القائمة البريدية

البحث في الموقع

دراسات/العدد الثالث والعشرين - جمادى الأولي 1426هـ


قراءة في أرشيف الصحف الشيعية العراقية

الأرشيف

موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 8 - محمد زاهد الكوثري

Share |

       - موقف مفكري الإسلام من الشيعة - 8 -

هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
هذا البحث كتبه محمد زاهد الكوثري وهو جهمي العقيدة سبق أن طعن في شيخ الإسلام ابن تيمية وهو من أكبر الذين عادوا منهج أهل السنة وعلمائهم.لكنه مع معاداته لمنهج أهل السنة يحذر من خطر الشيعة وإحدى دولها وهي الدولة العبيدية.  الراصد
 
{صبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في حفظ الدين}
ليس بخافٍ ما لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأبرار رضي الله عنهم من صنوف العَنَتِ من أعداء الدين الإسلامي في مبدأ الدعوة الإسلامية، بل توالت صنوفُ كيدِهم إلى أن بدأ الناسُ يدخلون في دين الله أفواجاً، فارتدَّ كيدُ الكائدين إلى نحرهم بفضل تفاني المسلمين في التأسي بتوجيه حضرةِ المصطفى صلواتُ الله وسلامُهُ عليه في كل صغيرٍ وكبير.
وكانت مصابرةُ الصحابة رضي الله عنهم ومثابرتهم في سبيل الذب عن دين الله والدفاع عن رسولِ الله فوقَ كل وصف، حتى شمل النور، وعمَّ الحُبُور، وبرزت هذه الأمة حاملةً لمِشعلِ الهداية، تنشرُ الدينَ الإسلامي في شعوب العالم، حتى تم ما تم ممّا بهرَ عيونَ البشر، وما زِلنا به نفخر، ولا عجبَ إذا لقينا بعض أتعاب في سبيل الله في آخر الزمن، ولا طريق إلى التغلب على تلك المتاعب إلا باتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين أسوةً حسنةً في وجوه المثابرة والمصابرة إزاء أخطر الأحداث؛ فاستذكارُ صنوف الكيد من الأعداء يجعلنا نأخذ حذرنا وأسلحتنا في كل موقفٍ بما يناسبه.
{مكايدُ اليهود}
وما عمله بنو النَّضير من دسهم إلى قريش في قتالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضهم على القتال، ودلالتهم على العورة، وما صنعه بنو قريظةَ وأهلُ خيبرَ من أنواع المكر: نماذجُ لدسائسهم؛ وتدبيرُ المسلمين إزاءَ تلك الأحداثِ يهدي إلى طريق النجاح في اقتحام ما يماثلها من المشاكل التي تحدثُ فيما بعد.
وبعد أن انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى وانتشر الإسلام في بقاع الأرض في عهدي أبي بكر وعمرَ وأوائل عهد عثمانَ رضي الله عنهم بدأت الفتنُ ترفعُ رؤوسها في عهد ذي النورين باستضعاف الفاتنين لِلينِ جانبه، وسعيهم الحثيثِ في إثارةِ النفوس ضدَّه بطرقٍ خبيثةٍ لم تكن الصحابةُ رضي الله عنهم خبروا مثل تلك المكائد بعدُ، فاندفعَ مندفعون إلى الفتنة حتى حدث، مما أوقفَ التقدُّمَ السريع إيقافاً محزناً.
وهكذا استمرت الفتن بعده بمسعى شخصيات تلفعت بغير أزيائها، ولسنا ننسى ما كان يصنعُه عبدُ الله بن سبأ المعروف بابن السوداء اليهودي من تنقلهِ من بلد إلى بلد، يتعثّر في أذياله لإثارةِ الفتنِ في عهدِ عثمانَ رضي الله عنه بطرقٍ شيطانيةٍ لم يكن الجمهورُ على يقظةٍ منها.
