دراسات
دراسات/العدد الواحد والعشرين - ربيع أول 1426هـ |
![]() الأرشيف |
موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 6 - الشيخ محمد منظور نعماني
موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 6 -
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيون أو الوهابيون هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
هذا البحث كتبه " الشيخ محمد منظور نعماني في كتابه :الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام " والشيخ محمد نعماني من علماء الهند المعاصرين وكانت له مناظرات قوية في الدفاع عن الإسلام تجاه خصومه وله مجموعة من الكتب منها ماهو الإسلام ؟ والدين والشريعة و ماذا يقول القرآن ؟ وكتابه الثورة الإيرانية كتبه بعد أن تقدم به السن وكان بحاجة للراحة لكنه أثر النصيحة للمسلمين على راحته الشخصية . الراصد
الشيعة
نشأتها وفرقها المختلفة
ما هي الشيعة؟
إن الهدف من كتابتي هذه ـ كما ذكرت آنفاً ـ هو تعريف من لا يعرف بأصل الثورة الإيرانية ونوعيتها وحقيقتها، وتعريف من لا يعرف بالشخصية الحقيقة لقائدها الروحي الخميني، ومكانته الدينية الحقيقية، فالجهل بكل هذه الأمور جعل الكثير يتأثر بالدعاية التي تنفق عليها الحكومة الإيرانية بلايين الدولارات، حتى تعطي الثورة صورة إسلامية خالصة.
وكما أوضحنا قبلاً، وعلى ضوء كتابات الخميني، فإن أساس الثورة الإيرانية التي قادها هو، المذهب الشيعي أساسها وأصلها، قائم على قضية الإمامة.
ومن هنا، فمعرفة هذه النوعية من الثورة، وفهم شخصية كشخصية الخميني تتطلب الوقوف على المذهب الشيعي أيضاً.
ولهذا فسوف نحاول في الصفحات التالية تعريف القارئ بهذا الأمر، وما تقدمه في الصفحات التالية مأخوذ ومنقول من كتب المذهب الشيعي المعتمدة ومن أقوال الأئمة المعصومين.
نعرض في البداية نبذة عن تاريخ المذهب الشيعي، وبدون هذه النبذة لا يمكن فهم هذا المذهب فهماً صحيحاً.
ونشير هنا إلى أن فهم بداية أو نشأة المذهب الشيعي يسهل على أولئك الذين يعرفون تاريخ المسيحية، لهذا سنلقي نظرة سريعة على العلاقة بين الشيعة والمسيحية, ثم نعرض لفكرة الشيعة عن علي، وكذلك فكرة الشيعة عن النبي، وحكاية التنبؤ بنبوته، بالإضافة إلى التأثيرات الخارجية، وسوف يلاحظ القارئ مدى التقارب بين الشيعة والمسيحية، والله الموفق.
الشيعة والمسيحية
في "مسند" أحمد، و "مستدرك" الحاكم، و "كامل" ابن عدي، وغيرها من كتب الحديث، حديث روي عن علي t بأن رسول اللهrقال له([1] ):
"مثلك ـ أي علي ـ مثل عيسى بن مريم، أبغضته اليهود، حتى بهتوا أمه، وأحبته النصارى، حتى أنزلوه منزلته ـ التي ليست له ـ، ثم قال: يهلك في رجلان: محب مفرط يقرظني بما ليس في، ومبغض يحمله شنآني على أن يبهتني"([2]).
وما نسب إلى رسول الله r في هذا الحديث، وما نسب إلى علي t، إنما ظهر في عهد خلافته، وقد وصل عداء الخوارج له ومعارضتهم إياه أن قالوا بأن علي بن أبي طالب t مخرب للدين، وهو كافر، وقتله واجب، وهكذا قام أحد الأشقياء منهم بقتله، يدعى عبد الرحمن بن ملجم، وفهم هذا الشقي أن ما قام به ما هو إلا عمل من أعمال الأكبر يوصله إلى الجنة.
ثم ظهر أناس غالوا في حبهم لعلي t، حتى أوصلوه إلى درجة الألوهية، ومنهم من قال: إن عليا كان أحق وأولى بالنبوة وبالرسالة، وإن الله أراد أن يجعله نبياً ورسولاً، وأرسل جبريل الأمين إليه بالوحي، إلا أنه اشتبه عليه، فحمل الوحي وذهب به إلى محمد r.
وعلاوة على ذلك قال البعض: إن علياً وصي رسول الله r، وإنه معين من عند الله إماماً وخليفة وزعيماً للأمة بعد رسول الله، وهو كالرسول معصوم، وطاعته واجبة، وهو أفضل مقاماً ومرتبة من جميع الأنبياء عليهم السلام، وهو يحمل صفات الألوهية، كالتصرف في الكائنات، ومعرفة علم الغيب.
وسوف نطلع القارئ على المزيد من تاريخ فرق الشيعة هذه من المغالين في حق علي.
والآن نعود إلى حديثنا السابق فنقول: إن فهم حقيقة الشيعة يسهل على من يعرف المسيحية وتاريخ المسيحية، ولما كان القليل من القراء على دراية بتاريخ المسيحية، فسوف نذكر هنا نبذة مختصرة عن المسيحية، ونترك القارئ يعقد المقارنة بنفسه بين المسيحية والشيعة.
المسيح والمسيحية:
لا يشاور الشك أي مسلم في أن نبي الله ورسوله المسيح ابن مريم عليه السلام كان يدعو إلى الإيمان بالتوحيد الخالص، وإلى الإيمان بالقانون الإلهي، قانون الثواب والعقاب، والإيمان بالجنة والنار، وهو ما دعا به جميع الأنبياء عليهم السلام أممهم، وأنه أعلن أنه عبد الله ونبيه ورسوله، والمصدر الذي لا يشوبه أي شك ـ أي القرآن لكريم ـ يتحدث عن دعوة المسيح وتعاليمه في سورة المائدة:
{وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، وما للظالمين من أنصار}([3]).
وفي سورة آل عمران، يذكر الله تعالى في كتابه الكريم المعجزات التي وهبها للمسيح عليه السلام، ويذكر قول المسيح لقومه بعد أن عرض عليهم تلك المعجزات:
{وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم}([4]).
وفي سورة مريم يخبر المسيح عليه السلام ـ قومه عن نفسه فيقول:
{إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً}([5]).
ثم يختم المسيح ـ عليه السلام ـ هذا الأمر قائلاً:
{إن الله ربي وربكم فاعبدوه، هذا صراط مستقيم}([6]).
وفي آخر سورة المائدة يسأل الله تعالى المسيح عليه السلام في يوم القيامة ليكون حجة على المسيحيين، وبراءة للمسيح عليه السلام:
{أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}([7]).
{ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم}([8]).
ومن هنا ـ وفي ضوء الآيات القرآنية ـ لا يصبح هناك أي مجال للشك أو الشبهة في أن المسيح ـ عليه السلام ـ قد دعا قومه إلى التوحيد الخالص، وليس هناك من شك أيضاً أن حوارييه قد تربوا على يديه، وتعلموا منه مباشرة تعاليمه الخاصة بالتوحيد، ونادوا بها.
ولكن، بعد فترة اتجهت الأمة المسيحية إلى المناداة بالتثليث، وبدلاً من قانون الثواب والعقاب ـ الذي جاء به المسيح وجميع الأنبياء ـ جعلوا من الكفارة عقيدة أساسية لهم، وأقاموا أساس المسيحية على العقيدتين، التثليث والكفارة، ومن لا يؤمن بهما ويؤمن بالتوحيد الخالص، وقانون الثواب والعقاب ـ الذي دعا إليه المسيح عليه السلام ـ لا يمكن أن يعد مسيحياً أو نصرانياً طبقاً لقانون أي كنيسة.
والسؤال التاريخي الهام هو: كيف حدث هذا التحريف في دعوة المسيح وتعاليمه؟ وكيف اتفقت أمة كلها، بل اتخذ العالم المسيحي كله ـ رغم الاختلافات العقائدية والمذهبية الصغيرة والكبيرة ـ من عقيدة التثليث والكفارة عقيدة أساسية له؟
وبفضل الله وكرمه، وبعون عدد من الباحثين عن الحق، حفظ تاريخ هذا التحريف والتبديل، فمن بين علماء المسلمين من قاموا بدراسة دقيقة للمسيحية ولتاريخها، وكتبوا عن هذا الموضوع بإسهاب، وبوضوح، ومع بيان كافة الأدلة والأسانيد اللازمة، وتوثيق كتاباتهم بطريقة توضح تاريخ هذا التحريف والتبديل وضوح الشمس، وسوف نذكر نتائج هذه الأبحاث التي كتبوها باختصار شديد جدا([9]).
من خلال هذه القراءات الجادة لتاريخ المسيحية نعرف أن الله تعالى قد أرسل عيسى عليه السلام نبيا ورسولاً، وقدم المسيح عليه السلام نفسه لأمته، بني إسرائيل، اليهود، كنبي ورسول، وبلغهم رسالة الله، وعرض عليهم المعجزات البينات التي ورد ذكرها في القرآن الكريم.
وفي البداية، قال علماء أمته وزعماؤها الدينيون: إنه مدع للنبوة ساحر كذاب، وإنه طبقاً لشريعة اليهود ملعون وواجب القتل، فآذوه وأذلوه، ثم قدموه إلى محكمتهم الدينية، فحكمت عليه بالإعدام صلباً، وتم التصديق على تنفيذ الحكم بالإعدام من قبل الحاكم الروماني، وذلك طبقاً لقانون الحكومة الرومانية، التي كانت تمتلك السلطة في ذلك الوقت، وتم صلب المسيح.
