دراسات
دراسات/العدد الرابع والسبعون شعبان 1430هـتركستان الشرقية.. القضية المنسية هكذا يتشيع أبناء المغرب العربي رحيل العلامة ابن جبرين عنا أحبارُ التشيعِ ... تنّوعُ أدوارٍ , ووحدةُ هدف - محمد باقر الصدر نموذجاً - |
![]() الأرشيف |
المجلسي والتأسيس "لفقه الغالبية" في الفكر الشيعي
محمد العواودة
تختلف القراءات الموضوعية "القليلة" التي عرضت لفكر محمد باقر المجلسي من وجهات نظر كاتبيها، من زاوية قراءة التأثيرات التي تركها فكر المجلسي على الفكر الشيعي، بصفته صانع أمجاد الدولة الصفوية، أو بصفته احد الذين ساهموا في إسقاطها واضمحلالها، أو بصفته احد أهم الذين صاغوا النظرية العقدية الشيعية وطوروها، أو الهادم لمبادئها المتجذرة في التاريخ، أو بصفته صانع فكر الثورة الحقيقي أو غير ذلك، إلا أنه من بين فيض تلك التناقضات، ثمة ما يتفق عليه من الذين قرؤوا المجلسي، هو أن إسهامات المجلسي الفكرية كانت إسهامات غالية إلى حد بعيد، في ظل ظروف نشأتها السياسية في عهد الدولة الصفوية وقمعها للمخالفين من المذاهب الأخرى.
كما بات من المتفق عليه في هذه الكتابات، أن المجلسي هو المساهم والمؤصل الأكبر لفقه الغالبية أو ما بات يعرف بالتشيع الشعبي، وهو الفكر الذي كان يعبر عن الإرادة السياسية للسلاطين الصفويين المتأخرين، بجعل كل إيران تتوحد على فكر المجلسي الذي خدم سياساتهم ونال أعلى المناصب الدينية في كنفهم، وحيث حاول المجلسي تأصيل وصياغة خطاب جديد يحاول إقامة قطيعة دائمة مع الإسلام السني الذي كان منتشرا في إيران قبل فرض التشيع عنوة، ذلك من اجل توطيد دعائم الدولة الصفوية، التي كانت ترى في الإسلام السني أهم مصادر الخطر الذي يتهددها، حيث رسخ المجلسي في الوعي الشيعي هذه الخصومة الدائمة من خلال اختلاق موقف سني سلبي من أهل البيت اصطنعه المجلسي بمرويات مكذوبة وموضوعة عن النبي - صلى الله عليه وسلم- وآله بيته دسها في التراث الشيعي.
أسهمت الدولة الصفوية في تمكين خطاب المجلسي في كل البلاد التي كانت تطالها يد سلطتها السياسية أو الدينية نشرا وتدريسا، حتى غرزت في الوعي الشيعي أن الإسلام الذي أتى به المجلسي حاملا مفاتيح الجنان لمعتنقيه هو الإسلام الشيعي الصحيح، وهو الإسلام الذي يجب النضال لأجله، سيما مع الذين اعتبرهم المجلسي خصوما يشكلون تهديدا للوجود الشيعي ويتقاذفون العداوة لأهل البيت، وهي الفزاعة الفكرية التي استند عليها المجلسي لحقن الوعي الشيعي بالعداوة ضد المخالفين، حيث ينسحب خطابه اليوم على المجالات الفكرية والسياسية الشيعية المعاصرة، التي تؤمن إجمالا باستدامة هذه القطيعة بالتركيز على المجال التراثي الروائي المختلق، وهو الأمر الذي ما زال يمنع عمليا التواصل الديني ضمن الدائرة الإسلامية الواحدة مع بقية العالم الإسلامي.
على ضوء ذلك، تحاول هذه الدراسة التعريف بشخصية المجلسي ورصد أهم ملامح خطابه الديني، وتفحص الظروف التاريخية التي ساعدت على بروز هذا الخطاب، كما تحاول الوصول للأدوات المعرفية والإجرائية التي اشتغل عليها خطاب المجلسي من اجل توسيع دوائر القطيعة المعرفية والفكرية مع الفكر السني على وجه الخصوص التي حملت مضامين سياسية متكاملة من خلال احتضان فكرة " التشيع الشعبي " .