قال المقريزي في "الخطط" (4: 146):
"إنّ رجلاً من اليهود في خلافة عثمان أسلمَ فقيل له عبدُ الله بن سبأ،وعُرفَ بابنِ السوداء ، وصارَ ينتقلُ من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريدُ إضلالهم، فلم يُطق ذلك فرجعَ إلى كيد الإسلام وأهله، ونزلَ البصرةَ سنةَ ثلاث وثلاثين، فجعل يطرح على أهلها مسائل ولا يصرح، فأقبل عليه جماعةٌ ومالوا إليه وأعجبوا بقوله، فبلغ ذلك عبد الله بن عامر([1]) وهو يومئذٍ على البصرة، فأرسل إليه، فلما حضر عنده سأله: ما أنت؟ فقال: رجلٌ من أهل الكتاب رغبتُ في الإسلام وفي جوارك. فقال: ما شيءٌ بلغني عنك؟ أُخرج عني. فخرج حتى نزل الكوفة، فأخرج منها، فسار إلى مصر واستقر بها، وقال في الناس العجب... وتحدث في الرَّجعةِ حتى قُبِلت منه. فالَ بعدَ ذلك: إنه كان لكل نبيٍّ وَصِيٌّ، علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ وصيُّ محمد صلى الله عليه وسلم، فمن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في أن علي بن أبي طالب وصيه في الخلافة على أمته!
وقال: واعلموا أن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، فانهضوا في هذا الأمر، وابدؤوا بالطعن في أمرائكم فأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا به الناس.وبث دعاتهُ وكاتب من مال إليه من أهل الأمصار كتباً يضعونها في عيب ولاتهم، فكتب أهل كل مصرٍ منهم إلى أهل المصر الآخر بما يصنعون، حتى ملؤوا بذلك الأرض إذاعة".
قال ابن عساكر في "تاريخ دمشق":
"كان أصله من اليمن، وكان يهودياً، فأظهر الإسلام وطافَ بلاد المسلمين ليلفِتَهم عن طاعة الأئمة، ويدخل بينهم الشرَّ، ودخل دمشق لذلك"، وأفاض ابن جرير في أنبائه في "تاريخه"([2]).
هكذا نمت الفتنة في عهد عثمان واستفحلت وطمَّت حتى انتهت إلى ما يعلمه الجميع، وهذا اليهودي نفسه هو الذي كان يقول في عهد علي رضي الله عنه: إنه وصيُّ رسول الله وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً (كما هو رأي بعض اليهود في يوشع)، وزعم أن علياً لم يُقتل، وأنه حيٌّ، وان فيه الجزء الإلهي، وانه هو الذي يجيء في السحاب، وان الرعد صوته، والبرق سوطه، كما في "الخطط" (4: 182).
{العبيديون: نشأتهم، عقائدهم، تاريخهم}
ثم قال المقريزي: "ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وعنه أخذوا القول برجعة الإمام بعد موته إلى الدنيا كما تعتقده الإمامية إلى اليوم في صاحب السرداب (آخر الأئمة الإثني عشر)، وهو قولٌ بتناسخ الأرواح ([3])، وعنه أخذوا أيضاً القول بأن الجزء الإلهي يحل في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة، وعلى هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين (العبيديين) ببلاد مصر".اهـ.
وعلى هذا الاعتقاد إسماعيلية الهند، ولهم هناك جامعةٌ، بل تعدوا إلى نشر دعاياتهم بمصر اليوم بواسطة بعض الجامعيين، لهواهُم في مصر منذُ قديم، من حيث إن القاهرة كانت عاصمة ملكهم في عهد العبيديين، الذين يسميهم بعضهم بالفاطميين كذباً وزوراً. وما فعله عليٌ كرم الله وجهه من إيقاد الأخدود لأشياع هذا الخبيث([4]) معروف في كتب الفرق وتواريخ النحل، وقد نص ابن رزام([5])، والباقلاني، وعبد القاهر البغدادي، وابن السمعاني، وابن الجوزي، وسبطه، وابن حجر، والسخاوي، والشمس بن طولون، وغيرهم من ثقات أهل العلم على أنهم ليسوا بفاطميين ([6]) وإن توهم ابن خلدون، وابن الأثير، والمقريزي ([7]) صحة نسبهم لأسباب مشروحةٍ في "إعلان" السخاوي وغيره([8]).