وطبقاً للقاعدة والتقاليد الرائجة، دفنت الجثة، واطمأن الناس إلى ما فعلوا، فقد قضوا على مدعي النبوة([10]). وقطعوا جذور دعوته الدينية، إلا أن حواريي المسيح المخلصين صادقي العهد، قاموا بحمل دعوته وهديه إلى المناطق البعيدة، وأخذوا يرسلون تلاميذهم هنا وهناك، ونجحوا في إبلاغ الدعوة بجهودهم المخلصة وتضحياتهم، وظهرت بوادر نجاحهم حتى كادت تكلل بالنجاح.
وفجأة وقعت حادثة غير عادية... إذ قام أحد العلماء اليهود المشهورين في ذلك الوقت ويدعى ساؤل وكان عدوا لدوداً للمسيحية... قام بإيذاء كل من يقبل الدعوة المسيحية الخالصة إيذاء شديداً، بكل الطرق الممكنة، وكان يسلط عليهم الآخرين، وكانت هذه هوايته المحببة لديه...
قام هذا الرجل بخطة مفاجئة، يمكن أن نقول عنها "دراماتيكية"ـ وأعلن أنه ذاهب إلى دمشق للكفاح والجهاد ضد المسيحية والمسيحيين... ويقول عن نفسه:
"في الطريق، وعند مكان معين، ظهر نور يصل ما بين السماء والأرض، وسمعت صوت المسيح قادماً من السماء، يخاطبني باللغة العبرية: يا ساؤل لماذا تؤذيني؟ ثم دعاني إلى الإيمان، وإلى خدمة دينه، وأوصاني بذلك فآمنت به بعد أن رأيت هذه المعجزة، وهكذا أوقفت نفسي لخدمة هذا الدين والدعوة إليه".
وغير الرجل اسمه، فلم يعد يدعى ساؤل، بل أصيح يدعى بولس.
وذهب بولوس إلى حواريي المسيح، فذكر لهم هذه المكاشفة، وما أصابه من مشاهدة وانقلاب، إلا أن الحواريين لم يكونوا على استعداد لتصديق ما قال بعد ما رأوا من إيذائه وظلمه للمؤمنين، وشكوا في قوله، إلا الحواري برنابة ـ حواري جليل صدق قول ساؤل، وأقنع بقية الحواريين بذلك ـ وهكذا انضم ساؤل إلى بقية الحواريين، وصار منهم، وتبع سلوكاً وطريقة جعلت عامة المسيحيين يعدونه زعيماً مسيحياً، وبهذا حقق مكانة عظيمة غير عادية، وأصبح رائداً ونموذجاً يحتذى بين العامة.
وبعد ذلك بدأ عملية التخريب والتحريف في الدين المسيحي ـ وهو ما كان يهدف إليه ويقصده ـ وقد فهم بذكائه الخارق وفراسته أن أسهل طريقة لإبعاد المسيحيين عن أصل الدين الذي جاء به المسيح هو أن يزيد من شأن المسيح إلى حد كبير، ويجعله ابن الله أو شريكاً لله أو الله نفسه.
أما عن حقيقة واقعة صلب المسيح، فقد قال: إن المسيح قد صلب ليكفر عن سيئات جميع الناس الذين آمنوا به، ويتحمل عنهم العذاب الذي كاد أن يصيبهم ويصبح وسيلة إلى النجاة، لأنه تكفير عن كل ما ارتكبوه من ذنوب.
ومن هنا بدأ عمله، وقد أصاب سهمه الهدف تماماً، وبدأت عقيدة ألوهية المسيح، وأن المسيح ابن الله، والتثـليث، والكفارة، تنتشر بسرعة بين عامة المسيحيين، لدرجة أن حواريي المسيح ممن شهدوا تلك الفترة مع تلاميذهم المتمسكين بالعقيدة الصحيحة حاولوا أن يقيموا الأمة المسيحية على الدين المسيحي الأصيل، وأن يحفظوهم من عقائد الشرك والضلال، إلا أن محاولتهم الإصلاحية لم تنجح كثيرا .
ولم يمض على ظهور المسيح قرن من الزمان حتى ترك عامة المسيحيين دين المسيح، واتخذوا من دين الشرك الجديد الذي أتى به بولس تحت عنوان المسيحية ديناً لهم، وهكذا اتخذ المسيحيون في معظمهم هذا الدين الجديد ديناً لهم، واعترفوا بالتثـليث والكفارة، عقيدة أساسية للمسيحية.
كانت هذه نبذه تاريخية مختصرة عن التحريف الذي قام به بولس في الدين المسيحي، ويمكن ملاحظة التفاصيل في الكتب التي كتبت عن هذا الموضوع، وخاصة كتاب "إظهار الحق" للشيخ رحمة الله كيرانوي، وهو بعنوان: "من الإنجيل إلى القرآن"، مع مقدمة للشيخ "محمد تقي عثمان"، طبعة كراتشي.
بداية التشيع في الإسلام
تاريخ ظهور التشيع في الإسلام هو بعينه ما ذكرناه في السطور السابقة فيما يتعلق بتحريف المسيحية الحالية، وعلاقتها ـ أي الشيعية ـ بالإسلام هي نفسها علاقة مسيحية بولس ـ التي اخترعها ـ التي لا علاقة لها بالدين المسيحي الأصلي الذي جاء به المسيح عليه السلام، وهي المسيحية الحقة بلا شك.
والنية هنا ليست معقودة على كتابة مستقلة عن الشيعة وتاريخها، بل التعريف في حدود ما يستلزمه هذا البحث ـ تعريف من لا يعرف ـ بالشيعة على ضوء كتبها المعتمدة، والتعريف بحقيقتها الأصلية، فقد أخطأ البعض نتيجة لجهلهم بها، فأصبحوا أداة في يد الداعين إليها، ووسيلة في يد زعمائها، فعملوا على تمهيد الطريق لنشرها بين المسلمين.
وما نسوقه الآن عن بداية التشيع، هو ملخص مطالعة "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري، و "البداية والنهاية" لابن كثير الدمشقي، و "الفصل في الملل والنحل" لابن حزم الأندلسي، و "الملل والنحل" للشهرستاني، وغيرها من كتب المصادر التاريخية.
وكما نعرف بسط الإسلام نوره على جزيرة العرب ـ تقريباً ـ في العهد النبوي، ولم يعد للمسلمين أعداء فيها، لا المشركون ولا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ممن يستطيعون عرقلة الدعوة، وازدادت قوة المسلمين أكثر في عهد أبي بكر الصديق t، وهو عهد قصير، إذ بدأت سلسة الفتوحات خارج حدود الجزيرة العربية، وفي عهد الفاروقt مضت الفتوحات الإسلامية بسرعة، وبدأ نطاق الدعوة الإسلامية يتزايد، ووقعت في ذلك الوقت معظم المناطق التي كانت تحتلها أكبر امبراطوريتين في ذلك الوقت ـ الرومانية والفارسية ـ تحت حكم المسلمين، وانتقل الفاروق إلى الرفيق الأعلى واستمرت الفتوحات الإسلامية في عهد خلافة عثمان t.
وفي تلك الفترة ترك العديد من الناس من مختلف البلاد، ومن مختلف المناطق، ومن مختلف الأمم والطبقات ومذاهبهم وأديانهم القديمة، واعتنقوا الإسلام، وكانوا بصفة عامة من أولئك الناس الذين قبلوا الإسلام بقلوبهم بعد أن أدركوا أنه دين الحق ووسيلة النجاة، إلا أنه كان من بينهم أيضاً عدد كبير ممن قبل السيلام نفاقاً، وانضم للمسلمين وهو يحمل لهم بغضاً شديداً وعداوة وحقداً.
انضم هؤلاء للمسلمين، وهو يخططون لإثارة الفتنة إن وجدوا لذلك سبيلاً، حتى يصيبوا الإسلام والمسلمين بالضرر، وكان من بين هؤلاء الناس يهودي يدعى عبد الله بن سبإ، أحد يهود اليمن، أعلن إسلامه في عهد الخليفة عثمان t، وتقول بعض الروايات إنه حضر إلى عثمان t بالمدينة المنورة، وأسلم على يديه.
ومن الظاهر أنه كان يود أن يحصل على مكانة خاصة لدى عثمان، وأن ينال حسن ظنه واعتماده، إلا أن عثمان t لم يعطه مكانة خاصة أو امتيازاً خاصاً، والسلوك الذي صدر عن عبد الله بن سبإ بعد ذلك، أوضح أنه أسلم وترك اليهودية تحقيقاً لهدف خاص وخطة معينة تماماً مثلما فعل ساؤل، بولس، حين ترك اليهودية، ودخل في السيحية.
كان هدفه هو الانضمام للمسلمين، والحصول على مكانة خاصة بينهم، حتى يقوم بالتخريب والتحريف في الإسلام، وإيجاد الشقاق بين المسلمين، ليوجد بعدها الفتنة والفساد داخلهم... وخلال إقامته القصيرة في المدينة المنورة استطاع أن يدرك بذكائه الخاص أن منطقة الحجاز يسودها شعور ديني عام، وأن بها حراساً شداداً على دينهم، لا يمكن أن يسمحوا لمخططه أن ينجح، فخرج إلى البصرة ثم إلى الشام، وهناك أيضاً لم يجد فرصة للعمل طبقاً لخطته التي رسمها لنفسه، فوصل إلى مصر، وهناك قام بتدريب بعض الناس... اتخذهم عوناً له، ووسيلة للإفساد، ودرس جيداً أسلوب وطريقة نجاح بولس، وكيفية إفساده وتحريفه للمسيحية، وتلخص هذا الأمر في أن أسهل طريقة لتضليل أمة ما أو جماعة دينية هو اتخاذ أسلوب الغلو والإفراط في شخصية مقدسة ومحبوبة لديها.
