مؤكدا أن جهة ما في المجلس الأعلى قد ارتكبت جريمة مصرف الزوية، وهذا الأمر ليس بغريب. فكما هو متداول شعبيا ومسكوت عنه رسميا، فإن مختلف القوى والجماعات المتنفذة في السلطة العراقية، وبخاصة الإسلامية، شيعية وسنية، ترتكب على الدوام جرائم من هذا النوع.. تسطو على المصارف، ومكاتب الصيرفة، ودوائر الدولة، وأنابيب النفط، ومخازن السلع والأغذية، مستعينة بمليشياتها وعصاباتها المسلحة التي ظلت طليقة، أو انسلت إلى أجهزة الأمن والشرطة والجيش، ومن لا يصدق، فليجب عن السؤال:
لماذا لم يُكشف حتى الآن عن فاعلي تلك الجرائم.. وهي بالمئات؟

