جولة الصحافة
طهران تنقل الحرب إلى خليج عدن وباب المندب
طهران تنقل الحرب إلى خليج عدن وباب المندب
الوطن العربي 14/1/2009
هل قرر النظام الإيراني فتح جبهات بعيدة عن حدوده وتفجير حروب استباقية لوضع إدارة أوباما أمام أمر واقع جديد؟
السؤال لا يتعلق فقط بقراءة ما يجري في غزة حيث يتركز جزء كبير من الاهتمام الدولي على معرفة حقيقة وأهداف الدور الإيراني سواء في دفع حماس إلى رفض تجديد الهدنة أم في استغلال الوحشية الإسرائيلية لتسويق معادلة جديدة في المنطق لحساب مشروع الملالي.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن محاولة قراءة الألغاز الإسرائيلية والإيرانية من الانفجار الدموي لحرب غزة وتداعياتها الخطيرة لم تمنع جهات استخبارية دولية من رصد تحركات إيرانية مثيرة للشبهات على جبهة أخرى بعيدة عن البحر المتوسط والعراق وحتى الخليج، حيث بدت عمليات اختراق تبذلها طهران بسرية تامة منذ أسابيع بالقرب من البحر الأحمر وفي منطقة حساسة واستراتيجية وخطيرة بدورها.
وقبل أن تنجز جهات استخبارية غربية مهمة رصد حقيقة ما تمتلكه حماس من "صواريخ" يقال إن مداها يفوق المائة كيلو متر، ولم تظهر حتى اليوم الثالث عشر للغزو البربري الإسرائيلي، كانت مجموعات أخرى تابعة لبعض هذه الأجهزة تدق جرس الإنذار تجاه خطر صواريخ إيرانية بعيدة المدى ظهرت فجأة في إرتيريا وتحذير من تداعيات مخطط إيراني للسيطرة على باب المندب من جهتي إرتيريا واليمن.
قاعدة إيرانية
وفي آخر التقارير أن إيران تمكنت بسرية تامة من بناء قاعدة بحرية عسكرية على البحر الأحمر وأنها نجحت في الأسابيع الأخيرة في تحويل ميناء عصب الإرتيري إلى قاعدة إيرانية. وفي التقارير أن الفرع الإفريقي في قيادة "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري قد تولى هذه المهمة بالتعاون مع بحرية الحرس الثوري. حيث قامت السفن الإيرانية في البداية بنقل المعدات العسكرية والأسلحة الإيرانية إلى ميناء عصب وشاركت في هذه المهمة حسب آخر التقارير ثلاث غواصات "كيلو" إيرانية.
وفي معلومات" الوطن العربي" أن طهران لجأت إلى الغواصات لنقل الأسلحة والصواريخ إلى إرتيريا بعدما تزايدت حشود السفن البحرية الدولية في المنطقة لمطاردة القراصنة ومخافة أن تقع سفنها التجارية المحملة بالسلاح في أيدي القراصنة ويفتضح أمرها.
ويؤكد أحد التقارير الأمنية أن قرار استخدام الغواصات قد جاء بعد تزايد عمليات خطف السفن الإيرانية وتحديداً بعدما نجح القراصنة في خطف السفينة الإيرانية "ماي إيران ديانات " التي كانت متوجهة إلى إرتيريا والتي يقال إنها شكلت بداية الشكوك الدولية في الاختراق العسكري الإيراني لإرتيريا وقادت إلى حملة تنديد إريترية "مشبوهة" بدور القوات الغربية في مكافحة القرصنة.
وخلال أشهر قليلة تحول هذا الموقع الاستراتيجي عند باب المندب وخليج عدن إلى أكبر قاعدة بحرية إيرانية خارج مضيق هرمز.
وكشف التقرير الاستخباري أن إيران قامت بإرسال المئات من عناصر "فيلق القدس" وضباط البحرية والخبراء العسكريين في الحرس الثوري إلى إرتيريا وقامت بنصب عشرات بطاريات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى والصواريخ المضادة للطائرات والسفن في ميناء عصب.
