جولة الصحافة
كيف نقرأ الاحتجاج على انتخابات إيران
د. عبدالله الأشعل – المصريون 20/6/2009
جرت الانتخابات الإيرانية وفق الأوضاع الدستورية والقانونية فى إيران، ولكن ظهور النتائج التى فاز فيها أحمدى نجاد بهذه الأغلبية الكاسحة استتبع الاحتجاج والتشكيك فى صحة الانتخابات من جانب موسوى أقوى المنافسين لنجاد. ارتفعت وتيرة الاحتجاجات واشتد تمسك موسوى بموقفه وإن كان قد نصح أنصاره بعدم التجمهر والتظاهر مما بدا معه أن الشارع الإيرانى أصبح منقسماً انقساما موازيا للانقسام بين الساسة. فى قراءة المشهد الإيراني يجب أن نشير إلى أربعة أحداث: الأول هو أن المرشد الأعلى للثورة الإسلامية بادر إلى مباركة النتائج بأفضل العبارات واعتبرها نصراً من السماء، بينما اعتبر احمدي نجاد هذا الفوز صفعة على وجه الغرب. الثانى هو أن المرشد الأعلى شدد على حق الاحتجاج على النتائج ولكن بالطرق القانونية, ويبدو أنه ليس من بينها المظاهرات خشية الاحتكاك بين مؤيدي الفائز والخاسر.
نضيف إلى ذلك أن المرشد الأعلى اضطر فيما يبدو إلى توجيه مجلس الرقابة الدستورية، أى مجلس تشخيص مصلحة النظام إلى تقديم حلول وسط من أهمها قبوله إعادة فرز الأصوات فى الدوائر المطعون فيها. الحدث الثالث هو استمرار التظاهر رغم قرارات وزارة الداخلية بمنعها ورغم حظر الإعلام الدولى لنقلها إلى العالم الخارجى.
أما الحدث الرابع والأخطر فهو الاهتمام المبالغ فيه من جانب الغرب بزعامة الولايات المتحدة واستدعاء السفراء الإيرانيين لدى فرنسا وبريطانيا وألمانيا لتفسير موقف السلطات الإيرانية من قمع المتظاهرين واحتجاج الغرب على النتائج واتهام ساركوزى لها بأنها نتائج مزورة، وتردد دعوات إلى إعادة هذه الانتخابات تحت رقابة دولية للتأكد من صحة تصويت المواطن الإيرانى. بل إن أوباما شدد عدة مرات على نقد النتائج خاصة بعد تزايد اتهام أوساط معينة له بالتراخى فى هذا النقد، وإزاء حرصه على عدم تفسير نقده على أنه تدخل فى الشئون الإيرانية وحذره فى الاقتراب من إيران تمهيداً لمرحلة المفاوضات معها.
فى ضوء هذه الوقائع الأربع يمكن أن نقدم أربعة قراءات أو تفسيرات لهذه الاحتجاجات.
النظرية الأولى، تفسر هذه الاحتجاجات على أنها جزء من الصراع بين إيران والغرب، وأن الغرب لايهمه ديمقراطية إيران، وإنما يهمه فى المقام الأول استغلال الفرصة لتوسيع الشق داخل النظام حتى يضعفه أو يسقطه ويأتى بمن يستطيع التفاهم معه. ويرى الغرب أن هذه النتائج تقوى تشدد النظام الإيرانى فى المفاوضات أو العقوبات وهى تفويض شعبى بسلامة خط النظام ضد الغرب. ولكن الغرب يرى أيضاً أن هذا التشدد يغلق الباب أمام الحلول السلمية مما يقوى احتمال مهاجمة إسرائيل لإيران عسكرياً, وهو احتمال لم يستبعد يوماً من الحساب، أى أن إضعاف النظام من الداخل يجعله أقرب إلى الاستجابة للحلول السلمية لملف إيران النووى, خاصة بعد أن لاحظ الغرب أن إسرائيل هي الطرف الوحيد الذى أسعدته هذه النتائج مما يعلى حجة إسرائيل وتصويرها للخطر الإيرانى بقيادة احمدى نجاد.
