دراسات
"مؤتمر الأزهر" والتقريب بين المذاهب
"مؤتمر الأزهر" والتقريب بين المذاهب
محمد العواودة[1]
في الحادي عشر من آذار/ مارس، عقد مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف مؤتمره الثالث عشر للتقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن أهم محاوره مناقشة التعصب الديني، والافتراق العقدي، ودور النزاعات الطائفية في إضعاف الأمة الإسلامية، والبحث عن السبل الكفيلة لجمع كلمة الأمة وإقامة وحدتها.
بالنظر إلى توصيات مؤتمر الأزهر السابق في عام 2002، وما توقع منه من إنجازات وحلول للإشكاليات المطروحة سالفة الذكر، التي لم يتحقق منها الكثير على أرض الواقع، نذهب للاعتقاد أن المؤتمر الحادي عشر اتخذ هو الآخر صورة نمطية وتكرارية لدعوات سابقة، يغلب عليها طابع المجاملات والبعد عن "المدرسة الواقعية" للبحث الجاد.
فالواقع الصريح يؤكد أن الخلاف العقدي بين المذاهب الإسلامية، وعلى وجه الخصوص بين "السنة والشيعة" لن تجمعه مقاربة تقليدية، وان ضعف الأمة وتعزيز وحدتها العقدية ولم شملها على أصول واحدة، يحتاج إلى وسائل غير اعتيادية، وان التعصب المذهبي والتوتر العقدي والسياسي ما زال يتسيد المشهد المذهبي الإسلامي، الذي لم تزحزحة المؤتمرات السابقة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، التي طبقت توصياتها على أرض الواقع بعكس مدلولاتها وتمنياتها.
بعد مؤتمر الأزهر لتقريب المذاهب الإسلامية عام 2002، استثمرت إيران المعني الأول بالعقيدة الشيعية وتصدير أفكار الثورة الخمينية، وهي الدولة ذات الحضور الدائم في مؤتمرات التقريب بين المذاهب الإسلامية، دعوات التسامح السني في المؤتمرات السابقة؛ لبسط وتعزيز العقيدة الشيعة في بعض المجتمعات الإسلامية السنية، والخليجية منها بخاصة، وهي المسالة التي أثارت حفيظة الشيخ يوسف القرضاوي "رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" وانتقدها في حوار مع صحيفة "المصري"، حيث قوبل بردود عاصفة من وكالة الأنباء الإيرانية "مهر" وبعض المراجع الشيعية من أبرزهم: محمد حسين فضل الله ومحمد علي تسخيري، وهي الردود التي كشفت عن وجه إيران الحقيقي تجاه أهل السنة وعلمائها .
ناهيك عن ذلك، وعن الدور الإيراني المعروف في لبنان والعراق، أطلقت إيران بعد توصيات مؤتمر عام 2002 ألسِنة أفاكيها من أمثال علي أكبر ناطق نوري ومن قبله حسين شريعة مداري، بالادعاء أن البحرين هي جزء من إيران التاريخية فيما أسموه بـ "المحافظة الرابعة عشرة لإيران"، غير الزيارات الاستفزازية المتكررة لشخصيات دينية وسياسية إيرانية إلى الكويت، حيث كانت تبادر السلطات الكويتية إلى طردها، بعد أن ثبت تورطها في نشر التشيع والتورط في أعمال عدوانية على أراضيها ، وعلى هذه الخطى، سارت دولة المغرب قبل أيام ، بإعلان قطع علاقاتها مع إيران ، بعد أن ثبت أن إيران تقوم بأعمال مماثلة فيها.
وبعكس توصيات مؤتمر 2002 ، الذي دعا إلى مناصرة الشعب الفلسطيني ودعم صموده بكل الوسائل لمواجهة الممارسات القمعية الاسرائلية، من بين ذلك تخصيص زكاة أموال المسلمين لهذه الغاية، عمدت إيران إلى دعم بعض فصائل المقاومة الإسلامية بأموال لغايات الاستقطاب السياسي، بغير المقصود الجمعي للزكاة، ما ساهم في تعميق الشرخ السياسي والايدولوجي بين الفلسطينيين، وساهم فعليا في تذرير الموقف الفلسطيني وخلخلة عمقه الاستراتيجي.
