دراسات
دراسات/العدد الخامس والعشرين - رجب 1426هـ |
![]() الأرشيف |
مواقف المفكرين والعلماء من الشيعة – 10- د. محمد عمارة
مواقف المفكرين من الشيعة - 10 -
هذه سلسلة من البحوث كتبها مجموعة من المفكرين والباحثين عن عقيدة وحقيقة مذهب الشيعة من خلفيات متنوعة ومتعددة ، نهدف منها بيان أن عقائد الشيعة التي تنكرها ثابتة عند كل الباحثين ، ومقصد آخر هو هدم زعم الشيعة أن السلفيين أو الوهابيين هم فقط الذين يزعمون مخالفة الشيعة للإسلام .
هذا البحث كتبه الدكتور محمد عمارة الباحث والمفكر المعروف والذي يميل للمنهج العقلاني وذلك في كتابه تيارات الفكر الإسلامي من صفحات 199 – 245 باختصار . الراصد
الشّيعة الإِثنى عَشريّة
من كتاب: تيارات الفكر الإسلامي
د. محمد عمارة
شيعة المرء: أعوانه وأنصاره والموالون لمذهبه.. هكذا يدل المصطلح لغويا، وبشكل عام.. أما في إطار الفكر الإسلامي ومذاهبه وتياراته فلقد غلب هذا المصطلح: "الشيعة"ـ على الذين شايعوا وناصروا ووالوا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [23 ق.هـ ـ 40هـ/ 600 ـ 661م] والأئمة من بنيه، وأهل بيت الرسول، صلى الله عليه وسلم، على وجه العموم.. ولقد استمرت هذه الدلالة ردحاً من الزمن، ثم تخصص المصطلح أكثر فأكثر عندما تبلورت في الفكر الإسلامي نظرية "النص والوصية"، أي النص على أن الإمام، بعد الرسول، هو علي بن أبي طالب، والوصية من الرسول ـ بأمر الله هذا ـ لعلي بالإمامة، وكذلك تسلسل النص والوصية بالإمامة للأئمة من بنيه، على النحو الذي قالت به الشيعة، كفرقة من فرق المسلمين. فلم تعد موالاة أهل البيت كافية كي يكون المرء "شيعيا"، بل أصبح الاعتقاد "بالنص والوصية" معيار التميز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام..
وكما انقسم المسلمون، في البداية، إلى: شيعة، وخوارج، ومعتزلة، ومرجئة، وأهل حديث ـ [سلفية نصوصيين] ـ الخ.... فلقد انقسمت الشيعة إلى فرق وجماعات وتيارات، لأنهم وإن اتفق جمهورهم على "النص والوصية" بالإمامة لعلي بن أبي طالب، فلقد اختلفوا في أعيان الأئمة المنصوص عليهم من بنيه.. كما اختلفوا في مدى التطرف أو الاعتدال الذي ذهبوا إليه في موالاة أهل البيت والتشيع لهم، حتى لقد بلغت انقساماتهم قرابة المائة، إذا نحن أدخلنا فيها الفروع.. لكن التيارات الرئيسية في الشيعة ظلت هي: الإمامية الاثنى عشرية، والزيدية، والإسماعيلية.. كما ظلت هذه التيارات الشيعية الثلاثة مستقطبة الكثرة الكاثرة من المتشيعين في عالم الإسلام حتى عصرنا الراهن.