على الجانب الآخر، هناك نظرية تستند إلى النظرية الأولى وترى أن الاحتجاجات سببها الغرب وأنها محاولة منه لهدم النظام مما يجعل النظام يشعر بأنه هو المستهدف ويملى على النظام الدفاع عن نفسه لأن إضعافه أو انهياره ضياع للمصالح الإيرانية، فكلما زاد دعم الغرب للاحتجاج كلما تشدد النظام مع المحتجين على أساس أنه يقمع شركاء محليين فى مؤامرة خارجية.
النظرية الثالثة، تضع هذه الاحتجاجات فى إطار الصراع بين الإصلاحيين والمحافظين ولكن المصطلح أطلقه الغرب وتستخدمه الأوساط الإيرانية منذ عهد خاتمى، لدرجة أن شقيق خاتمى نفسه مؤيد لموسوى واعتقل فى هذه الأحداث. إذا كان هذا هو الحادث فى إيران فإنه يعنى أن الغرب يؤيد الإصلاحيين ويجب أن يلتقى مع مؤيدى الإصلاحيين داخل إيران الذين لايرتاحون للهجة التحدى التى يطلقها أحمدى نجاد وأنهم ليسوا منبهرين بوعوده الاقتصادية وفى مجال مكافحة الفساد. هذه النظرية تسمح بانضمام ملايين من الإيرانيين باطمئنان للمطالبة بالإصلاح والاعتدال فى الداخل والخارج، وهو أمر أيضاً لايزعج القيادة الإيرانية.
النظرية الرابعة، تقرأ المشهد على أن الصراع بين المنتفعين من الثورة والمضارين بدأ يعبر عن نفسه بعد ثلاثين عاماً وأن الانتخابات كانت مجرد مناسبة فجرت هذا الصراع، وأن القضية لاعلاقة لها بالغرب أو الإصلاح أو اللبرالية أو الديمقراطية. إذا صح هذا التفسير فإن البلاد التى عرفت أول ثورة شعبية فى القرن العشرين بعد الثورة الشيوعية فى روسيا القيصرية، وعلى أساس أيديولوجى أيضاً سياسى أو دينى, يمكن أن تنزلق بسهولة نحو حرب أهلية، وبذلك تصبح الانتخابات وحتى الديمقراطية نفسها تعبيراً عن ضعف النظام وثغرة لصالح المخالفين له. وقد لوحظ أن موسوى ظل يؤكد على صلابة نظام الثورة الإسلامية حتى لايتهم بأنه يخرج عن دائرة هذا النظام الذى اختاره الشعب الإيرانى وعبر به كل التحديات السابقة.
والحق أن الذى يحدث فى إيران هو خليط من هذا كله ولعلنا نلاحظ أن كراهية الجميع داخل إيران للشاه وبطشه بالجميع هو الذى أطلق شرارة الثورة عام 1979 ولكن الشركاء فى كراهية الشاه والتعاون لخلعه تنوعت اتجاهاتهم بعد خلع الشاه، وكانت البلاد عرضة لانقسام خطير سياسى وإقليمى لولا أن من الله على إيران بجيوش ضدام حسين التى فاجأت حركة التصفيات الكبرى التى أجرتها الثورة ضد خصومها حتى أولئك الذين ساهموا فى إنجاحها.
فهل هذه أزمة فى نظام الحكم، أم هى ضغوط الخارج عليه ،أم هو تدخل الخارج لشق الداخل كله بعد أن فشل فى المواجهة السياسية، أم أنها أزمة مجتمع ارتضى ذات يوم نظاماً ويأمل فى إصلاح أخطاء هذا النظام فاستغل الغرب هذا الهدف النبيل فحاول توظيف هذا الهدف ضمن أجندته فى مواجهة إيران؟