الدولة الفارسية التي ما فتأت ترفع راية الإسلام وتحرير القدس والوحدة الإسلامية، والتقريب بين مذاهب المسلمين، واحتضانها لمؤتمرات عديدة تكرس لذلك، ما زالت تتمسك بالإرث الإمبراطوري الشاهنشاهي ذي الطبيعة العدوانية المعلنة للعرب والمسلمين بإقرار نهجه وأفعاله، التي أسفرت عمليا عن احتلال إيران لجزر الإمارات العربية، وبعض الأراضي العراقية، وتستمر إيران الثورة التي ترفع الشعارات الإسلامية بالنظر إلى هذه التطلعات بطريقة أكثر خبثا، وتمارس لأجلها شتى أنواع الخداع والتحايل والتضليل التي وفرها لها النظام الفكري الامامي الخرافي، الذي يطالب بالثأر من العرب والمسلمين السنة واستباحة أراضيهم ، فكيف لمؤتمر الأزهر ، بعد أن أعجزه صياغة أية مقاربة مع الشيعة منذ تأسيس أول دار للتقريب بين المذاهب في مصر ، أن يصدق جدوى هذه المؤتمرات؟.
كيف يتم التقارب مع الشيعة وعلى أي أساس، ونصف مليون نسمة من سكان طهران الأصليين من السنة ليس لهم مسجد واحد يصلون فيه، بينما توجد كنائس للنصارى وبيع لليهود وبيوت نار للمجوس وغيرهم ؟ ، وكيف يتم ذلك مع دستور عنصري يشترط الاعتقاد بمذهب التشيع لتولي المناصب في الدولة؟ ، وكيف يتم ذلك ويشهد إقليم عربستان وبلوشستان والأهواز الذي تقطنه أغلبية عربية عمليات ترحيل قسري من الإقليمين والمدينة واستبدالها بسواكن فارسية؟ وكيف يتم ذلك مع قدسية الطواف على قبر أبي لؤلؤة قاتل الفاروق؟ وكيف؟ وكيف ؟ ... .
كان من الطبيعي أن تقود السياسية الإيرانية تجاه العرب والمسلمين إلى تعميق الشرخ المذهبي، وهي ما زالت تحمل حلم فارس وأجندات الدولة الشاهنشاهية وأحقاد العقيدة الامامية ومخططاتها الإجرامية، ومن ثم تحاول تمريرها على العرب والمسلمين من خلال دعوات التسامح السنية، منتظرين اللحظة الحاسمة لتنفيذ مخططاتهم الكهنوتية، التي تؤكدها "الخلجات الباطنية " التي تظهر على ألسنة بعض المسؤولين الإيرانيين بين الحين والآخر في لحظة التجلي و النشوة، التي يوقظها التقدم في المجال النووي والآخر الباليستي واقتحام المجال الفضائي والاقتراب من الأهداف التاريخية.
أعتقد، أنه من السذاجة بمكان، أن يروج بعض علماء أهل السنة بعد انعقاد مؤتمر الأزهر الثالث عشر، بالقول أن ثمة قواطع عقدية مشتركة بين السنة والشيعة، في محاولة لإنجاح المؤتمر بروتوكوليا بشكل مسبق. أليس تلك هي الرتابة والنمطية بعينها في حوار المذاهب ؟ أليس من الأجدى الخروج عن هذه وتلك ووضع شروط مسبقة للحوار مع الروافض، حتى يتخلصوا من الأدران السياسية والثقافية والخرافية والأحقاد القبورية التي التصقت التصاقا جنينيا بمذاهبهم، التي كان لها الأثر الكبير في تكريس التعصب المذهبي والافتراق العقدي والتأجج الطائفي، وضعف الأمة الإسلامية في الراهن المعاصر.
لعل مناقشة هذه الإشكاليات بشكل صريح وواقعي على طاولة المؤتمرات، هو ما نعتقد بتواضع، أنه سيضع تمنيات المؤتمرات السابقة على قدر كبير من الجدة، ويؤدي إلى تحقيق حلم المسلمين جميعا.
[1] - باحث وكاتب أردني.