قال أبو شامة الحافظ في "الروضتين" [حوادث 567هـ]: "ولم يكونوا فاطميين، وإنما كانوا ينتسبون إلى عبيد ـ وكان اسمه سعيداً ـ وكان يهودياً حداداً بسلمية ([9])، بحمص في الشام".
وقال ابن كثير في "تاريخه" (12: 267) [حوادث 567هـ]:
"وكان أول ملك منهم المهدي، وكان من سلمية حداداً... وكان يهودياً فدخل بلاد المغرب، وتسمى بعبيد الله، وادّعى أنه شريفٌ علوي فاطمي، وقال عن نفسه إنه المهدي".
وعن فقيه العبيديين يعقوب بن كلس يقول ابن عساكر في "تاريخ دمشق": "كان يهودياً من أهل بغداد، خبيثاً ذا مكر، وله حيلٌ ودهاءٌ، وفيه فطنةٌ وذكاء"، إلى أن ذكر كيف أسلم طمعاً في الوزارة([10]).
وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام الكبير" عن فقيههم الآخر النعمان القيرواني ([11]): "وتصانيفه تدل على زندقته وانسلاخه من الدين، أو أنه منافق نافق القوم، كما ورد أن مغربياً جاء إليه فقال: قد عزم الخادم على الدخول في الدعوة ـ يعني دعوة ملاحدة الإسماعيلية ـ فقال: ما يحملك على ذلك؟ قال: الذي حمل سيدنا. قال: نحن أدخلنا في هواهم حلواهم فأنت لماذا تدخل؟!([12])
وفي "العبر" للذهبي [وفيات 363هـ] و"شذرات الذهب" لابن العماد(3: 47): "والنعمان بن محمد بن منصور القيرواني، القاضي أبو حنيفة، الشيعي ظاهراً، الزنديق باطناً، قاضي قضاة الدولة العبيدية، صنف كتاب ابتداء الدعوة([13])، وكتاباً في فقه الشيعة، وكتباً كثيرة تدل على انسلاخه من الدين، يبدل فيها معاني القرآن ويحرفها، مات بمصر سنة 363، في رجب، وولي بعده ابنه".
وقد سلم المعز العبيدي ـ باني القاهرة ـ أبا بكر النابلسي العابد المشهور ليهودي ليسلخه فسلخه وهو يتلو القرآن كما في "تاريخ ابن كثير" (11: 284) ([14])، فُيعلمُ من ذلك أن سَدا دولة العبيديين ولحمتها: اليهودية نسباً ونحلةً.
والذين ينوهون بهم من غير نظر إلى الحقائق هم الذين يسعون في إحياء ذكرى أمثال المتنبي وأبي العلاء المعري، مدفوعين من جامع للمعرَّتين في التنويه بالاثنين كأنهم لا يجدون في رجال الإسلام وأدباء العرب من يستحق مثل هذا الإجلال من غير الأظناء المتهمين في الخُلُق والدين!! وما كان هذا إلا تنويهاً بالإلحاد والملحدين يأباه أهل اليقين.
وكان الباقلاني يقول عن العبيديين: "هم قومٌ يُظهرون الرفض، ويبطنون الكفر المحض" ،حتى ألف "كشف الأسرار وهتك الأستار"([15]) في الرد على كتاب "البلاغ الأعظم والناموس الأكبر" لبعض قضاة العبيديين بمصر([16]).
وألف بعده الحافظ أبو شامة فيهم كتابه "كشف ما كان عليه بنو عبيد، من الكفر والكذب والمكر والكيد"([17]).
وقال عنهم ابن كثير في "تاريخه" (12: 267) [حوادث 567هـ]: "كانوا من أغنى الخلفاء وأجبرهم وأظلمهم، وأنجس الملوك سيرة وأخبثهم سريرة".