ويروى المؤرخون أنه بدأ خطته بذكاء ودهاء، فقال: إنه يتعجب لأولئك المسلمين الذين يؤمنون بمجيء المسيح مرة أخرى إلى هذه الدنيا، ولا يقولون بمجيء سيدنا محمد إلى هذه الدنيا مع أنه أفضل من عيسى، ومن جميع الأنبياء، فلا بد أنه قادم إلى هذه الدنيا مرة أخرى... وأخذ يروج لهذا الكلام بين الجاهلين من غير المتعلمين ممن يسهل تقبلهم للخرافات.
وبعد أن أدرك أنهم قبلوا كلامه ـ وهو ما يصطدم تماماً بالإسلام والتعاليم القرآنية ـ بدأ في الغلو في شأن علي بعد أن أظهر تجاهه محبة خاصة تفوق العادة، على أساس قرابته الخاصة من رسول الله r، وأخذ ينسب إليه معجزات عجيبة غريبة، محاولاً أن يجعله شخصية تفوق في صفاتها البشر، فأوقع في شباكه طبقة البسطاء والجهلة، فصدقوا الخرافات التي يروجها عبد الله بن سبإ، الذي بدأ يسير قدماً في تنفيذ مخططه تدريجيا، فكون حلقة من المعتقدين بمثل هذه الأفكار في حق علي t، ثم أقنعهم، بل صب في أذهانهم في مرحلة معينة أن الخلافة من بعد النبي والإمامة والحكم كانت أصلاً من حق علي، فكل نبي وصي، والوصي يحل محل النبي، فيكون رئيس الأمة من بعده، وقد كان علي هو وصي رسول الله r، وقال عبد الله بن سبإ:
إن أمر الوصاية هذا ورد في التوراة أيضاً، لكن الناس تآمروا بعد وفاة الرسول، وغصبوا عليا هذا الحق، فعينوا أبا بكر خليفة بدلاً من علي، وقام أبو بكر فعين عمر، ثم تآمر عمر أيضاً وعين عثمان خليفة، وكانوا جميعاً بلا استثناء غير أهل لهذا المنصب، وهكذا أخطأ هؤلاء وأخطأ عمالهم أيضاً.
ومن الملاحظ أن تلك الفترة كانت شهدت بداية سلسلة من الشكاوي ضد بعض عمال عثمان في مصر وبعض البلاد الأخرى، وقد استفاد من ذلك الأمر وتلك الظروف عبد الله بن سبإ فائدة كبيرة، فبدأ يقول: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإصلاح الفساد الظاهر في الأمة واجب وفرض على كل مسلم، ولهذا يجب أن ننهض لنصلح هذا الفساد الذي أوجده عثمان وعماله في الأمة، ويجب أن نبذل ما في استطاعتنا وما في وسعنا للقضاء عليه.
كل هذا قام به عبد الله بن سبإ بذكاء خارق وسرية تامة وبفطرته اليهودية التي تتسم بالمكر والخداع، ومضت حركته في سرية تامة تحت باطن الأرض، وكون خلية سرية، وأوجد أتباعاً له في مصر وبعض البلاد الأخرى...
وحان الوقت الذي استعد فيه مع من معه ومع الجهلة البسطاء لرفع راية العصيان ضد عثمان r، فخطط لبرنامج يتم تنفيذه على مراحل سرية، ينتهي بالوصول مع أصحابه في يوم معين في شكل تجمهر وفي شكل عسكري إلى المدينة المنورة، وحدث هذا بالفعل، ووصل عبد الله بن سبإ مع أتباعه من الباغين العصاة المضللين في جيش كامل إلى المدينة المنورة.
ولا ضرورة لنذكر هنا ما حدث بعد ذلك فالجميع يعرفه، ولو سمح عثمان t الذي كان يحكم أكبر حكومة في العالم آنذاك باستخدام القوة ضد هؤلاء المتمردين لما حدث ما حدث، إلا أنه لم يشأ أن يستخدم القوة، أو أن يسكب قطرة دم واحدة ليحافظ على حياته، وفضل أن يستشهد ـ ظلماً ـ وينتقل إلى الرفيق الأعلى، فقدم مثالا على التضحية لا مثيل له في العالم([11])، t وأرضاه.
ووسط هذا الجو الدامي انتخب علي t خليفة رابعاً للمسلمين، وكان بلا شك خليفة على حق، فلم تكن في الأمة الإسلامية شخصية تماثل شخصيته، يمكن ترشيحها لهذا المنصب، إلا أنه نتيجة لشهادة عثمان، أو فلنقل تقدير الله، انقسمت الأمة المسلمة على نفسها إلى جماعتين.
ووصل الأمر إلى حد التقاتل والتناحر في وقعة "الجمل" و "صفين"، وكانت جماعة عبد الله بن سبإ تضم عدداً لا بأس به مع علي t، ووجد هذا الرجل فرصته في أن يملأ رؤوس وعقول هؤلاء الناس المقاتلين، وأكثرهم من البسطاء، بفكرة حب علي والاعتقاد فيه، والغلو في قدره غلواً كبيراً، لدرجة أنه بدأ يلقن بعض البسطاء ما كان يلقنه بولس للنصارى، فقال: إن علياً هو ظل الله في هذه الدنيا، وإن الروح الإلهية قد حلت فيه، وكأنه هو الله، وأخذ يلقي في آذان بعض الحمقى فكرة: أن الله تبارك وتعالى قد اختار عليا أصلاً للنبوة والرسالة، فقد كان هو أهلاً ومستحقا لها، فأرسل الله جبريل عليه السلام له بالوحي، إلا أنه شبه إليه، فاتجه بالوحي خطأ إلى محمد بن عبد الله، أستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله".
وأوضح المؤرخون أيضاً أن علي بن أبي طالب حين علم بطريقة ما بأن مثل هذا الكلام يدور بين جنده، قرر قتل هؤلاء الشياطين، وأراد أن يلقي بهم في النار، ليكونوا عبرة لغيرهم، إلا أن ابن عمه ورفيقه ومستشاره عبد الله بن عباس، وبعض رفاقه أشارا عليه بتأجيل هذا الأمر، لأن الوقت لا يتناسب مع تلك الإجراءات([12] )، وعلى كل حال استفاد عبد الله بن سبإ ومن معه من أحداث وقعة الجمل وصفين، ومن الجو ـ الذي ساد آنذاك ـ استفادة طيبة لنشر ضلال الغلو والمغالاة في حق علي بين الجنود، وبعدها، وحين اتخذ علي من الكوفة بمنطقة العراق عاصمة له، وأصبحت تلك المنطقة مركزاً خاصا لنشاطات تلك الجماعة.
ونتيجة لأسباب خاصة مختلفة أوضحها المؤرخون، كان لدى أهل المنطقة استعداد وصلاحية لقبول تلك الأفكار والنظريات المضللة، وقبول فكرة المغالاة والغلو، لهذا نجحت هذه الجماعة نجاحاً كبيراً في تحقيق أهدافها.
فرق الشيعة المختلفة
ما عرضنا هنا كان نبذة مختصرة عن ظهور الشيعة.
ولأن هذه الدعوة والحركة قد انتشرت سرا، وعن طريق نشاطات سرية، لم يكن المتأثرون بها جميعاً على نمط واحد من التفكير أو العقيدة، فالداعي إليها كان يسمح لنفسه أن يقول كل ما يراه مناسباً، فإذا قبله الآخرون كان هو العقيدة والإيمان، ومن هنا وجد بعض من قالوا بألوهية علي، أو من قالوا بحلول الروح الإلهية فيه، ومن قالوا بأحقية علي بن أبي طالب بالوحي والنبوة والرسالة، ومن قالوا إن جبريل الأمين أخطأ، ومن قالوا إن الله قد عين علي بن أبي طالب بعد النبي إماماً وأميراً ووصياً لرسول الله، وعليه فإن الخلفاء الثلاثة ـ أبو بكر وعمر وعثمان y ـ، وجميع الصحابة الكبار ممن بايعوا الخلفاء الثلاثة بعد وفاة الرسول كافرون منافقون ـ معاذ الله ـ أو على الأقل غدارون، هذا بالإضافة إلى جماعات أخرى لها عقائدها ونظرياتها المختلفة، والعامل المشترك فيها جميعها هو الغلو في حق علي.
وقد اختلفت درجات هذه الغلو كما عرفنا، ففي الفترة الأولى لم تتفرق جماعة الشيعة إلى فرق يختلف بعضها عن بعض بطريقة متميزة، إلا أنه فيما بعد، ونتيجة لأسباب مختلفة أوضحها المؤرخون، تكونت الفرق المختلفة، وتكاثرت، حتى وصل عددها إلى أكثر من سبعين فرقة. ويمكن أن ندرك ذلك من خلال مطالعة كتاب "الملل والنحل" الذي فصل الحديث عن هذه الأمر، وقد أوضح شاه عبد العزيز أيضاً في "التحفة الاثنى عشرية" تلك الفرق وعقائدها ونظرياتها، والاختلافات التي تميز بعضها عن بعض.
كما أن الاختلافات التي دارت حول تعيين الأئمة بعد علي t لا يمكن حصرها، والكثير من هذه الفرق ليس له وجود في دنيا اليوم، إنما تردد أسماؤها بين عدة فرق لا تزال موجودة في بعض البلاد في عصرنا هذا، ومن بين هذه الفرق احتلت الفرقة "الاثنا عشرية" مكانة خاصة وامتيازاً، نتيجة لعدد المنتمين إليها، بالإضافة إلى أسباب أخرى.
وسوف نعرض في الصفحات التالية لهذه الفرقة، لأن "روح الله الخميني" ينتمي إلى هذه الفرقة الاثنى عشرية. وتصوره للإسلام، ومذهبه وعقائده ونظرياته هي نفسها العقائد والنظريات التي وردت في كتب الفرقة الاثنى عشرية المعتمد،وهي نفسها التي تنسب إلى أئمته المعصومين، والتي يؤمن بتعاليمها وإرشاداتها[13].
والمزيد من معرفة تفاصيل المذهب الشيعي تتحقق عن طريق مطالعة كتب المذهب الشيعي الأساسية.