وكل ذلك جرى بتعاون وثيق مع السلطات الإرتيرية وتحت غطاء اتفاقية تعاون رسمية عقدت بين الطرفين إثر محادثات رفيعة المستوى أجراها الرئيس الإرتيري أسياسي أفورقى مع أحمدي نجاد أثناء زيارته لإيران في مايو "أيار" الماضي، وقد استقبل يومها أفورقي بحفاوة بالغة وعقد مؤتمراً صحفياً مشتركاً مع نجاد أشار فيه إلى تلاقي وجهات النظر حول القضايا الإقليمية وسبل التصدي للهيمنة، وتوافقا على التعاون في ميادين الصناعة والزراعة والطاقة.
وفي سبتمبر "أيلول" وقع البلدان في أسمرة "اتفاقية التفاهم" التي فتحت الطريق أمام إيران نحو إرتيريا والقرن الإفريقي. وتشير المعلومات إلى أن هذا الاختراق الإيراني انطلق من "صفقة نفطية" تقوم على منح إيران الحق الحصري بالاشراف على تطوير وصيانة وعمل شركة تكرير النفط الإريترية المعروفة أيضاً باسم "مصفاة عصب".
وتركزت الاتفاقية مبدئياً على قيام الإيرانيين بتكرير النفط في مصفاة عصب وإعادة استيراده إلى إيران التي تستورد أكثر من أربعين في المائة من نفطها المكرر.
وفي البداية اعتقد المراقبون أن الاتفاقية الإيرانية – الإريترية نفطية واقتصادية فقط وأنها تدخل في إطار الجهود التي تبذلها إيران تحسباً لتعرضها لحصار نفطي ولمواجهة احتمالات تشديد العقوبات الدولية لحرمانها من الحصول على النفط المكرر. لكن الأمور سرعان ما تطورت نحو بناء قاعدة بحرية إذ أرسلت إيران قواتها الخاصة التابعة لـ"فيلق القدس" بحجة تأمين الحماية لمصفاة النفط ومن ثم قامت بنصب الصواريخ بالذريعة ذاتها ..
وقبل أسابيع فوجئت الأجهزة الاستخبارية والجهات العسكرية التابعة لنشاطات القرصنة في خليج عدن بأن التواجد العسكري الإيراني في ميناء عصب ونوعية الأسلحة الإيرانية تتجاوز بكثير الحاجة إلى حماية منشأة نفطية تقوم بتكرير النفط ولا تستدعي نصب بطاريات صواريخ ولا انتشار المئات من عناصر "فيلق القدس" والخبراء العسكريين الإيرانيين .
وعلى ضوء هذه المعطيات الجديدة التي أكدتها تقارير المعارضة الإرتيرية وجمعيات غير حكومية تعمل في إرتيريا مشيرة إلى تواجد إيراني لافت في أسمرة وزيارات فنيين إيرانيين. وبدأت الأنظار تتجه نحو مخطط إيراني ليس فقط لاختراق إرتيريا والقرن الإفريقي بل أيضاً لنقل الحرب من مضيق هرمز والخليج العربي إلى خليج عدن وباب المندب بين إرتيريا واليمن والذي يعتبر أضيق ممر في خليج عدن ويصل بين قناة السويس والبحر الأحمر والمحيط الهندي ويعتبر ممراً استراتيجياً مهماً وحيوياً جداً لناقلات النفط.
وكشفت مصادر استخبارية غربية أن إيران قد انتقلت بهذه الخطوة من تهدد الخليج والعالم بإغلاق مضيق هرمز إلى توسيع دائرة تهديداتها إلى خارج الخليج. ولاحظت أن إقامة القاعدة البحرية الإيرانية في عصب قد جاءت بعد أسابيع قليلة من إعلان إيران عن إقامة قواعد بحرية إضافية في بحر عمان وهي تدخل في إطار استمرار الاستعدادات الإيرانية لمواجهة عسكرية على ضوء تطورات صراعها مع العالم حول البرنامج النووي.