ولما كانت هذه الانقسامات، في تيار التشيع، قد حدثت ـ على الأقل ظاهرا، ومن حيث أسبابها المباشرة ـ في الخلاف حول أعيان الأئمة المنصوص عليهم بعد علي بن أبي طالب، فلقد بدأ التشيع: موالاة لأهل البيت، من منطلق أحقيتهم بالإمامة، والانتصار لهم بعد أن ظلموا.. ثم أصبح فرقة ذات نظرية متميزة في الفكر السياسي الإسلامي، عندما تبلورت نظرية "النص والوصية".. ثم بدأ طور الانقسام..([1])
التشيع سابق لظهور الشيعة كفرقة:
عندما يؤرخ أعلام الشيعة لنشأة فرقتهم يقولون إن تاريخ هذه النشأة يعود إلى تاريخ وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، عندما اجتمع قادة الأنصار ونفر من المهاجرين في سقيفة بني ساعدة للتداول فيمن يخلف الرسول في الولاية على الدولة، وهو الاجتماع الذي تمخض عن البيعة لأبي بكر [51 ق.هـ ـ 13هـ / 573ـ 634م] بالخلافة على دولة العرب المسلمين.. إذ يقول مؤرخو الشيعة إن النفر من الصحابة الذين رفضوا ما تمخض عنه اجتماع السقيفة، وقالوا بأحقية علي بن أبي طالب للخلافة، كانوا هم نواة الشيعة، كفرقة، وطليعة المتشيعين لأهل بيت الرسول.. تجمع على هذا الرأي مصادر الشيعة، وتتفق فيه فرقهم.. ويتفق معهم في ذلك علماء الاستشراق([2]).. بل إن من علماء الشيعة من يذهب إلى أن التشيع والشيعة، كفرقة، وبالمعنى الذي يدل عليه المصطلح اليوم، هو الاستمرار لإسلام النبوة المحمدية، وأن من عدا الشيعة، من الذين رفضوا "النص والوصية" وقالوا بالشورى، هم طارئون على فكر الإسلام وعالم المسلمين!([3]).
لكن غير الشيعة، والمعتزلة خاصة، ينكرون أن تكون الشيعة قد نشأت كفرقة، في ذلك الزمان المبكر، ويؤرخون بعصر الإمام الشيعي جعفر الصادق[80 ـ 148 هـ /599 ـ 765م] والمفكر الشيعي هشام بن الحكم [المتوفى سنة 190هـ سنة 805م] ظهور الشيعة كفرقة يعني ذكرها ما يعنيه التشيع بالمعنى المتعارف عليه الآن([4])
والحق أننا إذا قصدنا بالتشيع والشيعة معنى: الميل إلى إمارة علي بن أبي طالب للمؤمنين، والطموح إلى تقديمه وتفضيله على غيره من الصحابة، فإننا سنجد جماعة غير منظمة تجمعها هذه الآراء والأماني منذ أن طرحت قضية الإمارة عقب وفاة الرسول، صلى الله عليه وسلم، ولقد ضمت هذه الجماعة بعضا من بني هاشم، وكذلك المقداد، وسلمان الفارسي، وأبا ذر الغفاري... الخ.. ولقد استمرت هذه الجماعة، غير المنظمة، واستمر هواها مع علي وبني هاشم، دون أن يتعدى ذلك نطاق الهوى والأمنيات .. فلقد بايعوا جميعا للخلفاء الثلاثة الأول، كما بايع لهم علي بن أبي طالب، بعد شهور أبطأها قبل البيعة للصديق.. وتعاونوا جميعا، في مواقع مختلفة، ومع جهاز دولة الخلافة تحت إمرة الخلفاء..فلم يكونوا لسلطة الخلافة وسلطان الخلفاء رافضين..
واستمر ذلك إلى أن بويع علي بن أبي طالب بالخلافة، بعد قتل عثمان بن عفان، وقامت الصراعات على السلطة بينه وبين طلحة بن عبيد الله [28ق.هـ ـ 36هـ /596 ـ 656] والزبير بن العوام [28ق هـ ـ 36هـ /596 ـ 656م] ثم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان [20ق.هـ 60هـ / 603 ـ 680م] من جانب، والخوارج من جانب آخر.. وفي تلك الفترة أضحى ممكنا أن يطلق مصطلح "شيعة علي" على أنصاره الذين حاربوا معه ونصروه ضد خصومه.. وهم هنا شيعته، بمعنى أنهم أنصار إمارته للمؤمنين، تلك الأمارة التي "اختاروه" لها و "بايعوه" بها، بعد مقتل عثمان بن عفان.