وقال أبو الحسن القابسي ([18]): "الذين قتلهم عبيد الله وبنوه بعده ذبحاً في دار النحر التي كانوا يعذبون فيها الناس ليردوهم عن الترضي على الصحابة ـ أربعة آلاف رجلٍ ما بين عالمٍ وعابدٍ اختاروا الموت على لعن الصحابة"([19]).
وأما الذين انصاعوا لهم وشرقوا([20]) ـ على مصطلحهم ـ ففي غايةٍ من الكثرة، وأما الذين قتلوهم من عامة المسلمين فيما بين المغرب الأقصى ومصر فلا يعلم عددهم إلى الله سبحانه، والوثيقةُ التي أصدرها علماء المذاهب وأئمتها في إبعادهم عن النسب الزكي مدونةٌ في "منتظم" ابن الجوزي، و"تاريخ ابن كثير" وغيرهما([21])، والموقعون عليها جبالٌ في الدين والعلم والثقة، ومن ظن انحيازهم إلى خليفة بغداد قاسهم بنفسه، ولم يعرفهم ولا عرف ذلك الخليفة كما بينت ذلك فيما علقت على "كشف أسرار الباطنية"([22])، فليس من شأن قلم الحر المعتز بدينه الاسترسال في مناصرة أعداء الإسلام الذين اكتظت كتب ثقات أهل العلم بأنبائهم الإلحادية.
قال ابن كثير في "تاريخه"(12: 9) عن الحاكم بأمر الله منهم: "كان يروم أن يدَّعي الألوهية كما ادّعاها فرعون، فكان قد أمر الرعية إذا ذكر الخطيب على المنبر اسمه أن يقوم الناس على أقدامهم صفوفاً، إعظاماً لذكره، واحتراماً لاسمه، فعل ذلك في سائر ممالكه حتى في الحرمين الشريفين، وكان قد أمر أهل مصر على الخصوص إذا قاموا عند ذكره خروا سجداً له، حتى إنه ليسجد بسجودهم من في الأسواق من الرعاع وغيرهم ممن كان لا يصلي الجمعة، وكانوا يتركون السجود لله في يوم الجمعة وغيره ويسجدون للحاكم".اهـ.
وقال ابن الجوزي في "المنتظم" (7: 298): "ثم ازداد ظلم الحاكم حتى عنَّ له أن يدَّعي الربوبية، فصار قومٌ من الجُهّال إذا رأوه يقولون: (يا واحدنا، يا أحدنا، يا محيي، يا مميت)، قبحهم الله جميعاً".
ومن علم أن مدة حكم الحاكم هذا من سنة 386هـ إلى سنة 411هـ يرى الاعتذار عنه بأنه كان مجنوناً: كلاماً لا يُلتفتُ إليه، لأن من المُحال في جاري العادة أن يستبقى حاكمٌ وهو مجنونٌ مدة خمس وعشرين سنة! ومن الحاكم هذا تفرَّعت نحلة تأليهه عند الدروز، وفي الجزء الثالث من "خلاصة الأثر" حكم أهل المذاهب فيهم ([23]).
ولسنا ندري دولةً من الدول في تاريخ الإسلام حكَّمت على رقاب العرب صنوف الصقالبة والصقليين وطوائف الروم والأرمن واليهود والكتاميين([24]) سوى دولة العبيديين([25]) ، فيكون من المضحك المُبكي محاولة الاعتزاز بأمثال هؤلاء في آخر الزمن، والمحراب القديم في الأزهر: كمبكي اليهود في المسجد الأقصى في نظر بقايا هؤلاء الإسماعيلية في الهند، ومن العجب تمكنهم من إقامة دعايات لهم بمصر في غفلة من الزمن.