ونحن نعرض هنا لبعض العقائد الأساسية التي تقوم عليها أسس المذهب الشيعي، وسيفهم من يطالعها كيف يختلف تصورهم للإسلام، وكيف تختلف عقائدهم عن تصور وعقائد أهل السنة للإسلام.
ونحن على يقين من أن القارئ سوف يفهم نوعية هذا الاختلاف القائم بين المدارس الفكرية للمسلمين من مثل: الأحناف، والشافعية، والمالكية، والحنابلة، وأهل الحديث، وغيرهم، فالتشبيه هنا غير وارد، وهو خاطئ، بل خطأ من وجهة النظر الدينية، كما أنه تضليل للمسلمين، يتحمل الداعي إليه مسؤولية جسيمة أمام الله، يحاسب عليها يوم القيامة.
وفق الله المسلمين إلى فهم حقيقة الأمر، وإلى تدارك ما قد يقعون فيه من أخطاء.
المذهب الاثنا عشري وأساسه
مسألة الإمامة
كما سبق أن عرضنا، فإن معظم أهل العلم لا يدركون أيضاً حقيقة مسألة الإمامة في المذهب الاثنى عشري الشيعي، ولا يدركون مقام ودرجة الإمام لدى أصحاب هذا المذهب، فهي عندهم ركن ركين من أركان الإسلام، تماماً مثل عقيدة التوحيد: "ولا إله إلا الله"، وعقيدة الرسالة: "محمد رسول الله"، وعقيدة القيامة والآخرة، أي: مثل الإيمان بالله الواحد، وبمحمد رسول الله، وباليوم الآخر.
وسبق أن ذكرنا باختصار وإجمال مسألة الإمامة، ونود أن نعرض لها الآن بقدر بسيط من التفصيل، وذلك من خلال كتب المذهب الاثنى عشري المعتمد، ومن خلال أقوال أئمة الشيعة المعصومين.
ولكن نرى قبل أن نعرض لهذه الاقتباسات، وقبل أن نعرض لأقوال الأئمة المعصومين، أن نعرض أولاً لفكرة بسيطة من جانبنا، نشرح بها شيئاً عن حقيقة مسألة الإمامة في المذهب الشيعي، وما جاء على ألسنة أئمة المذهب الشيعي الاثنى عشري، حتى يسهل فهم تفاصيل هذه المسألة.
يعتقد أصحاب الفرقة الاثنى عشرية، بل يجب أن نقول: إنهم يؤمنون بأنه كما وضع الله تعالى سلسلة النبوة والرسالة كضرورة لازمة لعدله وحكمته ورحمته، وكما أرسل من عنده الأنبياء والرسول عليهم السلام لهداية عباده وقيادتهم إلى طريق الحق، وجعلهم معصومين واجبي الطاعة، ليكونوا حجة الله على عباده ليثابوا أو يعاقبوا، فهكذا بعد انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى وضع الله سلسلة الإمامة لهداية عباده وقيادتهم إلى الطريق الصحيح، حتى تكون حجة عليهم يوم القيامة.
ومن هنا تم تعيين اثنى عشر إماماً، يتولون الإمامة حتى يوم القيامة، حتى نهاية الدنيا، والقيامة تكون بالإمام الثاني عشر، والأئمة كالأنبياء عليهم السلام، حجة الله وهم معصومين واجبوا الطاعة، درجتهم تتساوى مع درجة رسول الله r، وهم أفضل وأحسن من بقية الأنبياء.
والتسليم بإمامة الأئمة والإيمان بها شرط لنجاة هؤلاء المؤمنين، تماماً مثلما يجب عليهم التسليم بنبوة ورسالة الأنبياء عليهم السلام لتتحقق لهم النجاة في الآخرة.
وكان أول الأئمة الاثنى عشر هو علي المرتضى، وكما ذكرنا باختصار، وطبقاً لروايات الشيعة، فقد أعلن رسول الله r تعيينه في منصب الإمامة قبل وفاته بثمانين يوماً، أثناء العودة من حجة الوداع، وذلك بحكم تأكيدي عند غدير خم، وهكذا عين من بعده ابنه الأكبر الحسن في منصب الإمام من قبل الله تعالى، ومن بعده أخوه الأصغر الحسين، ثم ابنه علي بن الحسين، الإمام زين العابدين، وبعده ابنه محمد بن علي الإمام الباقر، وبعده ابنه جعفر، الصادق، وبعده ابنه موسى بن جعفر، وبعده ابنه على بن موسى الرضا، ومن بعده محمد بن علي التقي، ومن بعده ابنه علي بن محمد، ومن بعده ابنه الحسن بن علي العسكري، ومن بعدهم الإمام الثاني عشر والإمام الأخير محمد بن الحسن، الإمام المهدي الغائب، وهو طبقاً للعقيدة الشيعية ولد قبل ألف ومائة وخمسين سنة، أي: في سنة (255هـ) أو (256هـ)، ثم اختفى وعمره أربع أو خمس سنوات، وهو الآن لا يزال حيا في غار في مكان ما، وبهذا الإمام تنتهي سلسلة الإمامة([14]).
وحيث إن وجود الإمام المعين من قبل الله تعالى في الدنيا ـ طبقاً للعقيدة الشيعية ـ أمر ضروري ليكون حجة على عباد الله، فسوف يظل الإمام حيا إلى يوم القيامة، وسوف يظهر في أي وقت قبل القيامة، ومعه القرآن الكريم الأصلي الذي ألفه علي t، وهو يختلف عن القرآن الحالي، وسوف يحمل معه أيضاً مصحف فاطمة، وجميع متاع الهداية البشرية والعلوم المختلفة، مثل: "الجفر" وغير ذلك، وهو ميراث الأئمة السابقين.
وطبقاً لعقيدة الشيعة الاثنى عشرية، وإرشادات الأئمة المعصومين، فإن الأئمة الاثنى عشر المعينين من قبل الله هم خلفاء رسول الله r، وهم مثل جميع الأنبياء والرسل، معصومين، وطاعتهم واجبة وفرض، تماماً مثلما فرض الله على كل أمة طاعة أنبيائها ورسلها.
وهؤلاء الأئمة هم حجة الله على عباده بعد رسول الله r، ومقامهم ودرجتهم عالية، إذ تقوم الدنيا بأنفاسهم، فإذا خلت الدنيا في وقت من الإمام تحطمت الأرض، وفنيت الكائنات كلها.
والأئمة كلهم كانوا أصحاب معجزات، وكانت تأتيهم الملائكة، كما كانت تأتي للأنبياء عليهم السلام، كما أنهم عرجوا أيضاً كما عرج النبي، ونزلت عليهم الكتب أيضاً من عند الله، وهم كلهم ينتمون إلى عالم "ما كان وما يكون"، وكانوا يجمعون علوم الأنبياء جمعياً، كما أن لديهم الكتب السماوية القديمة، "التوراة، والزبور، والإنجيل"، وغيرها في أشكالها الأصلية، يقرؤونها بلغتها الأصلية، وكان لديهم الكثير من العلوم التي لم تصلهم عن طريق القرآن أو الرسول، بل وصلتهم مباشرة من عند الله تعالى، أو بوسائل خاصة أخرى، ولهم حرية التصرف والاختيار في تحليل أو تحريم ما يرونه من أعمال، كما أنهم يعرفون أيضاً ميعاد موت كل شخص، ولهم سلطة اختيار الوقت نفسه.
هذا ملخص موجز لما جاء في كتب الشيعة الاثنى عشرية، وما جاء على لسان الأئمة المعصومين، وسوف نسوق في الصفحات التالية ألفاظ وإرشادات وروايات المعصومين، ليرى القارئ الكمالات العجيبة لهؤلاء الأئمة التي لا يمكن تعدادها هنا.
ونحن لا ننوي أن نبحث هنا عقائد وقضايا الشيعة وننقدها، بل نود أن نعرضها كما هي بلحمها ودمها أمام القارئ، وكما سبق أن ذكرت، فالمخاطب هنا هم أصحاب العلم والمثقفون من أهل السنة، الذين لا يعرفون الشيعة، والذين لا يشعرون أيضاً بأنهم يجهلون هذا المذهب، ولهذا فإنهم يرتكبون العديد من الأخطاء، ويضرون بالدين والعقيدة، ويلحقون بالأمة المسلمة أضراراً فادحة.
وسنعرض الآن لأقوال وإرشادات الأئمة المعصومين، التي تتعلق بقضية الإمامة، وذلك من خلال كتب المذهب الشيعي الاثنى عشري، بعد أن لخصنا ما جاء بها في السطور السابقة.
ومن الضروري أن نشير هنا إلى أن روايات الشيعة الاثنى عشرية، وأقوال أئمتها تحتل نفس المكانة التي تحتلها كتب الحديث، كـ "صحيحي البخاري ومسلم" وغيرهما لدى أهل السنة، فالبخاري ومسلم وأحمد وغيرهم تضم مجموعة الأحاديث النبوية التي تروي إرشادات رسول الله، وتحكي عن أفعاله وأعماله برواية السند الصحيح، وهكذا أيضاً ينظر الشيعة إلى كتبهم الخاصة بالأحاديث والروايات الشيعية وما تضمنته هذه الكتب من أحاديث رسول الله r يمثل نصيباً بسيطاً جدا، بل يمكن أن نقول: إنها شاذة ونادرة (ربما حوالي 5%)، والبقية تضم إرشادات وأعمال وأقوال الأئمة المعصومين مع سندها، كل ذلك من وجهة نظر شيعية خالصة، لأن هؤلاء الأئمة في نظرهم هم حجة الله على عباده حتى يوم القيامة، وهم ممثلوه والمتحدثون باسمه، وهم وسيلة هداية الأمة، وكما سبق أن ذكرت: فدرجتهم مساوية لدرجة رسول الله r، وأعلى وأرفع من الأنبياء والرسل الآخرين.