لكن هذا الرباط الفضفاض ليس هو المراد ولا المتبادر إلى الذهن إذا نحن تحدثنا، فنيا واصطلاحيا، عن الشيعة والتشيع، فليس الذي يميز الشيعة عن غيرهم: تفضيل علي بن أبي طالب على أبي بكر وعمر وعثمان، ولا الميل إلى نصرته ودوام إمارته للمؤمنين، يوم أن تولاها، ذلك أن "مدرسة البغداديين"، من المعتزلة، التي تكونت منذ عهد إمامهم بشر بن المعتمر [المتوفى سنة 201هـ / سنة 825م] قد تميزت عن "مدرسة البصرة" الاعتزالية بتفضيل عليّ على كل الصحابة، ومع ذلك فهم ليسوا شيعة بالمعنى الفني لهذا المصطلح، بل هم أعداء للشيعة، سياسة وفكرا، رغم أنهم قد رضوا أن يتسموا أحيانا باسم "شيعة المعتزلة"! فليس تفضيل علي، إذن، هو الذي تميز بين الشيعة وغيرهم من فرق الإسلام، حتى يكون صالحا كي نؤرخ به نشأتهم الأولى.
أما الأمر الذي يميز الشيعة عن غيرهم فهو عقيدة "النص والوصية". وإذا كان التأريخ لنشأة فرقة من الفرق لابد وأن يكون بظهور ما يميزها عن غيرها، فلابد أن يكون تاريخ نشأة الشيعة، كفرقة، هو تاريخ تبلور نظريتها في "النص والوصية" بالإمامة لعلي بن أبي طالب والأئمة من بنيه.. ومن هنا كان صواب ما ذهب إليه المعتزلة عندما قالوا :إن عهد إمامة جعفر الصادق للشيعة – وهو الذي نهض فيه هشام بن الحكم بدور واضع القواعد النظرية للتشيع، ومهندس بنائه الفكري ـ هو الفترة الزمنية التي يؤرخ بها لهذه النشأة. فالقول "بالوصية" لم يعرف قبل هشام بن الحكم، وهو الذي "ابتدع هذا القول، ثم أخذه عنه" معاصروه ومن أتوا من بعده، مثل "الحداد"، و "أبو عيسى الوراق"، و "ابن الراوندي"([5]) ... فهذا المذهب، كما يقول القاضي عبد الجبار: قد "حدث قريبا، وإنما كان من قبل يذكر الكلام في التفضيل، ومن هو أولى بالإمامة، وما يجري مجراه.."([6]) وكما يقول ابن المرتضى ـ وهو من الشيعة الزيدية ـ فإن "مذهب الرافضة ـ [أي الإمامية الاثنى عشرية] ـ قد حدث بعد مضي الصدر الأول، ولم يسمع عن أحد من الصحابة من يذكر أن النص في علي جليّ متواتر، ولا في إثنى عشر، كما زعموا.."([7])
أما قبل هذا التاريخ، تاريخ ظهور عقيدة "النص والوصية" ـ وهي العقيدة الوحيدة التي تميز الشيعة عن غيرهم في الحقيقة وواقع الأمر ـ فلقد كان هناك من يميل إلى إمامة أبي بكر، ومن ناصر طلحة بن عبيد الله، على عهد عمر، كي يخلفه، ومن هيأ الأذهان لعثمان بن عفان.. وكان هناك، أيضاً، كما هو معروف، من كان هواه مع علي بن أبي طالب، يتمنى أن "يختاره" المسلمون "ويبايعوه" أما قول الشيعة: إن عقيدة النص والوصية قد وجدت قبل زمن هشام بن الحكم وجعفر الصادق، وأن عصر هشام قد أضاف إليها ظهور التصنيف فيها والنصرة لها، ولم ينشئها إنشاء، فإنه قول مردود..
فنحن لا نجد في [نهج البلاغة] للإمام علي ـ وهو أقدم نص مجموع في التراث الشيعي ـ عن آل بيت الرسول، صلى الله عليه وسلم، أكثر من أنهم أهل علم وبر وتقوى، وأنهم أحق بولاية أمر المسلمين، وأن قريشا قد استأثرت بهذا الأمر من دونهم، فأبعدوهم عنه حتى ولي علي الخلافة بعد عثمان.. ولا ذكر فيه للنص الإلهي والوصية النبوية لعلي بالخلافة.. كما أننا لا نجد في مواطن الجدل من حول الخلافة ـ منذ اجتماع السقيفة وحتى عصر هشام بن الحكم ـ من احتج "بالنص والوصية" انتصارا لعلي بن أبي طالب وتزكية لحقه في إمارة المؤمنين..