ولد محمد باقر المجلسي في آخر عصر إيران الصفوية في سنة 1628 م في دار العلم باصبهان، وهو احد سبعة أولاد لمحمد تقي2]، في مجلس سري حصل خلال حلم يقظة أو رؤيا لمحمد تقي[3]، الذي كان معاصرا لمحمد صدرا، وقرأ على العلماء من امثال الشيخ البهائي وعبد الله بن حسين الشوشتري، ولا يعرف الكثير عن سيرة حياته الأولى رغم انه يدعي إتقان جميع العلوم الدينية منذ سن مبكر جدا، فعلى شرحه على متن "من لا يحضره الفقيه" للشيخ الصدوق، يقول إن علمه اكتمل وهو في الرابعة من العمر[4]![1]، ويروي أصحاب سيرته تفاصيل معينة عن ولادته، يظهر أنها وضعت لتعزيز صورته كزعيم ديني "كاريزمي"، فيروى أن قماطه قد باركه الإمام الغائب
ولعل ما يؤكد ذلك، تلك القصة المتداولة في المصادر لترك المجلسي للمنطق، وهي: أن المجلسي كان يدرس علم المنطق، فشرح للطلاب يوما مذهب "الدهرية" من أدلتهم، فما كان من احد الطلاب إلا أن اعتنق مذهبهم قائلا: "إن مذهب الماديين هو مذهب الحق" وعندما حاول المجلسي نقض الاستدلال، عجز عن ذلك، فأوقف المجلسي الدرس فجأة واقسم أن لا يعود بعدها للفلسفة والكلام[6]، فإن رفض المجلسي للمنطق، يعني انه ركز جهوده بشكل شبه حصري على ترويج الفقه والروايات، وهما دعامتا المنقول المركزيتان[7].
إن رفض المجلسي المنطق وإدانته لكل أشكاله، جعل نقادا من أمثال يوسفي وارجمند وشريعتي يزعمون انه كان مدفوعا بالطموح الشخصي، لا بالرغبة الصادقة في تنقية الرسالة الإسلامية، وذلك عبر الاهتمام بالمنقول إلى حد إقصاء كل شيء آخر، وهو ما كان يعني صعود الفقيه السريع إلى السلطة في السنوات الأخيرة للعصر الصفوي ، خاصة في ظل حكام ضعفاء وعاجزين كالشاه سليمان ( 1666- 1693 ) والسلطان حسين ( 1694-1722 ) واحتلالهم – الفقهاء - المناصب الدينية كمنصب "كشيخ الإسلام"، وهو ما يعني أن على المرء أن يركز على مجال اختصاص الغالبية، من اجل البروز كرجل دين، حيث حبذ الشاه سليمان والسلطان حسين العلوم النقليه، ووفروا فرصة سانحة لفقهاء الاماميين من اجل تمكين الأفكار الدينية التقليدية في الفكر الشيعي، وبغض النظر عن نوايا المجلسي، فقد كان عهد هذين الحاكمين شديدي الملائمة لأفكاره[8].