ترى شاباً متخرجاً في الجامعة الإسماعيلية في كجرات ـ وهي لا تقبل طالباً لا يكون إسماعيلياً رُوحاً ودماً كما هو معلومٌ ـ ينتسب يوماً ما إلى الأزهر باسم أنه شافعيٌ أو حنفي، ويبدي نشاطاً غريباً في الدعاية للإسماعيلية إلى أن تجده يقول في العدد (331) من مجلة "الرسالة" في مقال له عن ديوان تميم بن المعز العبيدي: "فإذا ما أتيح للفاطميين أن يُقيموا دولتهم الكبرى في وادي النيل فنحن أمام دولةٍ عربيةٍ هاشمية تحمي اللغة كما تحمي كتابها ودينها". وهذا قلبٌ للحقائق كما أوضحت ذلك في (36ـ 1361هـ) من مجلة "الإسلام". وهذا الشابُّ نفسه هو الذي يقول في ذلك المقال: "ومن أحسن ما قيل في تميم بن المعز الفاطمي قول ابن رشيق:
     أصحُّ وأعلى ما سَمِعناه في النَّدى         من الخبرِ المأثورِ منذُ قّديمِ
أحاديثُ تَرويها السُّيُولُ عن الحَيا         عن البحرِ عن كفِّ الأميرِ تميمِ".اهـ
فيجعل ممدوح ابن رشيق تميم بن المعز العبيدي مع أنه لم يدركه حتى يتصور أن ينظم في مدحه قصائد رنانةً! بل ممدوحه هو بلديُّ ابن رشيقٍ تميمُ بن المعز باديس المتأخر الوفاة ([26]) , وليس بين ترجمتيهما في "تاريخ ابن خلكان" غير خط فاصل، وفيه النص على أنّ الممدوح هو ابن باديس، لكن الدعاية تجعل الليل نهاراً والصيف شتاءً([27]).
وزد على ذلك ما تراه في الجزء الثالث من مجلة "الأزهر" لسنة 1357هـ (ص180) تحت ستار التوصية بالابتعاد عن التعصب:
"3ـ أن يكون الأزهر كعبةَ جميع المسلمين على اختلاف مذاهبهم، ويدرس فيه المذاهب العلوية: كمذهب الزيدية، والإمامية، والإسماعيلية ـ إن كان له بقيةٌ ـ فهو الأحق من سواه".
انظر إلى هذه الجرأة وهذه الصراحة ممّن يعرف ما هي نحلة الإسماعيلية؟! وصاحب المقال كان يعرف كتبهم المحفوظة في دار الكتب المصرية على الأقل، لكن هذا طرازٌ في الدعاية. فكأنّ الكاتب كان يريد التمهيد لتسليم البضاعة، كما أنّ إخلاء الأزهر من الدراسة رسمياً يوماً ما كان تمهيداً لذلك أيضاً، لكنّ الله رد كيد الكائدين في نحرهم.
ومما يدل على أن أمد بكاء الإسماعيلية يطول: مشروع زعيمهم في امتلاك حصصٍ كبيرةٍ من مدينة الأوقاف المزمع إنشاؤها. وفي محضر المحادثة بين زعيم الإسماعيلية ورئيس الأزهر المنشور في إحدى المجلات قبل سنين ما يكشف عن كثير من اتجاههم في هذا الصدد، وكل ذلك من عجائب الزمن([28])


[1] ـ وهو الأمير أبو عبد الرحمن عبد الله بن عامر القرشي العبشميَ (ت59هـ)، فاتح خراسان وغيرها. ولاّه سيدنا عثان رضي الله عنه البصرة. كان جواداً سخياً شجاعاً فيه رفقٌ وحلم. انظر "سير النبلاء" (3: 18)، وهناك مصادر ترجمته.
[2] ـ انظر "تاريخ الأمم والملوك" لابن جرير الطبري (4: 340) وما بعدها.
[3] ـ والقول به موجودٌ في تلمودهم، وهو ينافي دعوة رسول الله (ز).
[4] ـ يعني ابن سبأ.
