جولة الصحافة
في المسألة القبطية
في المسألة القبطية
د. زينب عبد العزيز موقع المصريون 18/8/2008
حينما تصل المغالطات الاستفزازية إلى حافة اشتعال الفتن، فلا بد من وقفة توضع فيها النقاط على الحروف، للحد من اندفاع بعض المتطرفين من المسيحيين في مصر، في الداخل والخارج، الذين باتوا يناشدون التدخل الأمريكي صراحة لمساندة فرياتهم وتقسيم البلاد ـ وفقا لما يدور من محاولات في العديد من البلدان الإسلامية، وتحقيقا لذلك التخريب الذي لا يكف عن الإطلالة برأسه من وقت لآخر لتقسيم مصر ـ الأمر الذي يضع ولاءهم للوطن محل نظر ..
ولا يسع المجال هنا للرد على كل ما تضمنه خطاب الأنبا توماس في معهد هادسون يوم 18 يوليو 2008، ولا لكل ما ورد بمقال السيد مجدي خليل، مدير منتدى الشرق الأوسط للحريات، من فريات دفاعا عما ورد بالمحاضرة . لكنني سأتناول الرد في عجالة على أربعة محاور أساسية هي: مصر الفرعونية؛ " الغزو " العربي الإسلامي؛ موقف تلك "الفئة" العميلة على مر التاريخ؛ و"الأصولية الإسلامية"، التي اندلعت منذ السبعينات من القرن العشرين كما يقولان..
1 - مصر الفرعونية :
* اسم مصر Egypt مشتق من كلمة " كمت " المصرية القديمة وتعنى "الأرض السوداء" ثم تحولت إلى "جمت " و"جبت" والى "إيجبتوس" في العصر اليوناني ثم إلى "إيجيبت" مع سقوط اللازمة اليونانية. و كلمة الأرض السوداء هي نسبة إلى دورة فيضان النيل وطميه الذي كانت تعتمد عليه الزراعة آنذاك.
* كلمة " قبط " التي انتسب إليها الأقباط مأخوذة من كلمة Coptos وهو الاسم اليوناني لمدينة "قفط " قرب الأقصر ، والتي تمركز فيها الأقباط هربا من اضطهاد الرومان لقربها من شاطئ البحر الأحمر حيث يمكنهم الهرب إذا ما زاد القمع.. وهى كلمة لا تزال تكتب على كافة الخرائط الخاصة بتلك الفترة . ويشير هيرودوت إلى أن أغلب سكانها كانوا من الأقباط، وذلك في الوقت الذي كانت فيه المسيحية تحارب بضراوة والمسيحيون يمثلون أقلية ضئيلة، وهو ما يفسر سر ارتباطهم باسم هذه المدينة التي تمركزوا فيها للحماية .. لذلك لا يجوز أبداً إطلاق كلمة "قبطي" على كل المصريين: فالمصري نسبة إلى الوطن، ومسلم أو مسيحيي نسبة للدين.
* مصر الفرعونية كانت تتبع الديانة الوثنية وظلت بعض المعابد تعمل حتى القرن السادس الميلادي. واللغة المصرية القديمة هي الهيروغليفية، التي استمرت حتى عصر الاضمحلال الثالث ، أي عند غزو الاسكندر الأكبر. واللغات السائدة في مصر الفرعونية كانت: الهيروغليفية، كلغة رسمية للدولة؛ والهيراطيقية، أيام العصر الهيللينى والكهنة هم الذين كانوا يستخدمونها؛ والديموطيقية، أي اللغة الشعبية أو العامية التي ما زالت توجد بعض مفرداتها في العامية الحالية، و قد بدأ استخدامها بعد الدولة الحديثة (1580-1085 ق م) .. واللغة القبطية بدأ ظهورها في القرن الميلادي الثالث عندما استقرت المسيحية في مصر نسبياً، فتم استخدام الأحرف اليونانية، لغة الحاكم المستعمِر، إضافة إلى بضعة أحرف صوتية مصرية قديمة لم تكن موجودة باليونانية فأُخذت من الصوتيات الهيروغليفية.