كما أننا واجدون ـ ولذلك دلالته الهامة ـ أن الأحاديث التي روتها الشيعة عن "النص والوصية" ـ وهي التي يضمها كتاب [الكافي] للكليني ـ وهو أهم مصادرهم وأوثقها عندهم في هذا الباب على الإطلاق ـ إننا واجدون أن أغلب الروايات الشيعية عن "النص والوصية" ترجع بسندها لتنتهي عند الإمام جعفر الصادق، ووالده الإمام أبو جعفر محمد بن علي [114هـ / 732م] فأبو جعفر محمد بن علي، وأبو عبد الله جعفر الصادق، وكذلك أبو الحسن علي بن موسى الرضا [153 ـ 203هـ / 770 ـ 818م]، هؤلاء الأئمة الثلاثة إليهم تنسب أغلب الروايات التي رواها الشيعة، في صورة أحاديث، عن "النص والوصية".. الأمر الذي يوحي بأن عصرهم كان عصر تبلور هذه العقيدة التي ميزت هذه الفرقة عن غيرها، والتي كرست هذا الانقسام في صفوف المسلمين.
وهناك موقف ثالث في التأريخ لنشأة التشيع، غير موقف الشيعة وعلماء الاستشراق، الذي يرجعها إلى يوم السقيفة، وغير موقف المعتزلة، الذي يقرنها بنشأة عقيدة "النص والوصية" في عهد هشام بن الحكم،وهذا الموقف الثالث يؤرخ لنشأة التشيع بدعوى عبد الله بن سبأ، التي ظهرت في أواخر عهد عثمان بن عفان، ويعبر المقريزي عن هذا الموقف بقوله: ".. وكان ابتداء التشيع في الإسلام أن رجلا من اليهود في خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان أسلم، فقيل له عبد الله بن سبأ، وعرف بابن السوداء، وصار يتنقل من الحجاز إلى أمصار المسلمين يريد إضلالهم.."([8])!
وتنسب أغلب مصادر التاريخ والفكر الإسلامي السنية إلى ابن السوداء هذا نشاطا عظيما وجهدا خرافيا، فتقول: إنه أتى الحجاز وتقشف، وقام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طلبا للرئاسة، ثم لعب دورا كبيرا في إيقاع الفتنة بين الصحابة وعثمان بن عفان، وجازت حيلته ومؤامراته على جلة الصحابة وأكابرهم، ثم حرص على قتل عثمان، وحرك الناس في هذا السبيل. وفي خلافة علي بن أبي طالب أفسد المحاولات التي كادت تنجح للصلح، في البصرة بين علي وطلحة والزبير..
ثم جاء دوره في ظهور التشيع عندما جاء إلى الكوفة "يظهر تعظيم علي بما لا يرضاه علي، ويستغوي بذلك من ليست له صحبة ولا فقه في الدين كالبوادي وأهل السواد، ويتحدث بينهم. وربما استقصر عندهم فعل أبي بكر وعمر وعثمان، ويقدم أمير المؤمنين ـ [علي بن أبي طالب] ـ عليهم في الفضل. وكان يدعي أن علياً يستخصه ويخرج إليه بأسرار لا يخرج بها إلى غيره، وعلي لا يعلم بذلك..."([9]) !.. إلى آخر أوجه النشاط التي تعزى إلى ابن السوداء، والتي يبدو فيها منفذا لمخطط محكم التدبير، تشرف عليه هيئة سرية تبتغي هدم دولة الإسلام!