ومن أكثر كتب الحديث المعتمدة لدى الشيعة الاثنى عشرية كتاب "الجامع الكافي" لأبي جعفر يعقوب الكليني الرازي، (ت سنة 328هـ)، ومن ناحية الصحة والسند فهو مثل "صحيح البخاري" عند أهل السنة([15]).
والطبعة التي بين أيدينا الآن ترجع لسنة (1302هـ) منذ مائة سنة واثنتين، طبعت في مطبعة نولكشور بلكهنؤ، وكل ما ننقله هنا مأخوذ من هذه الطبعة، وهذا المصدر هو كثر مصادر الشيعة الاثنى عشرية اعتماداً ووثوقاً، وهو في أربعة مجلدات تضم خمساً وألفي صفحة، بها أكثر من (16.000رواية).
ونحن بدورنا سنقدم بعض هذه الروايات تحت عناوين مناسبة لمحتواها، حتى يسهل للقارئ فهم تلك الروايات التي أوضحت علانية وصراحة العقيدة الاثنى عشرية فيما يتعلق بمسألة الإمامة والأئمة.
أقوال الأئمة المعصومين في مسألة الإمامة
والتدليل عليها بروايات كتب الشيعة
1ـ الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام:
في كتاب "أصول الكافي" كتاب الحجة، باب بعنوان: "إن الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام"، يروي عن الإمام السادس جعفر الصادق أنه قال:
"إن الحجة لا تقوم لله عز وجل على خلقه إلا بإمام حتى يعرف"([16]).
وقد وردت عدة روايات بهذا المضمون بألفاظ متشابهة في هذا الباب:
"الدنيا لا يمكن أن تبقى بغير إمام".
وورد باب آخر متصل بالباب السابق بعنوان: "باب أن الأرض لا تخلو من حجة"، وفيه وردت عدة روايات بنفس المضمون وبسند كامل، نذكر منها روايتين:
"عن أبي حمزة لأبي عبد الله: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت"([17]).
ثانيتهما: "عن أبي جعفر قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله".
2ـ معرفة الأئمة والتسليم بهم شرط الإيمان:
في "أصول الكافي" باب بعنوان: "معرفة الإمام والرد عليه"، وردت فيه الرواية التالية:
"عن أحدهما أنه قال: لا يكون العبد مؤمناً حتى يعرف الله ورسوله والأئمة كلهم وإمام زمانه"([18]).
كما وردت الرواية التالية بسند كامل في نفس الباب:
"عن ذريح قال: سألت أبا عبد الله عن الأئمة بعد النبي r فقال: كان أمير المؤمنين t إماماً، ثم كان الحسن إماماً، ثم كان الحسين إماماً، ثم كان علي بن الحسين إماماً، ثم كان محمد بن علي إماماً، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسول الله"([19]).
3ـ حكم الإيمان والأئمة وتبليغها صدر عن طريق الأنبياء كلهم والكتب السماوية كلها:
يروى في "أصول الكافي" عن الإمام جعفر الصادق أنه قال:
"ولايتنا ولاية الله لم يبعث نبي قط إلا بها".
وفي نفس الصفحة يروي عن الإمام السابع أبي الحسن موسى بن جعفر الصادق أنه قال:
4ـ الأئمة هم المقصودون بالحكم الذي نزل في القرآن بالإيمان بالله ورسله والنور الذي أنزله الله:
وفي "أصول الكافي" في باب: "إن الأئمة نور الله عز وجل" وردت الرواية التالية في أدلة:
"عن أبي خالد الكابلي سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل: أمنوا بالله ورسله والنور الذي أنزلنا، فقال: يا أبا خالد! النور ـ والله ـ الأئمة"([21]).
وكلما جاء في آية من آيات القرآن ذكر للنور الذي أنزله الله، والذي يقصد به نور الهداية، أي: القرآن الكريم، وهو المقترن بالأمر الإلهي، أي: الإيمان بالله والرسول تقوم الروايات الشيعية ـ وهذا ما روى عن الإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم ـ بالقول بأن المقصود في الآيات من "نور من الله" ليس القرآن، بل الأئمة الاثنا عشر، أئمة الشيعة، والحكم جاء بالإيمان جنباً إلى جنب مع الإيمان بالله ورسوله.
5ـ طاعة الأئمة فرض:
جاء في "أصول الكافي"، كتاب الحجة، في باب بعنوان: "باب فرض طاعة الأئمة" هذه الرواية:
"عن أبي الصباح قال: أشهد أني سمعت أبا عبد الله يقول: أشهد أن عليا إمام، فرض الله طاعته، وأن الحسن إمام، فرض الله طاعته، وأن الحسين إمام، فرض الله طاعته، وأن علي بن الحسين إمام، فرض الله طاعته، وأن محمد بن علي إمام، فرض الله طاعته"([22]).
كما يروي أيضا عن الإمام جعفر الصادق في نفس الباب في "أصول الكافي" أنه قال:
"نحن الذين فرض الله طاعتنا، لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالا، حتى يرجع إلى الهدى الذي افترضه الله عليه من طاعته الواجبة"([23]).
وهناك رواية أخرى بهذا المضمون عن الإمام محمد الباقر والد الإمام جعفر الصادق، قال الباقر بعد أن أوضح إمامة الأئمة ووجوب طاعتهم: "هذا دين الله ودين ملائكته"([24]).
6ـ طاعة الأئمة واجبة كطاعة الرسل:
"عن أبي الحسن العطار قال: سمعت أبا عبد الله يقول: أشرك بين الأوصياء والرسل في الطاعة"([25]).
ويقول العلامة القزويني شارح "أصول الكافي" في شرحه لهذا الرواية: يمكن أن تكون صيغة "أشرك" صيغة أمر، كما يمكن أن تكون صيغة مجهولة للمفرد الغائب، والنتيجة في الحالتين واحدة...([26]).
7ـ للأئمة حرية الاختيار في التحليل والتحريم:
في "أصول الكافي" كتاب الحجة، في باب مولد النبي r، يروى عن محمد بن سنان أنه طلب من أبي جعفر الثاني، محمد بن علي التقي تفسير سبب وجود الاختلاف بين الشيعة في مسألة الحلال والحرام فقال:
"يا محمد! إن الله تبارك وتعالى لم يزل منفرداً بوحدانيته، ثم خلق محمداً، وعليا، وفاطمة، فمكثوا ألف دهر، ثم خلق جميع الأشياء، فأشهدهم خلقها، وأجرى طاعتهم عليها، وفرض أمورها إليهم، فهم يحلون ما يشاؤون، ويحرمون ما يشاؤون، ولن يشاؤوا إلا أن يشاء الله تبارك وتعالى"([27]).
ومن الجدير بالذكر هنا أن العلامة القزويني قد صرح في شرحه لهذا الحديث أن المقصود من محمد وعلي وفاطمة، هم الثلاثة الذين ورد ذكرهم، وجميع الأئمة الذين يولدون من نسلهم([28]).
وعلى كل حال، فإن ملخص رد الإمام أبي جعفر الثاني محمد بن علي التقي، وهو الإمام التاسع، هو أن للأئمة حرية الاختيار في تحليل ما يرونه حلالاً وتحريم ما يرونه حراماً، ونتيجة لحرية الاختيار هذه فإن إماماً من الأئمة يحلل شيئاً ما أو عملاً ما بينما الإمام الآخر يحرمه، ونتيجة لهذا ظهرت الاختلافات بين الشيعة فيما يتعلق بالتحليل والتحريم.
8ـ الأئمة معصومون كالأنبياء عليهم السلام:
وفي "أصول الكافي" في باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، وردت خطبة طويلة للإمام الثائر علي بن موسى الرضا رضي الله عنه، وقد صرح بعصمة الأئمة عدة مرات، وهو يوضح في خطبته هذه فضائل وخصائص الأئمة، جاء في موضع منها قوله:
"الإمام المطهر من الذنوب، والمبرأ من العيوب".
ثم يقول بعد ذلك عن صفة الإمام:
"فهو معصوم مؤيد، موفق مسدد، قد أمن من الخطإ والزلل والعثار، يخصه الله بذلك، ليكون حجته على عباده وشاهده على خلقه"([29]).
9ـ حديث عجيب وغريب للإمام جعفر الصادق عن حمل ومولد الأئمة المعصومين:
في "أصول الكافي" باب بعنوان: "مواليد الأئمة y"، وهو يحتوي على روايات عجيبة غريبة عن مولد الأئمة، وأغرب رواية تستحق أن تذكر هنا هي أول رواية، وهي طويلة، ولهذا سنكتفي بذكر ملخصها، ويمكن لمن يريد الوقوف على النص مراجعته في الأصل:
يقول أبو بصير الصديق الملازم للإمام جعفر الصادق وكاتم أسراره:
في اليوم الذي ولد فيه الإمام موسى الكاظم، الإمام السابع، نجل الإمام المذكور، قال الإمام الممدوح: تكون ولادة كل إمام ووصي هكذا، في الليلة التي يكتب فيها الله لحمله أن يستقر، ففي تلك الليلة يرسل الله ملكاً من عنده بكوب من شراب لذيذ نفيس، يحمله إلى الوالد، ويسقيه له، ويقول له: توجه الآن وجامع زوجتك، فقد استقر حمل الإمام الذي يولد في رحم الأم.
بهذه المناسبة يفصل الإمام جعفر الصادق الحديث فيقول:
لقد حث هذا مع جد جدي الإمام الحسين، وهكذا ولد جدي الإمام زين العابدين، ثم حدث معه نفس الشيء، فكان مولد والدي، وهكذا ولدت أنا أيضاً في تلك الليلة التي استقر فيها حمل وليدي الجديد، موسى الكاظم في رحم زوجتي...
في تلك الليلة حدث معي نفس الشيء فقد جاءني من عند الله ملك يحمل كوباً من الشراب اللذيذ النفيس، وطلب مني أن أجامع زوجتي، فجامعتها، فكان حملها لابني موسى هذا.