[5] ـ أبو عبد الله محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي، له تصنيف في الرد على الإسماعيلية الباطنية على ما في "التنبيه والإشراف" للمسعودي ص 396، و "الفهرست" لابن النديم ص 186، ونقل هذا الأخير عنه، ونقل عنه كذلك الذهبي في "سير النبلاء" (5: 323). قال الإمام الكوثري في تقدمته لكتاب "قواعد عقائد آل محمد" ص 6: "وكنت رأيت قطعةً جيدةً من كتاب ابن رزام بين كتب الأستاذ حمدي السفرجلاني، ولا أدري أين استقرت هذه القطعة".
[6] ـ انظر "الفهرست" لابن النديم ص 187، و "الفرق بين الفرق" لعبد القاهر البغدادي ص 283، و "المنتظم" لابن الجوزي (حوادث سنة 402هـ)، و "الأنساب" للسمعاني (1: 255الإسماعيلي)، و"الإعلان بالتوبيخ" للسخاوي ص177، و"اللمعات البرقية في النكت التاريخية" لابن طولون ص 90.
وقال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في "سير النبلاء" (15: 141ـ 142) في ترجمة عبيد الله المهدي مؤسس الدولة العبيدية: "أول من قام من الخلفاء الخوارج العبيدية الباطنية الذين قلبوا الإسلام وأعلنوا بالرفض وأبطنوا مذهب الإسماعيلية.. وادّعى هذا المدبر أنه فاطمي... والمحققون على أنه دعيٌّ".
[7] ـ انظر "مقدمة ابن خلدون" (1: 309)، "الكامل" لابن الأثير (8: 24 حوادث 296هـ)، "اتعاظ الحُنفا بأخبار الفاطميين الخلفا" للمقريزي (1: 22).
[8] ـ وللعلامة البارع المؤرخ الوزير جمال الدين ابن ظافر الأزدي (ت 613هـ ) كلامٌ نفيسٌ في كتابه البديع "أخبار الدول المنقطعة" حول إبطال نسب العبيديين، ومما قاله هناك:
"والسبب في خفاء زورهم في ادّعائهم الشرف ـ حتى إننا لا نجد في عصرنا من يمج سمعه ذلك إلا اليسير من الناس ـ أن القوم كانوا في إبتداء ملكهم ووقت ادّعاه زورهم لا يسمعون بمنكر لأمرهم طاعن على مذهبهم إلا بادروه بالعطايا وأتحفوه بالأموال والرغائب وطلبوا الكف منه، فإن أبى عملوا على قتله بأنواع من الحيل والمكر التي عليها بني مذهبهم. هذا أحوال سُراة الناس ورؤسائهم، وأما الطغام فإنهم دخلوا في دعوتهم لاستحواذ الدعاة عليهم، وطال الوقت وامتدت المدة حتى انتهت إلينا وقد نسي ما كان منهم، وذهل عما صدر عنهم، وقد كانوا على أيام المنعوت منهم بالعزيز كاد كذبهم يذهب مع الريح، وزورهم أن يرجع كالهباء المنثور لمّا ملك عضد الدولة فنّاخسرو بغداد، لأنه حشر الأشراف الطالبيين من جميع آفاق العراق وسألهم عنهم، فكلهم أنكرهم ونفاهم وتبرأ منهم، فأخذ خطوطهم.." إلخ ما ذكره في "أخبار الدول المنقطعة" ص 4ـ5 من نشرة أندريه فريه للقسم الخاص بالفاطميين منه.
[9] ـ قال ياقوت في "معجم البلدان" (3: 240): "سلمية: بفتح أوله وثانيه وسكون الميم وياء مثناة من تحت خفيفة... وأهل الشام يقولون: سَلَمِيّة، بفتح أله وثانيه وكسر الميم وياء النسبة" ولا تزال سلمية حتى الآن موطناً للإسماعيلية .
[10] ـ انظر أخباره في "الإشارة إلى من نال الوزارة" لابن الصيرفي ص19، و "المنتظم" (وفيات 380هـ) و "وفيات الأعيان" (7: 27ـ 35)، و "سير النبلاء" (16: 442)، و"إنباء الأمراء بأنباء الوزراء" لابن طولون ص58، وغيرها.