وهناك من الباحثين من هالتهم هذه الصورة، فبحثوا عن شخصية عبد الله بن سبأ هذا وعن نشاطه، وقاد هذا البحث البعض إلى إنكار وجود الشخصية كلية، ورأى أن مؤرخي السنة قد اخترعوها كي يعلقوا في عنقها الأحداث والصراعات والدماء التي سببها الصراع على السلطة، حتى تظل لصحابة رسول الله صورتهم المثلى والمثالية في النفوس!.. كما قاد هذا البحث البعض الآخر إلى التسليم بوجود هذه الشخصية، ولكن مع رفض المبالغة في الدور الذي لعبته في تلك الأحداث..([10])
أما فيما يختص بموضوعنا، موضوع التأريخ لنشأة التشيع، فإن وجود ابن سبأ ـ على فرض التسليم بوجوده ـ وظهور آرائه، سواء على عهد عثمان أو عهد علي، لا يصلح دليلا على أن التشيع قد ظهر في ذلك التاريخ، فلم تنسب المصادر المعتمدة في التاريخ والفكر الإسلامي إلى ابن سبأ القول "بالنص والوصية"، بل نسبت إليه فقط القول " بتفضيل" عليّ على الصحابة، وتقديمه على أبي بكر وعمر وعثمان.. وحتى الشيعة أنفسهم لا يروون عنه شيئا من ذلك ـ بل وينكر أغلبهم وجوده.. فدعوى عبد الله بن سبأ ـ على فرض وجوده ووقوعها ـ "لم يكن من دعوى هشام بن الحكم بسبيل" كما يقول القاضي عبد الجبار، ومن هنا فإن عصره لا يصح أن يتخذ بدء التاريخ ظهور الشيعة والتشيع بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف.
ولما كانت الإمامة عند الشيعة قد أصبحت عقيدة دينية، بل أصلا من أهم أصول الدين، وقدمت صفتها تلك على صفتها السياسية... فإننا لا نستطيع أن نرى في "الحركات السياسية" التي قام بها الشيعة قبل عهد جعفر الصادق دليلا على وجود فرقة الشيعة بالمعنى الاصطلاحي الدقيق لأن هذه الحركات السياسية لم تقم على أساس قاعدة التشيع الأساسية، وهي "الوصية"، وإنما قامت على أساس أن الحسن أو الحسين أولى بإمارة المؤمنين من معاوية أو ابنه يزيد، أو على طلب الثأر للحسين تكفيرا عن ذنب خذلان أهل العراق له وقعودهم عن نصرته بعد أن بايعوه واستقدموه..
فبعد أن تنازل الحسن بن علي لمعاوية، على أن يكون له الأمر من بعده، أي أن يكون "وليا للعهد"، والخليفة التالي لمعاوية، بعد هذا التنازل أعلن معاوية أن وعده للحسن كان ضرورة حرب حتى تجتمع كلمة الأمة وتضع الحرب أوزارها، وأما وقد اجتمعت الكلمة، وسمى العام "عام الجماعة"، فلقد أعلن تنصله من وعده، وقال: "إني كنت شرطت شروطا ووعدت عدات، إرادة لإطفاء نار الحرب، ومداراة لقطع هذه الفتنة، فأما إذ جمع الله لنا الكلمة والألفة، وأمتنا من الفرقة، فإن ذلك تحت قدمي!.."([11])
ويومها جاء إلى الحسن بن علي وفد من أشراف أهل العراق يلومونه على أنه لم يستوثق من معاوية بوعد مكتوب يشهد عليه وجوه أهل المشرق والمغرب.. ثم عرضوا عليه الشروع في حرب معاوية ثانية، فإن معه من شيعته أربعين ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء،ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم، سوى شيعة الحسن من أهل البصرة والحجاز..