وفي هذه الرواية أيضاً أن الإمام والوصي حين يخرج من بطن أمه يأتي هكذا، تكون يده على الأرض، ورأسه مرفوعة إلى السماء([30]).
ونقدم الآن آخر رواية في هذا الباب.
10ـ الخصائص العشر التي تميز الأئمة عن بقية البشر:
الراوي هنا زرارة، يقول عن الإمام الباقر: "للإمام عشر علامات، يولد مطهراً مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحتيه، رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب، ولا يتمطى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض مأمورة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله صلى عليه وآله كانت وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً([31]).
11ـ حمل الأئمة لا يكون في رحم الأم، بل يكون في جنبها ويولد من فخذها:
في "أصول الكافي" ورد القول السابق كواحد من الخصائص التي تميز الأئمة عن غيرهم من البشر، لكن العلامة مجلسي في "حق اليقين" يروي عن الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري، فيقول:
"حملنا نحن ـ أوصياء الأنبياء، أي الأئمة ـ لا يكون في رحم البطن، بل يكون في الجانب، ونحن لا نأتي من خارج الرحم، بل نأتي من أفخاذ الأمهات، لأننا نحن الأئمة نور الله تعالى، لهذا فهو يضعنا بعيداً عن القذارة والنجاسة([32]).
ولعل ما يقصده العلامة مجلسي من بيانه لرواية الإمام الحسن العسكري في "أصول الكافي" هي الخصوصية الأولى من خصائص الأئمة، أي: يولد الإمام مطهراً.
12ـ درجة الإمامة أعلى من درجة النبوة:
ويقول العلامة باقر مجلسي، السابق الذكر في كتابه: "حياة القلوب": إن "الإمامة أعلى من رتبة النبوة"([33]).
13ـ المؤمنون (الشيعة) بإمامة الأئمة المعصومين لهم الجنة حتى لو كانوا فجرة فاسقين، والمسلمون الآخرون لهم النار حتى لو كانوا من البررة المتقين:
وردت في "أصول الكافي"، باب: "فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله"، الرواية التالية: عن الإمام الباقر أنه قال:
"إن الله لا يستحي أن يعذب أمة دانت بإمام ليس من الله وإن كانت في أعمالها برة تقية، وإن الله ليستحي أن يعذب أمة دانت بإمام من الله وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة"([34]).
وفي نفس الباب رواية عن أحد مريدي الشيعة المخلصين للإمام جعفر الصادق، ويدعي عبد الله بن أبي يعفور، قدم إلى الإمام المذكور وقال:
"إني أخالط الناس، فيكثر عجبي من أقوام لا يتولونكم ويتولون فلاناً وفلاناً، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء والصدق".
وتذكر الرواية أن عبد الله بن أبي يعفور قال:
ما إن سمع الإمام كلامي حتى جلس غاضباً وقال لي:
"لا دين لمن دان الله بولاية إمام جائر ليس من الله، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من الله"([35]).
14ـ درجة الأئمة تتساوى مع درجة رسول الله r، وهم أفضل وأعلى من جميع المخلوقات والأنبياء الآخرين عليهم السلام:
في "أصول الكافي" كتاب الحجة، ورد حديث طويل للإمام جعفر الصادق عن فضل ودرجة ومرتبة الإمام علي المرتضى ومن بعده من الأئمة، جاء في بدايته ما يلي:
"ما جاء علي آخذ به، وما نهى عنه أنتهي عنه، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد، ولمحمد الفضل على جميع خلق الله عز وجل، المتعقب عليه في شيء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى رسوله، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله، كان أمير المؤمنين باب الله الذي لا يؤتي إلا منه، وسبيله الذي من سلك غيره يهلك، وكذلك جرى لأئمة الهدى واحداً بعد واحد".
ومما يروونه عن أمير المؤمنين:
"الملائكة وجميع الأنبياء سلموا لي كما سلموا لمحمد، وأنا من أرسل الناس إلى الجنة وإلى النار".
ورد في الرواية السابقة ما يلي:
وكان أمير المؤمنين كثيراً ما يقول: "أنا قسيم الله بين الجنة والنار، وأنا صاحب العصا والميسم، ولقد أقرت لي جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا لمحمد"([36]).
15ـ الأئمة يعلمون الغيب، وفاقوا في تلك موسى عليه السلام:
في باب بعنوان: "إن الأئمة y يعلمون ما كان وما يكون وإنه لا يخفى عليهم شيء y"، جاءت الرواية الأولى تقول:
إن الإمام جعفراً الصادق قال في مجلس يضم خواصه:
"لو كنت بين موسى والخضر لأخبرتهما أني أعلم منهما، ولأنبأتهما ما ليس في أيديهما، لأن موسى والخضر عليهما السلام أعطيا علم ما كان، ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتى تقوم الساعة، وقد ورثناه من رسول الله r وراثة"([37]).
16ـ سيشهد الأئمة على أهل زمانهم يوم القيامة:
في باب: "إن الأئمة شهداء لله عز وجل على خلقه" رواية عن الإمام جعفر الصادق حين سئل عن الآية التالية: {فكيف إذا جئنا من كل أمةٍ بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً}.
قال الإمام جعفر الصادق:
"نزلت في أمة محمد خاصة، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم، ومحمد شاهد علينا"([38] ).
والرواية الأخيرة في هذا الباب تقول: قال أمير المؤمنين: "إن الله تبارك وتعالى طهرنا، وعصمنا، وجعلنا شهداء على خلقه، وحجة في أرضه"([39]).
17ـ جميع الكتب التي نزلت على الأنبياء السابقين كالتوراة والإنجيل والزبور وغيرها موجودة لدى الأئمة، يقرؤونها بلغاتها الأساسية:
وفي "أصول الكافي" باب بعنوان: "إن الأئمة عندهم جميع الكتب التي نزلت من عند الله عز وجل، وإنهم يعرفونها على اختلاف ألسنتها"، وهو يحتوي على عدة روايات بهذا المضمون، وتذكر أحداثاً وردت أيضاً بنفس المضمون في الأبواب السابقة، وتذكر إحدى الروايات أن الإمام جعفراً الصادق قال:
"وإن عندنا علم التوراة والإنجيل والزبور، وتبيان ما في الألواح"([40]).
وفي الباب الثاني في "أصول الكافي" يروى عن الإمام جعفر أنه سئل عن قوله: "إن لدينا الجفر الأبيض"، فقال:
"زبور داود عليه السلام، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم"([41]).
18ـ يمتلك الأئمة وسائل عجيبة وغريبة للعلوم، بالإضافة إلى القرآن والحديث:
في باب بعنوان: "باب فيه ذكر الصحيفة، والجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة رضي الله عنها"، وردت الرواية الأولى، وهي طويلة جدا، ونورد ملخصها:
"يقول أبو بصير ـ وهو طبقاً لروايات الشيعة من خواص ومن حاملي أسرار الإمام جعفر الصادق ـ: حضرت إلى جعفر الصادق ذات يوم، وقلت له: إنني أود أن أكشف أمراً خاصاً، فهل هناك من أجنبي هنا؟ فرفع الإمام الحجاب الفاصل بين مجلسنا والمجلس الآخر فلم نشاهد أحداً، ثم قال: سل ما شئت([42])، فسألت سؤالاً عن علم المرتضى والأئمة، ففصل الإمام الحديث عن هذا الأمر".
ومما جاء في نهاية الرواية:
"وإن عندنا الجفر، قلت: وما يدريهم ما الجفر؟ قال: وعاء من أدم فيه علم النبيين والوصيين وعلم العلماء الذين مضوا من بني إسرائيل، ثم قال: وإن عندنا لمصحف فاطمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: وما يدريهم ما مصحف فاطمة؟ قال: فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد"([43]).
تحذير هام:
من الملاحظ هنا أن الإجابة التي نقلها راوي الوراية أبو بصير عن الإمام جعفر الصادق ذكرت القرآن مرتين هكذا: "قرآنكم"، كما قيل عن مصحف فاطمة: "إنه أكثر من قرآنكم ثلاث مرات، ولا يوجد فيه حرف من قرآنكم".
وهناك الآلاف من هذه الافتراءات التي افترى فيها أبو بصير وغيره على الأئمة أهل البيت، وهي متناثرة في "أصول الكافي"، وغيره من كتب الشيعة، ولا يمكن لأي مؤمن أن يساوره أي شك في إيمان آل البيت حتى يضعوا قرآناً غير القرآن الكريم الذي أنزله الله على رسوله.
لقد سمعنا من البوذيين والنصارى وهم يناظروننا ويقولون في "قرآنكم" هكذا أو هكذا، وجاء في "قرآنكم" هذا وذلك، ونحن على يقين أن الإمام حعفراً الصادق لم يذكر أبداً هذا الأمر عن القرآن الكريم، وتلك الروايات هي في الأصل من اختلاق هؤلاء الرواة، الذين ألفوا المذهب الشيعي، ونسبوا كل هذه الخرافات إلى الإمام جعفر الصادق والإمام الباقر وكبار أهل البيت رضي الله عنهم، وراوي الرواية السابقة أبو بصير هو واحد من أولئك الناس الذين لعبوا دوراً كبيراً في هذا الافتراء الكاذب على آل البيت.
ومن الجدير بالذكر هنا أن أبا بصير، وزرارة، وغيرهم من رواة هذه الخرافات ـ وهم في الأصل مؤلفو المذهب ـ قد سكنوا منطقة الكوفة، بينما كان الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق في المدينة، وكان هؤلاء الناس يذهبون أحياناً من الكوفة إلى المدينة، ثم يعودون إلى الكوفة، لينسبوا ما نسبوه إلى الأئمة داخل مجالسهم الخاصة في الكوفة، وهكذا صارت تلك الروايات هي أساس الذهب الشيعي.