والتسلل الإيراني إلى القرن الإفريقي يعني في الوقت ذاته أن طهران تهدف إلى توسيع دائرة الحرب والتسلل مجدداً إلى هذه المنطقة التي تشهد حشوداً عسكرية مثيرة للشبهات تحت ذريعة محاربة القرصنة وفي وقت عادت التقارير تحذر من انفجار جديد وكبير للأوضاع في الصومال ينعكس على سائر القرن الإفريقي ويهدد حتى منطقة شمال إفريقيا.
من السودان إلى اليمن
ويلفت المراقبون إلى أن الاختراق الإيراني الجديد لأرتيريا قد تزامن مع تفعيل نشاطات الفرع الإفريقي لفيلق القدس في أكثر من دولة خصوصا مع عودة الاهتمام الإيراني بالسودان حيث تشير آخر التقارير إلى استئناف التعاون العسكري بين طهران والخرطوم وعودة الخبراء العسكريين الإيرانيين إلى السودان.
لكن أخطر التقارير عن تزايد التهديد الإيراني لخليج عدن وباب المندب هي التي ربطت مؤخرا بين القاعدة البحرية الإيرانية في ميناء عصب وبين خطة سرية أعدتها طهران لاختراق الجهة المقابلة، أي اليمن، وتكشف هذه التقارير أن الأسابيع الأخيرة شهدت تحركات إيرانية مشبوهة في جنوب اليمن مشيرة إلى أن المخابرات الإيرانية التي كانت نشاطاتها في دعم الحوثيين في منطقة صعدة في الشمال تثير اهتمام الأجهزة الاستخبارية الدولية باتت حاليا موضع رصد ومراقبة بسبب ما يعتبر محاولات اختراق بجنوب اليمن.
ويؤكد أحد التقارير أن الحرس الثوري الإيراني قام مؤخراً بإعادة تحريك خلايا أصولية متطرفة يمنية معروفة بارتباطها بإيران ودعمها للاستقرار في جنوب اليمن ويكشف أن "فيلق القدس " قام بنقل عناصر يمنية من "القاعدة" من أفغانستان وتسهيل تسللها مجدداً إلى جنوب اليمن وقد فر هؤلاء عبر إيران وبحماية "قوات القدس"، ويبدو أن المساهمة الإيرانية في نقل متطرفين من أفانستان إلى جنوب اليمن إضافة إلى إحياء خلايا نائمة في منطقة عدن لحساب إيران قد قادت إلى تعزيز مخاوف الجهات الاستخبارية الدولية المراقبة للنشاطات الإيرانية في إرتيريا من وجود مخطط إيراني يستهدف خليج عدن وباب المندب وفتح جبهة جديدة في القرن الإفريقي وعند أطراف الخليج، والجدير بالذكر أن هذه التحركات الإيرانية جاءت في وقت تشهد هذه المنطقة حشوداً بحرية متعددة الجنسية، وفي وقت يجري الحديث عن تعزيز البوارج العسكرية الأمريكية وإعادة إشعال الساحة الصومالية.
وفي معلومات "الوطن العربي" أن التمدد الإيراني في اتجاه إريتريا وجنوب اليمن مع ما يعنيه من تهديد بفتح جبهة هناك وتوسيع الطموحات الإيرانية ما زال يثير العديد من التساؤلات وما زال محط رصد واهتمام كبيرين من قبل واشنطن والعديد من الدول.
ويبدو أن هذا الاهتمام لم يتضاءل على ضوء ما يجري في غزة رغم أن العديد من المراقبين يعتبرون أن حرب غزة تدخل بدورها في إطار مخطط طهران لفتح جبهات جديدة سواء لتأكيد طموحاتها وموقعها الإقليمي وتحسين أوراقها التفاوضية مع الإدارة الأميركية الجديدة عبر فرض دورها في معادلات جديدة على الأرض أم لإبعاد خطر الحرب عن حدودها وشن حروب بالوكالة بينها وبين واشنطن.