فنحن هنا إزاء "شيعة" لها جيش منظم، يأخذ العطاء، ويتكلم باسمها سليمان بن صرد [28ق.هـ ـ 65 هـ / 595 ـ 684م] طالبا من الحسن النهوض لمقاومة معاوية وقتاله.. ومن القدماء من يرى أن هذا الموقف وذلك التاريخ هو بدء ظهور التشيع بمعناه المعروف ... ولكننا نقول: إن هذه "الشيعة" لم يقم تنظيمها على القاعدة الأولى والأساسية للتشيع، قاعدة "النص والوصية"، ومن ثم فلم يكونوا "شيعة" بالمعنى المعروف الآن لنا، الذي عرف منذ عصر جعفر وهشام بن الحكم، ولو كان الأمر غير ذلك، لقال سليمان بن صرد يومها للحسن بن علي: إنه ما كان لك أن تتنازل لمعاوية، لأن هذا التنازل مناقض "للنص والوصية" على إمامتك، ومن ثم فإن هذا التنازل باطل دينيا، وبالأولى سياسيا، فاستغفر لذنبك، وانهض بنا نقاتل معاوية بن أبي سفيان!..
لو كانوا "شيعة"، ولو كانت "الشيعة" قد ظهرت يومئذ ـ بمعناها الاصطلاحي الحالي ـ لقالوا ذلك، ولكن هذا هو منطقهم الفكري.. ولكنهم لم يكونوا كذلك، بل كانوا بقية جيش علي ودولته، الذين بايعوا الحسن، قبل تنازله لمعاوية، فلما تنازل، على أن يكون له الإمرة من بعده، استمروا من حوله في انتظار قضاء الله أن يسبق إلى معاوية فتعود الإمرة للحسن، وتعود لهم الحكومة والسلطان، لقد كانوا ـ كما يقول أدبنا السياسي الحديث ـ "حكومة الظل" التي تعيش بجيشها وفي عاصمتها تنتظر موت معاوية كي تلي أمر الأمة، وفقا للعهد الذي قطعه معاوية للحسن، ومن ثم فلم يكن موقفهم هذا ولا عهدهم ذاك هو موقف الشيعة ولا العهد الذي يؤرخ به ظهر هذه الفرقة، بمعناها وفكرها المعروف.
أما عندما بدأ "القول بالإمامة"، وبدأ التأليف فيها، ورواية الأحاديث والقصص التي تدور حول "النص والوصية" لعلي وبنيه.. نشأت عقيدة الشيعة، التي ميزتهم ولا زالت تميزهم عن الفرق الأخرى، وتكون التنظيم الشيعي الذي اعتنق أهله هذا الاعتقاد.
وابن النديم، وهو يؤرخ لنشأة التأليف، يذكر أن "أول من تكلم" في مذهب الإمامة: على بن إسماعيل بن ميثم الطيار..([12]) صحيح أنه يذكر أن هذا الرجل قد كان "من جلة أصحاب علي، رضي الله عنه".. ولكن لم يقل أحد إن عهد علي بن أبي طالب قد شهد التأليف في الإمامة أو غيرها من الفنون... أما بعد ذلك فلقد كتب علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار ـ كطليعة للقائلين بالإمامة والمتكلمين فيه ـ كتب [كتاب الإمامة] و [كتاب الاستحقاق]... وإذا نحن رجعنا إلى [معجم المؤلفين] فإننا نجده يذكر أن علي بن إسماعيل بن ميثم الطيار كان حيا قبل سنة 179هـ / 795م.. الأمر الذي يبتعد به عن عهد علي بن أبي طالب!..
ويضيف [المعجم] أن الرجل قد كانت له مجالس مع هشام بن الحكم؟!...([13]) ثم جاء دور هشام بن الحكم، الذي ـ كما يقول ابن النديم ـ: "فتق الكلام في الإمامة، وهذب المذهب والنظر.." وألف فيها: [كتاب الإمامة]، و [كتاب الرد على من قال بإمامة المفضول]، [كتاب اختلاف الناس في الإمامة]، و [كتاب الوصية والرد على من أنكرها]، و [كتاب الحكمين]، و [كتاب الرد على المعتزلة في طلحة والزبير]([14]) ...
فللمرة الأولى ترد كلمة "الوصية" في عنوان كتاب هشام بن الحكم.. أما قبل هذا العهد فإن المرء لا يستطيع العثور على أثر لهذه العقيدة، لا في فكر المسلمين، الذي أرخ ابن النديم لظهوره وذكر عناوين مصنفاته، ولا في الجدل الذي دار حول السلطة والإمارة، ولا في المواقف العملية لدى أي فريق من الفرقاء.