[11] ـ ويكاد لا يوجد بين رجالات تلك الدولة من يوازي النعمان بن محمد هذا فيما خدم به دعوتهم من تدوين عقائدهم وأخبار أئمتهم، إذ له ما يقرب من خمسين مصنفاً في ذلك، طبع منها حتى الآن: "دعائم الإسلام"، "تأويل الدعائم"، "الاقتصار"، "أساس التأويل"، "افتتاح الدعوة"، "الأرجوزة المختارة"، "شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار"، "المجالس والمسايرات". انظر: مقدمة تحقيق "المجالس والمسايرات" بقلم الأستاذ إبراهيم شبوح ورفيقه.
[12] ـ وقال عنه في "سير النبلاء" (16: 150): "العلامة المارق، قاضي الدولة العبيدية. كان مالكياً فارتد إلى مذهب الباطنية، وصنف لهم أسَّ الدعوة، ونبذ الدين وراء ظهره، وألف في المناقب والمثالب، ورد على أئمة الدين، وانسلخ من الإسلام فسحقا له وبعداً".
[13] ـ اسمه تحديداً "افتتاح الدعوة"، حققه الدكتور فرحات الدشراوي سنة 1961 وتأخر نشره حتى سنة 1975بتونس، وخلال ذلك أصدرت الدكتورة وداد القاضي نشرتها للكتاب سنة 1970 عن دار الثقافة ببيروت.
[14] ـ في "العبر للذهبي (وفيات 363هـ): "وفيها أبو بكر النابلسي... الشهيد، سلخه صاحب مصر، المعز، وكان قد قال: لو كان معي عشرة أسهم لرميت الروم سهماً ورميت بني عبيد تسعةً فبلغت القائد جوهر، فلما قرره اعترف وأغلظ لهم، فقتلوه. وكان عابداً صالحاً زاهداً قوالاً بالحق".
وقد حشوا جلده تبناً وصلب، وكان الحافظ الإمام أبو الحسن الدارقطني يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يُسلخ: {كان ذلك في الكتاب مسطورا}. "كتاب الروضتين" لأبي شامة (2: 220).
[15] ـ ذكره ابن ظافر الأزدي في "أخبار الدول المنقطعة" ص 2، والسبكي في "طبقاته الكبرى" (7: 18)، وابن كثير في "البداية والنهاية" (12: 268 وفيات 566هـ)، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (4: 75) وقل منه. وغيرهم.
[16] ـ ذكر ابن النديم في "الفهرست" ص 189 أن من كتب الباطنية الإسماعيلية: البلاغات السبعة، فالبلاغ الأول للعامة، والثاني لمن فوقهم قليلاً، والثالث لمن دخل في المذهب مدة سنة، والرابع لمن دخل لمدة سنتين، والخامس لثلاث سنين، والسادس لأربع سنين، أما السابع ففيه نتيجة المذهب والكشف الأكبر، قال : "قال محمد بن إسحاق: قد قرأته فرأيت فيه أمراً عظيماً من إباحة المحظورات والوضع من الشرائع وأصحابها". وفي "الفرق بين الفرق" للإمام عبد القاهر البغدادي ص 294 أن "البلاغ الأكيد والناموس الأعظم" هو رسالة عبيد الله بن الحسين القيرواني إلى سليمان بن الحسن بن سعيد الجنابي.
[17] ـ ذكره الإمام أبو شامة لنفسه في كتابه "الروضتين" (2: 222) وفي "ذيله" ص 39، وذكره غير واحد من مترجميه كذلك.
[18] ـ الإمام الحافظ الفقيه أبو الحسن علي بن محمد المعافري القروي القابسيّ المالكي (324 ـ 403هـ)، إمام المالكية في عصره.
[19] ـ نقله الذهبي في "سير النبلاء" (15: 145)، وغيره.
[20] ـ إشارة إلى وقوع الزلل مع الاضطرار.