مما يجدر التنبيه عليه هنا أن الروايات في التراث الشيعي ليس لها مستند علمي مماثل لأهل السنة، الذين اعتنوا جداً بعلم الحديث من جهتي الرواية والدراية، بعكس الشيعة الذين ليس لهم عناية بعلم الحديث ولذلك قلما تسلم لهم رواية، وهذا ساعد على كثرة الكذب والوضع في الروايات وهو ما تميز به المجلسي من ناحية الكثرة والغزارة في الكذب من جهة والغرابة من جهة أخرى، بيد أنه يمكن للمرء أن يقف على مضمرات المجلسي ونواياه جملة، من خلال استنطاق البيئة العلمية والسياسية والاجتماعية التي جعلت فكره يعرض على طلب المنقول الديني ويتماهى معه، والراجع لأسباب جوهرية ثلاثة: الأول: عجز ذاتي غير مقصود في المنطق ، وجد مبرراته المقصودة في إقصاء المعقولات عن صياغة المبادئ الإيمانية والعقدية، الثاني: وهو هدف مقصود للآراء السياسية المطروحة على الساحة، من اجل إقامة قطيعة معرفية بين الفكر الشيعي مع باقي المخالفين، وعلى رأسهم السنة الذين كانت تمثلهم في الغالب التشكيلات الصوفية القائمة كالذهبية والنقشبندية، مع أنها لم تشكل خطرا فعليا على السلطنة الصفوية، الثالث: سياسي، فيما كانت تشكله ميول السلطان سليمان ذاته لتوحيد الناس على المذهب الامامي، حيث يرى أن العلوم النقلية وتداولها كمسلمات، هي التي كانت مؤهلة لبسطها في الوعي الشعبي الشيعي سريعا من خارج سياج المعقولات التي كانت تخضع لمفعولات العقل وتداوله ومراجعته، وهي المهمة التي حاول أن يتزلف بها المجلسي إلى السلطان، في مشروعه الكبير "بحار الأنوار في أحاديث النبي والأئمة الأطهار".
يعتبر "بحار الأنوار" من أهم كتب الحديث عند الشيعة، وقد جمع واختلق فيه المجلسي "مما هب ودب " من الأخبار والأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى اله عليه وسلم والأئمة " وجمع فيه سيرة النبي وفاطمة والأئمة الأثني عشر وأحوالهم ومناقبهم وما نسب إليهم في المواعظ ، ورتبه من غير تهذيب ولا تحقيق[9]، فقد جمع المجلسي في كتابه هذا بحارا من الجهالة والأباطيل ، نسبها للنبي صلى الله عليه وسلم وأئمة أهل البيت الكرام ، وقد أصل فيه لعقائد الشيعة الروافض ، وفي كتابه هذا يتضح بشكل لا لبس فيه القول بتحريف القران وتأليه ألائمة وتكفير الصحابة[10].
اشتهر المجلسي بكثرة مؤلفاته التي تروج لمذهب الشيعة الأثني عشرية، فمنها: كتاب "زاد المعاد" في فضائل الأيام والليالي وأعمال السنة ، ومنها في أقوال الأنبياء من أدم إلى نبينا عليه السلام " وفي " أحوال قائم الأنبياء من ولادته إلى وفاته " ومنها " في الفتن الحادثة بعد وفاة الرسول " ومنها " في أحوال أمير المومنين من ولادته وفضائله ومعجزاته ووفاته " وفي أحوال الزهراء والحسنين عليها السلام " وفي أحوال السجاد والباقر والصادق والكاظم " وفي أحوال الرضا والجواد والهادي والعسكري عليهم السلام " ومرآة العقول " و "حق اليقين[11] الذي ألفه قبل عام من وفاته ، ولذا قد يكون آخر أعماله ، ومن دون شكل من أكثر مؤلفاته شعبية[12]،وفي الواقع فان "حق اليقين" ليس إلا تقرير المجلسي الدقيق باللغة الفارسية لعقائد الأمامية ، وهو ظاهرا متعلق بأصول الدين ، ولكن جله مخصص واقعا لسرد مفصل عن عذاب جهنم إلى جانب التشهير المذهبي بالخلفاء الثلاثة الأوائل[13].
فقد وصل إنتاج المجلسي العريض إلى العوام، لان معظمه مكتوب بالفارسية ، ما جعل المجلسي قادرا على امتلاك مخيلتهم وولائهم. وبالنسبة للعوام، كانت عبارته البسيطة وشديدة التعصب لما اعتبرها أساس المذهب الامامي أسلس من تعاليم الفلاسفة[14].
إن اعتماد المجلسي على النقل بدل العقل، وعلى المظهر بدل الجوهر يتجلى بحدّة اكبر عند مقارنة منهجه بالذي عند متقدمي علماء الامامية ما قبل الصفويين ، الذين وان لم يكونوا نقليين فإنهم كانوا على الأقل مستعديين لايلاء مسالة الإيمان الاهتمام المفترض أنها تستحقه كونها علة وجود الإسلام
[15].