هذا عن التاريخ الحقيقي لنشأة عقيدة "النص والوصية".. أي التاريخ الحقيقي لنشأة التشيع والشيعة، بالمعنى الفني والاصطلاحي المعروف لنا الآن..
نظرية الإمامة الشيعية:
ليس ما يميز الشيعة عن غيرها من فرق الإسلام أن لها مذهبا فقهيا متميزا، هو المذهب الجعفري ـ نسبة إلى جعفر الصادق ـ لأن الفقه الإسلامي حافل بالمذاهب، المشهور منها وغير المشهور، ولم يحدث أن أثمر تعدد المذاهب الفقهية انقساما بين المسلمين يوازي أو يداني أو يشابه ذلك الانقسام الحاد الذي قام بين الشيعة وبين بقية المسلمين، بمذاهبهم الفقهية ومدارسهم الكلامية وتياراتهم الفكرية..
..كان قول الشيعة بالسلطة الدينية والإمامة الدينية والوصية والنص من الله على الأئمة.. فهذا ـ في رأيهم ـ هو المتسق مع العدل الإلهي ومع رعاية الخالق للمخلوقين!..
وصدورا من هذا الموقف.. وأيضا تسليما بحاجة المجتمع إلى سلطة عليا.. قال الشيعة بضرورة السلطة، أي بوجوب الإمامة.. وقالوا إن صلاح الدين والدنيا متوقف عليها، وإن استمرار الرسالة إلهية مرتبط بوجود الإمام، لأنه هو المعصوم وحده من دون الأمة، فهو المرجع المؤتمن في الدين، وكذلك في الدنيا.. ولما كانت الإمامة، على هذا النحو، هي ما يقرب الناس من الخير ويبعدهم عن الشر، إذن فهي "لطف" إلهي، كما كانت النبوة كذلك، فهي على النبوة تقاس، وليس ـ كما قال غيرهم ـ تقاس على منصب الحكام والولاة.. ولهذا وجدنا الإمامة واجبة عند الشيعة وجوبا عقليا، لا شرعيا، ووجوبها على الله سبحانه، لأنه هو مصدرها الأوحد، وليس وجوبها على البشر، لأنهم لا شأن لهم بها، فهي أمر من أمور السماء..
وقالت الشيعة: إن الإمامة أصل من أصول الدين، بل من أهم أصوله "فالإيمان لا يتم إلا بالاعتقاد بالإمامة"([15])، وهي، مع الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، تكون فرائض الله الخمس([16]).. وهي، مع المعرفة بصفات الله، والتصديق بالعدل والحكمة، والتصديق بالنبوة، والتصديق بالمعاد، تكون قواعد الإيمان والإسلام الخمسة([17])..
وكما بلَّغ الرسول الدين عن ربه، وأشهد الناس على بلاغه، فإن الإمامة كانت مم بلًّغ عن ربه من أصول دينه،ومما أشهد الناس على بلاغه إياهم لها.. وفي هذا الباب يفسر الشيعة بعض المأثورات تفسيرا يختلف معهم فيه غيرهم، وينفردون هم برواية مأثورات أخرى:
1ـ فهم يستندون إلى "حديث الغدير" في أن الرسول قد أشهد الناس، عند "غدير خم"، وهو عائد من حجة الوداع، على أن علي بن أبي طالب هو الإمام من بعده، عندما خطب فقال: "من كنت مولاه فعلي مولاه".. لكن خصومهم ينكرون أن يكون المراد هو الإمامة والسلطة السياسية في المجتمع، لأن الموالاة هي "النصرة" و "المناصرة"، كما تشهد بذلك معاني ومواطن ورود هذا المصطلح في القرآن الكريم، وليست السياسة والسلطة العليا في المجتمع..