ما هو مصحف فاطمة؟
ورد ذكر مصحف فاطمة في الروايات السابقة، وقد ورد حديث مفصل للإمام جعفر في الرواية الثانية لهذا الباب في "أصول الكافي"، وطبقاً لرواية أبي بصير، قال الإمام جعفر الصادق ردا على سؤال عن مصحف فاطمة:
"إن الله لما قبض نبيه عليه الصلاة والسلام، دخل فاطمة من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عز وجل، فأرسل إليها ملكاً يسلي غمها، ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ فقال لها: إذا أحسست بذلك، وسمعت الصوت، قولي لي فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين t يكتب كل ما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفاً"([44]).
وقد عرف القارئ من الرواية الأولى أن مصحف فاطمة يعادل القرآن الكريم ثلاث مرات.
19ـ أعمال العباد تعرض على الأئمة:
في "أصول الكافي" باب بعنوان: "باب عرض الأعمال على النبي والأئمة"، وفيه رواية تقول: إن عبد الله أبان الزيات، وهو من خاصة الشيعة، طلب من الإمام الرضا t الدعاء له قائلاً: "ادع الله لي ولأهل بيتي، فقال: أولست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة".
وتقول الرواية إن عبد الله بن أبان استعظم هذا الأمر، فقال الإمام الرضا: ألم تقرأ هذه الآية القرآنية: {فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون}؟ فالمقصود بـ: {المؤمنون} في هذه الآية هو علي بن أبي طالب"([45]).
وكتب العلامة القزويني في هذا الشرح: "إن ما قاله الإمام الرضا من تفسير كلمة: {المؤمنون} هو علي t فقط، ذلك لأن سلسلة الإمامة مستمرة، وإن كان المقصود ليس عليا فقط، بل المراد جميع الأئمة الذين يولدون من نسله"([46]).
20ـ الملائكة يتوافدون على الأئمة:
في "أصول الكافي" باب بعنوان: "إن الأئمة معدن العلم، وشجرة النبوة ومختلف الملائكة". وقد وردت فيه رواية عن الإمام جعفر الصادق، أنه قال:
"ونحن شجرة النبوة، بيت الرحمة، ومفتاح الحكمة، ومعدن العلم، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة"([47]).
21ـ معراج الأئمة كل ليلة جمعة، يصلون إلى العرش، وهناك ينالون العلم الجديد:
يروى عن الإمام جعفر الصادق في "أصول الكافي" أنه قال:
"إن لنا في ليالي الجمعة لشأن من الشأن... ويؤذن لأرواح الأوصياء الموتى، وروح الوصي ـ الذي بين أظهركم ـ تعرج بها إلى السماء، حتى توافي عرش ربها، فتطوف به أسبوعاً فتصلي عند كل قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثم ترد إلى الأبدان التي كانت فيها، فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا شروراً، ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل الجم الغفير"([48]).
وقد وردت عدة روايات بعد هذه الرواية بنفس المضمون.
22ـ نال الأئمة جميع العلوم التي وهبها الله للملائكة والأنبياء والرسل، ونالوا علوماً لم يهبها الله للأنبياء ولا الملائكة:
في باب: "إن الأئمة y يعلمون جميع العلوم التي خرجت إلى الملائكة والأنبياء والرسل عليهم السلام"، ورد هذا الحديث في أوله:
"عن أبي عبد الله t قال: إن الله تبارك وتعالى علمني علماً أظهر عليه ملائكته وأنبياءه ورسله، فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلماً أستأثر الله به، فإذا بدأ الله بشيء منه أعلمنا ذلك، وعرض على الأئمة الذين كانوا من قبلنا"([49]).
23ـ يتنزل على الأئمة من عند الله كتاب في ليلة القدر كل سنة تنزل به الملائكة والروح:
ورد في باب "البداء" في "أصول الكافي" رواية عن الإمام جعفر الصادق أنه قال في تفسيره لآية: {يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} {الرعد:39).
"وهل يمحو إلا ما كان ثابتاً، وهل يثبت إلا ما لم يكن"([50]).
ويقول شارح "أصول الكافي" العلامة القزويني:
"المقصود بنزول كتاب منفصل في كل سنة هو الكتاب الذي تفسر فيه أحكام الحوادث التي يحتاج إليها إمام ذلك الزمان حتى العام التالي، وهذا الكتاب تتنزل به الملائكة والروح على إمام الزمان لي ليلة القدر"([51]).
ويتضح أن المقصود بـ "الروح" لدى الشيعة ليس الروح الأمين جبريل، بل "الروح" لديهم عبارة عن مخلوق، هو عندهم أعظم شأناً من جبريل الأمين وجميع الملائكة.
وقد ذكر القزويني في كتابه "الصافي" ذلك الأمر بصراحة، وهناك باب آخر من "أصول الكافي" بعنوان: "باب في شأن: {إنا أنزلناه في ليلة القدر}":
"ولقد قضى أن يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها تفسير الأمور إلى مثلها من السنة المقبلة"([52]).
والمفهوم من هذه الرواية هو نفسه ما يفهم من العبارات السابقة لكتاب القزويني "الصافي"، أي: ينزل كتاب من عند الله على الإمام في ليلة القدر كل سنة، يوضح جميع الأحداث والمعاملات التي ستحدث طوال السنة، وحتى ليلة القدر القادمة.
24ـ الأئمة يعرفون ساعة موتهم، وموتهم داخل في دائرة اختيارهم:
في "أصول الكافي" باب بعنوان: إن الأئمة ـ y يعلمون متى يموتون وإنهم لا يموتون إلا باختيار منهم([53]).
وهذا المعنى يفهم من الروايات التي ترد عن الأئمة في الباب المذكور، والرواية الأخيرة في هذا الباب لها مكانتها لدى الشيعة، ومن هنا ننقلها هنا:
"عن أبي جعفر t قال: أنزل الله عز وجل النصر على الحسين t حتى كان بين السماء والأرض، ثم خير بين النصر ولقاء الله، فاختار لقاء الله عز وجل"([54]).
ولنا أن نفكر في السلوك الذي يسلكه الشيعة في مآتمهم التي يقيمونها بمناسبة ذكرى شهادة الحسين في ضوء تلك الرواية.
25ـ كان لدى الأئمة معجزات الأنبياء السابقين أيضاً:
في باب بعنوان: "باب مع عند الأئمة من آيات الأنبياء" وردت الرواية الأولى التي ننقل ملخصها، وهي عن الإمام الباقر، وتتعلق بعصا موسى عليه السلام، وهي معجزة موسى الخاصة التي ذكرها القرآن الكريم أكثر من مرة.
يُحكى عن الإمام الباقر أنه قال: "إن هذه العصا هي في الأصل عصا آدم عليه السلام، أخذت تنتقل حتى وصلت إلى موسى عليه السلام، وهي الآن لدينا، وسوف تنتقل إلى آخر الأئمة، المهدي ليقوم عن طريقها بما قام به موسى عليه السلام في زمانه"([55]).
ويروى فيما بعد عن الإمام الباقر أن أمير المؤمنين، عليا المرتضى، خرج ذات ليلة بعد العشاء يقول:
"خرج عليكم الإمام، عليه قميص آدم، وفي يده خاتم سليمان، وعصا موسى"([56]).
26ـ الأئمة يمتلكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاؤون ويعطون لمن يشاؤون:
في "أصول الكافي" كتاب الحجة، باب بعنوان: "باب إن الأرض كلها للإمام t"، يروى عن أبي بصير أن الإمام جعفراً الصادق قال ردا على سؤال:
" أما علمت أن الدنيا والآخرة للإمام يضعها حيث يشاء ويدفعها إلى من يشاء"([57]).
27ـ الإمامة مركبة من النبوة والألوهية:
ما نقلناه من كتب الشيعة و لأهل التشيع عن الأئمة والإمامة يكفي لنعرف ولنفهم أن الأئمة ـ من وجهة نظر المذهب الشيعي ـ لهم ما للأنبياء من صفات، وخصائص، وكمالات ومعجزات، ودرجتهم أعلى من درجة جميع الأنبياء السابقين، حتى الأنبياء أولو العزم، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام يتساوون تماماً مع خاتم الأنبياء سيدنا محمد r.
وأكثر من هذا، فهم يحملون الصفات الإلهية، وهم يطلعون على عالم الغيب والشهادة، لا يخفى عليهم شيء، لا يمكن أن نتصور أن يصدر عنهم أي سهو أو نسيان أو غفلة، يحكمون الكائنات ذرة ذرة، أي لهم سلطة: "كن فيكون"، وهم يملكون الدنيا والآخرة، يهبون من يشاؤون ويحرمون من بشاؤون... والبحث في عقائد الشيعة يجعلنا ندرك مدى التقارب والتشابه بينهما وبين المسيحية الحالية المحرفة .
[1] ـ هناك حديث مشهور للشيعة في نهج البلاغة يروى عن علي، تتشابه ألفاظه مع ألفاظ الحديث المذكور. "نهج البلاغة"، ( 1/261)، طبعة مصر.
[2] ـ انظر "مشكاة المصابيح" (ص565)، و "كنز العمال" (11/623).
[3] ـ المائدة: 72.
[4] ـ آل عمران: 50ـ51.
[5] ـ مريم: 30.
[6] ـ مريم: 39.
[7] المائدة: 116.
[8] ـ المائدة: 117.