* عبارة التراث القبطي والفن القبطي، كلها بدع ومسميات حديثة تم اختلاقها في منتصف القرن العشرين، والأب بول بورﭼيه P. Bourget)) هو أول من كتب في الفن القبطي اعتمادا على بورتريهات الفيوم، وهى الصور التي كانت ترسم على توابيت الموتى بدلا من التوابيت المنحوتة الغالية.. وهذه المجموعة من البورتريهات كانت تُعد في عُرف علماء الآثار عبارة عن رسومات عصر الاضمحلال ـ أي الفن المتخلف المستوى بالنسبة لما كان عليه الفن المصري القديم، حتى وإن كان منها بعض الوجوه المعبّرة .. وتوالت الكتابات التمجيدية المفتعلة بعد ذلك لترسيخ فكرة "الفن القبطي" و"التراث القبطي" ، في حين أن الحقبة التي ظهرت فيها المسيحية في مصر تدخل ضمن عصر الاضمحلال كمرحلة انتقالية، من كثرة ما بها من قلاقل ..
* المسيحية ظلت تحارَب وتتعرض للاضطهاد بحيث في عام 361 م قام الإمبراطور جوليان بإعادة الديانات الوثنية و حجّم الوجود المسيحي في السلطة الحاكمة وأمم أموالهم من كثرة مؤامراتهم للاستيلاء على الحكم ، فقام القساوسة بترتيب اغتياله بيد حارسه وألصقوا به عبارة "المرتد".. وفى عام 313 كان الإمبراطور قسطنطين قد سمح للمسيحيين بممارسة عقيدتهم مثل باقي العقائد الوثنية السائدة بموجب مرسوم ميلانو ، لضم أطراف الإمبراطورية شريطة أن يدخل المسيحيون الجيش، ووافق الكنسيون، الذين خرجوا بذلك عن تعاليم يسوع الذي كان يحرّم القتل، وما أكثر خروجهم عن تعاليمه .. وفى عام 391 أعلن الإمبراطور تيودوز المسيحية ديانة رسمية وحيدة للدولة. وهذا يؤكد أن الوضع لم يستتب للمسيحية إلا في أواخر القرن الرابع الميلادي . ومنذ ذلك التاريخ بدأت عملية اقتلاع العقائد الأخرى بكل آثارها ..
* أما في مصر فقد قاد الإمبراطور دسيوس فيما بين 249-251 حملة ضد المسيحيين ، وحضر ديوكليسيان إلى مصر على رأس حملة لضرب المسيحيين باعتبارهم "رأس الحية لهذا الدين".. واتخذ المسيحيون معركة يوم 29/8/284 بداية للتقويم القبطي باسم "تقويم الشهداء" وربطوه بالشهور المصرية القديمة ـ أي أن المسيحية بدأت تستقر نسبيا في مصر في أواخر القرن الثالث، وكل المرحلة السابقة كانت تعانى من اضطهاد الرومان المتواصل. أي أن المسيحية لم تكن تغطى العالم قبل مجئ الإسلام كما يزعم مروجو الأباطيل ..
* وفى عام 323 قام القديس باخوم بتأسيس أول دير في الصعيد ، وفى عام 527 قام الإمبراطور جوستينيان بإنشاء دير سانت كاترين في سيناء، وهو ما يثبت أن المسيحية لا " تمتد إلى أكثر من
ألفي عام" في مصر كما زعم أحد مستشاري الأقباط ـ وتكفى الإشارة إلى ان السيد المسيح صُلب ،كما يقولون ، حوالي سنة 30 أو 33 م وأول استخدام لكلمة "مسيحي" في التاريخ يرجع إلى سنة 49 م.
وخلاصة القول إن مصر لم تكن قبطية في أي عهد من العهود ، واللغة القبطية لم تكن لغة الدولة في أي عصر من العصور، وإنما كانت اللغة الكنسية فيما بعد ، عندما تم الاعتراف بالمسيحية كديانة رسمية وحيدة في الإمبراطورية الرومانية عام 391 م. وعند الفتح الإسلامي تسلم عمرو بن العاص البلد من الحاكم الروماني بينما فر الأسقف هاربا يحتمي في الصحراء ، وقد أرسل له عمرو بن العاص الأمان وأعاده إلى مكانه في الكنيسة.. وما ساعد على انتشار الإسلام بتلك الصورة التي لا تزال تبهر الباحثين في الغرب ، أن الفئة المسيحية في مصر كان أغلبها يتبع مذهب الأريوسية ، نسبة إلى الأسقف أريوس السكندرى، الرافض لتأليه المسيح عليه السلام. وهو ما يتمشى مع فكرة الإله الواحد السائدة دوما في الديانة المصرية القديمة ، سواء أكان رع أو أمون أو أتون ، وذلك بخلاف الثالوث التالي له في القيمة والمكانة : إيزيس وأوزيريس وحوريس المأخوذة عنه فكرة الثالوث في المسيحية لسهولة ترسيخها في الأذهان..