في مؤلفات المجلسي يتصدر الائمة الشخيصات التاريخية، إضافة إلى حياتهم وأقوالهم وآية التكفير والممارسة الدينيتين ، بينما تشكل أحاديثهم أساس لتقعيد الشعائر وهي مسؤولية المجلسي
[16] الذي بلغ ترويجه لمذهب الامامية حدا ، بحيث أن عبد العزيز الدهلوي من كبار علماء السنة وصاحب كتاب " التحفة ألاثني عشرية في الرد على الرافضية " صرح بأنه لو سمي دين الشيعة بدين المجلسي لكان في محله "[17]، فيبدو أن شعبية المجلسي أثرت كثيرا في الشاه سليمان الذي خبا شغفه بالعلوم العقلية وتزايد ميله إلى النقلية البسطية السهلة لدى المجلسي وأمثاله ، وقد قرّب الشاه النقليين وعرف بإحسانه الجم إليهم[18].
مدفوعا بولاء المجلسي ودعمه الخالصين، عين الشاه سليمان المجلسي شيخ الإسلام في أصفهان سنة 1678م، وكما يشير الخواتون أبادي فان تعيين المجلسي "شيخا للإسلام" في سن الحادية والستين قد أعطاه سلطة متفرده كونه اكبر الزعماء الدينيين في المملكة ، وكانت مهمته الأولى هي محاولة نشر علم الشيعة وحديثها[19]، كما اتبع المجلسي سياسة عنيفة ضد السنة الصوفية وحاول قدر الامكان تحويل الأقليات إلى مذهب الامامية ، وتذكر المصادر أن ما لا يقل عن سبعين ألف سني قد تشيعوا على يد المجلسي[20]، حيث يرى البعض أن قمع السنة الذي ازداد خلال تولي المجلسي لمنصب شيخ الإسلام كان سببا رئيسيا في سخط عامة الأفغان السنة ، والذي بلغ ذروته في الغزو الأفغاني وإسقاط الدولة الصفوية[21].
يتبين مما سبق إن محمد باقر المجلسي هو المسؤول تاريخيا عن تعميق أنموذج الخرافة في الفكر الشيعي، استنادا على اهتمامه في بث اكبر قدر من المرويات الموضوعة التي أدخلها في الفكر الشيعي، محاولا في ذلك الوصول إلى أقصى حدود المطامع الشخصية والأعراض الدنيوية .
كما يعتبر محمد باقر المجلسي من أهم الساعين لترسيخ القطيعة بين الفكر الشيعي والفكر السني ، من خلال إجادته للصناعة الفكرية المبتذلة وتأجيج خطاب الفتنة في الوعي الشيعي، وممارسة القمع المنظم، ضد الأقليات الدينية.
[1] - التشيع والتحول في العصر الصفوي " كولن تيرنز " دار الجمل 2008 ص 259.
[2] - مقال: المجلسي يؤلف بحار الأنوار، هيثم الكسواني، مجلة الراصد نت، العدد 26، شعبان 1426هـ.
[3] - التشيع والتحول في العصر الصفوي " مرجع سابق ص 256.
[4] - المرجع نفسه ص 252.
[5] - المرجع نفسه ص 262.
[6] - المرجع نفسه ص 265.
[7] - المرجع نفسه ص 297 .
[8] - المرجع نفسه ص 268.
[9] المجلسي يؤلف بحار الأنوار مرجع سابق.
[10] - المجلسي يؤلف بحار الأنوار مرجع سابق.
[11] - المرجع نفسه.
[12] - التشيع والتحول في العصر الصفوي " مرجع سابق ص 279.
[13] - المرجع نفسه ص 280.
[14] - المرجع نفسه ص 281.
[15] - المرجع نفسه ص 279.
[16] - المرجع نفسه ص 277.
[17] - المجلسي يولف بحار الأنوار، مرجع سابق.
[18] - التشيع والتحول في العصر الصفوي، مرجع سابق ، ص 270.
[19] - الفيض القدسي، حسين بن محمد تقي الطبرسي ص 21.
[20] - قصص العلماء للتنكباني ص 221.
[21] - قصص العلماء للتنكباني ص 221.