[9] ـ يمكن لمن يرغب في مطالعة تفاصيل تلك الحقائق التاريخية أن يقرأ ما كتب عن هذا الموضوع في كتاب "إظهار الحق" لرحمة الله هندي كيرانوي، المهاجر إلى مكة، وقد كتب الكتاب أولاً بالعربية منذ مئة وخمسة وعشرين عاماً، ثم نشرت ترجماته بلغات عديدة، ونشرت ترجمه الأردية الرائعة للشيخ محمد تقي عثمان نجل الشيخ مفتي محمد شفيع، وقد نشر مع مقدمة في ثلاثة مجلدات في كراتشي، وتعد المقدمة بذاتها مؤلفاً عظيماً، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
[10] ـ ومن المعروف أن العالم المسيحي قد صدق كلام اليهود أعداء المسيح، وأنه قد أعدم صلباً، وهذا قائم على أساس عقيدة الكفارة، وقد تم إيضاح هذا في الأناجيل ـ التي ثبت تحريفها بالدلائل القاطعة ـ إلا أن القرآن يؤكد فشل خطة اليهود لصلب المسيح، فقد رفعه الله إلى السماء، وقد شبه لهم، {وما صلبوه وما قتلوه ولكن شبه لهم}، وطبقا لبعض الروايات أن من صلب كان رجلا منافقاً غداراً يقوم بالتجسس، وجاء مسيحي صالح من حواريي عيسى يدعى بريناس (برنابه)، يتطابق ما جاء في إنجيله بما جاء في القرآن الكريم، إلا المسيحي قد تأثر بمحاولات بولس الشيطانية، واتخذ من "التثليث والكفارة" عقيدة له، وقام النصارى بسحب الثقة من إنجيل برنابه.
[11] ـ ونتساءل هنا: لماذا لم يستخدم عثمان ـ t ـ القوة مع عبد الله بن سبإ وجماعته؟
كان عبد الله وجماعته مسؤولين عن تلك الفتنة التي استشهد على أثرها عثمان ـ t ـ فقد كانت خطته التي ذكرناها قبلاً قائمة على التخريب وإيجاد الفرقة بين المسلمين للإضرار بالإسلام ذاته، وكسر شوكته، وإضعاف قوته، وكان كل ما قام به في حياته موجهاً لهذا الهدف، ومن هنا وجب على الحكومة الإسلامية، ووجب على عثمان ـ t ـ أن يستخدم القوة ضد هؤلاء المفسدين، لقمع جذور الفتنة، فلم تكن القضية قضية ذاتية، فلماذا لم يستخدم عثمان القوة ضد المتمردين؟!
هناك حقيقة نذكرها، وهي أن حركة هؤلاء الناس كانت سرية، وكان كل شيء يتم في الخفاء، ومن هنا لم تظهر هذه الحقائق على السطح، بل ظهرت نتيجة للأحداث التالية، وعرفت فيما بعد من بين طيات التاريخ، وعندئذ اتضح أن هؤلاء الناس كانوا يعملون ضد بقاء عثمان على رأس الحكومة الإسلامية، ومن هنا آثر عثمان التضحية بروحه وبسلطته حقناً للدماء، ورأى أن ذلك هو الصواب، وأنه خير للإسلام، وكان أمر الله قدراً مقدوراً.
[12] ـ يفهم من بعض الروايات أن المعتقدين بألوهية علي ومن يدعو بها من هؤلاء الشياطين قد صدر الأمر بقتلهم وألقوا في النار، وقد ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السنة" (ا/7).
وجاء في الكتاب المعتمد بأسماء رجال الشيعة، "رجال الكشي" نقلاُ عن روايات متعددة للأمام جعفر الصادق أن عبد الله بن سبإ كان يؤمن بألوهية علي المرتضى ويدعو إليها، وفي النهاية ألقاه علي في النار فقضى عليه. "رجال الكشي" (ص70) طبعة بمباي، 1317هـ.
[13] ـ يفهم مما عرضناه عن ظهور الشيعة في الإسلام والفرق المختلفة للشيعة أن عبد الله بن سبإ وضع فقط أساس التشيع، ووضع بذوره، وبعدها ظهرت فرق الشيعة من تأليف أولئك الناس الذين رباهم عبد الله بن سبإ مباشرة أو بطريقة غير مباشرة، والفرقة الاثنا عشرية أيضاً كانت من تأليف بعض الناس.
وأنا أعرف أن علماء الشيعة قد أعلنوا البراءة من عبد الله بن سبإ، بل قال بعض منهم في عصر قريب بالقول بأن شخصيته كانت شخصية افتراضية، وأنكروا وجوده، إلا أن هذا الادعاء لا أساس له، وذكر كتاب أسماء رجال الشيعة "رجال الكشي" عبد الله بن سبإ، وروى بأكثر من سند عن جعفر الصادق أنه قال بألوهية علي، وقد ألقاه علي t في النار.
وفي نفس الكتاب جاء عن عبد الله بن سبإ ما يلي: "ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبإ كان يهوديا، فأسلم، ووالى عليا رضي الله عنه، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله r في علي t مثل ذلك، وكان أول من اشتهر بالقول بفرض إمامة علي، وأطهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه. "رجال الكشي" (ص71)، طبعة بمباي، سنة 1317هـ.
[14] ـ ومن الملاحظ أن التاريخ يشهد، والبحث يؤكد، أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له ابن، وهذا ما صرح به شقيقه جعفر بن علي.
[15] ـ ونذكر هذا الأمر هنا، لأن مؤلف كتاب "الجامع الكافي" أو جامع أبي جعفر يعقوب الكليني الرازي، وجد في زمان أطلق عليه بالمصطلح الاثنى عشري زمان الغيبة الصغرى، أي في الوقت الذي كان السفراء يحملون الأسرار الخاصة، ويتوافدون على الإمام الغائب، الإمام المهدي.
ومعروف لدى علماء الشيعة كما جاء في بعض كتبهم أن أبا جعفر يعقوب الكليني بعد أن ألف كتابه هذا، وصل إلى الإمام الغائب من خلال سفير خاص، وقد شاهد الكتاب، وصدق عليه ووثقه، وقال: "هذا كاف لشيعتنا"
وطبقاً لهذه الرواية المشهورة، أو الحكاية، فهذا الكتاب "مصدقه" الإمام المعصوم، بينما نحن ـ أهل السنة ـ نرى أن "صحيح البخاري" ليس لأي شخصية مصدقة معصومة.
ومن الواضح أن ما كتب عن الإمام الغائب والغيبة الصغرى وورود السفراء سرا هو عقيدة أهل المذهب الاثنى عشري.
ويبقى سؤال: ما هي حقيقة هذا الأمر؟ والإجابة سنعرضها على القارئ في حينها، حين نفصل الحديث عن الإمام الغائب وغيبته.
[16] ـ "أصول الكافي" (ص103).
[17] ـ "أصول الكافي" (ص104).
[18] ـ "أصول الكافي" ( ص 105).
[19] ـ "أصول الكافي" (ص106).
[20] ـ "أصول الكافي" (276).
[21] ـ "أصول الكافي" (ص117).
[22] ـ "أصول الكافي" (ص 109).
[23] ـ "أصول الكافي" (ص110).
[24] ـ "أصول الكافي" (ص 111).
[25] ـ "أصول الكافي" (ص109).
[26] ـ "الصافي في شرح الكافي" (3/1/58).
[27] ـ "أصول الكافي" (ص 278).
[28] ـ "الصافي في شرح أصول الكافي" (3/2/149).
[29] ـ "أصول الكافي" (ص121ـ 122).
[30] ـ "ملخص ما ورد في أصول الكافي" (ص244).
[31] ـ "أصول الكافي" (ص 146).
[32] ـ "حق اليقين" بالفارسية، (ص 126)، طبعة إيران.
[33] ـ "حياة القلوب" (3/10).
[34] ـ "أصول الكافي" (ص238).
[35] ـ "أصول الكافي" (ص238).
[36] ـ "أصول الكافي" (ص117).
[37] ـ "أصول الكافي" (ص160).
[38] ـ "أصول الكافي" (ص 112).
[39] ـ "أصول الكافي" (ص 113).
[40] ـ انظر "أصول الكافي" (ص 137).
[41] ـ "أصول الكافي" (ص 147).
[42] ـ يفهم من القسم الأول لهذه الرواية الحقيقة الكاملة للمذهب الشيعي، فأئمة المذهب الشيعي من مثل الإمام الباقر والإمام جعفر الصادق، وغيرهم من الأئمة الذين يقل عنهم أبو بصير وزرارة وغيرهم من خاصة الشيعة تعاليم وإرشادات المذهب الشيعي كانوا يستمعون لأقوال الرواة الذين كانوا يطلبون دائماً الانفراد بأسرار المذهب الشيعي التي تخبرهم بها الأئمة، فلا يوجد أحد مع الإمام وكاتم أسراره، وهكذا يخرج هؤلاء إلى الناس، يقولون لهم ما يشاؤون، وينسبون للأئمة ما يريدون، وهكذا فعلوا.
هذه هي الحقيقة الأساسية للمذهب الشيعي، ولا يمكن مقارنة هؤلاء بجمهور أمتنا المحمدية، وعباد الله الصالحين، الذين اتصفوا بالتقوى والورع، وكان ظاهرهم كباطنهم، وقدموا تعاليم الدين علانية، لا تشوب حياتهم شائبة من نفاق الحياة الذي أسماه الشيعة التقية.
[43] ـ "أصول الكافي" (ص 146).
[44] ـ "أصول الكافي" (ص147).
[45] ـ "أصول الكافي" (ص134).
[46] ـ "الصافي" (3/1/140).
[47] ـ "أصول الكافي" (ص135).
[48] ـ "أصول الكافي" (ص 155).
[49] ـ "أصول الكافي" (ص 156).
[50] ـ "أصول الكافي" (ص85).
[51] ـ "الصافي" (2/229).
[52] ـ "أصول الكافي" (ص 153).
[53]ـ "أصول الكافي" (ص 158).
[54] ـ "أصول الكافي" (ص 159).
[55] ـ "أصول الكافي" (ص 140).
[56] ـ "أصول الكافي" (ص 142).
[57] ـ "أصول الكافي" (ص 258).
الثورة الإيرانية في ميزان الإسلام
الشيخ محمد منظور نعماني