[21] ـ "المنتظم" لابن الجوزي (حوادث سنة 402هـ)، "البداية والنهاية" لابن كثير (11: 345 حوادث سنة 402هـ).
[22] ـ وفي المحضر الذي أصدره أهل العلم سنة 402هـ أنهم: "أدعياء لا نسب لهم في ولد علي رضي الله عنه..."، ومن جملة من وقع عليه الشريفان الرضي والمرتضى، وأبو محمد الأكفاني القاضي، وأبو حامد الإسفراييني، وأبو الحسين القدوري، وغيرهم من كبار الأئمة، وهذا حكمٌ شرعيٌ يجب الخضوع له، ولو أعطي هؤلاء الدنيا بحذافيرها لما حكم بما يخالف الحق.(ز).
قلت: و"كشف أسرار الباطنية [وأخبار القرامطة]" هذا من تأليف العلامة محمد بن مالك الحمادي اليماني (ت حوالي 450هـ)، قدم له الشيخ الكوثري وعلق عليه، ونشره تلميذه عزة العطار، وطبع بمطبعة الأنوار بالقاهرة سنة 1357هـ ـ 1939م.
[23] ـ "خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" للمؤرخ محمد أمين المحبي (3: 268)، في ترجمة الأمير فخر الدين بن قرقاس بن معن الدرزي.
[24] ـ نسبة إلى كتامة: قبيلةٌ بربرية كبيرةٌ بالمغرب، من أشد قبائل البربر بأساً وأكثرهم عدداً، وكانوا ممن شايع العبيديين. تكلم عنهم ابن خلدون في"العبر"، وغيره. وانظر للتوسّع كتاب "دور كُتامةَ في تاريخ الخلافة الفاطمية". للدكتور موسى يقبال (الجزائري).
[25] ـ وقد سرد الحافظ الذهبي تراجم أئمة العبيديين من أولهم (عبد الله) إلى آخرهم (العاضد) متوالية في نسق واحد، مع بيان ألوان فعائلهم، وذلك في المجلد (15) من كتابه "سير النبلاء" ص 141ـ 215.
وكانت جملة ملوك العبيديين 14 ملكاً، حكموا مدّةَ 270 سنة (من سنة 297 إلى سنة 567هـ).
[26] ـ وكان والد تميم: المعز بن باديس من ملوك الدولة الصنهاجية بإفريقية، كانت خطبته للفاطميين فقطعها سنة 440هـ وجعلها للعباسيين، فنشبت بينه وبين الفاطميين الحرب. وكان سبب تسننه ومن ثم تمرده على العبيديين عناية أحد علماء أهل السنة بتربيته وتنشئته، وفي ذلك عبرةٌ بالغةٌ فيما يتوجب على العلماء تجاه أبناء الجيل. ومما وجد بخطه على مصحف حبّسه على جامع القيروان: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه، وأن أفضل الناس بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، رضي الله عنهم أجمعين. اللهم العن بني عبيد أعداءك وأعداء نبيك، نفعنا الله ببغضهم أجمعين". انظر صورة خطه هذا في "الأعلام" (7: 269).
[27] ـ وقد أشار المؤلف رحمه الله إلى وجه آخر من نشاط هذا الشاب الإسماعيلي، وهو التقريب ـ ظاهراً ـ بين السنة والشيعة، في مقالته (حول فكرة التقريب بين المذاهب)، انظر "المقالات" ص 127.
[28] ـ وقد توسع المؤلف الإمام الكوثري في الكلام حول العبيديين والباطنية عموماً كذلك في تقدماته لـ "كشف أسرار الباطنية" للحمّادي، و"قواعد عقائد آل محمد ـ قسم الرد على الباطنية"، و "المقدمات الخمس والعشرون من دلالة الحائرين"، وانظر "مقالاته" ص 100ـ 101.
من عبر التاريخ
بقلم
محمد زاهد الكوثري
 
مقبول ممتاز
عدد المصوتين : (5) قيمة التصويت : (5.00)