2ـ وهم يستدلون على "النص والوصية" من النبي لعلي بن أبي طالب بالإمامة، "بحديث المنزلة"، الذي خاطب فيه النبي عليا فقال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي".. وخصومهم يقولون إن هذا الحديث لا يشهد لهم، لأنه هارون لم تكن من منازله مع موسى الخلافة والإمامة السياسية بعد موسى، فلقد مات قبله، فالخلافة والإمامة هنا غير واردة ولا مرادة..
3ـ كما يستدلون "بحديث الدار"، في بداية الدعوة بمكة، عندما جمع الرسول عشيرته، وفيهم علي ـ وهو صبي ـ فقال لهم: "إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم".. لكن خصومهم ينكرون أن تكون الخلافة والإمامة السياسية مراده.. ففي بداية الدعوة لم تكن القضية واردة، بل لم تكن قضية "الدولة" الإسلامية واردة أصلا، فلقد كان الوقت مبكرا حتى بالنسبة لوجود، "الجماعة" الإسلامية!..
وذلك فضلا عن أن جميع هذه الأحاديث ـ وما ماثلها ـ هي "أحاديث آحاد".. وأحاديث الآحاد إن جاز الأخذ بها في "الأمور العملية" فمن غير الواجب أن تؤسس عليها "العقائد"، خصوصا إذا كانت عقيدة الإمامة، وهي.. على رأي الشيعة ـ من أصول الدين([18])!..
وإذا كانت المأثورات التي رواها الشيعة أو فسروها كي تشهد لعقيدتهم في "النص والوصية" قد جاء أغلبها للنص على إمامة علي بن أبي طالب، فلقد قالوا إنه قد نص على إمامة ابنه الحسن، الذي نص على إمامة أخيه الحسين.. وهكذا توالت سلسلة أئمتهم من آل البيت، أبناء فاطمة بنت الرسول.
ومن كونهم اثنى عشر أخذت هذه الفرقة ـ تمييزا لها عن غيرها من فرق الشيعة الإمامية ـ اسم: "الإثنى عشرية"..
وفيما يتعلق بتسلسل الإمامة في ولد علي بن أبي طالب، فإن اختلاف تيارات التشيع حول أعيان الأئمة قد كان سببا رئيسيا لما أصاب هذا التيار من انقسامات..
* فالكيسانية: لم يحصروا الإمامة في أبناء علي من فاطمة، وقالوا إنها انتقلت من علي لابنه محمد بن الحنفية [21ـ81هـ /642ـ 700م]..
* والإسماعيلية: قالوا إنها بعد جعفر الصادق لابنه إسماعيل [ 143هـ /760م] وليس لموسى الكاظم.
* الزيدية: قالوا إن "الوصية والنص" لم يتعد عليا والحسن والحسين، وأنه لم يحدد "الذات"، ذات المنصوص عليه بل كان نصا على من تجتمع فيه صفات الإمام، وهي قد اجتمعت في هؤلاء، وأن الإمامة بعدهم فيمن تتوافر فيه الشروط من ولد علي، شريطة أن يكون ثائرا خارجا شاهرا سيفه ضد أئمة الجور والفساد، وأنها لذلك كانت لزيد بن علي [79ـ 122هـ / 698ـ740] ثم لأئمة الزيدية من بعده..
أما الاثنى عشرية، فإنهم، بعد تحديدهم لسلسة أئمتهم الاثنى عشر، قالوا إن إمامهم الثاني عشر: أبو القاسم، محمد بن الحسن، قد اختفى، اتقاء للهلاك، في سرداب بمدينة "سامراء"، بالعراق، وأنه حي لم يمت، ولن يموت حتى يظهر فيقود شيعته لبناء الدولة الإسلامية، مالئا الأرض عدلا بعد أن امتلأت بالجور والفساد، وأنه لذلك هو "المهدي" الذي يدعون الله أن يعجل ظهوره ويزيل حرجه ويسهل فرجه.. وهم يعتبرون بقاءه حيا هذه القرون من الأمور الجائزة عقلا، الواجبة بالنصوص المروية عندهم، وأنه، في النهاية، ليس إلا إحدى المعجزات التي اختص الله بها الأئمة اختصاصه الرسل والأنبياء!..
لكن اختفاء "المهدي" وغيبته، وطول هذه الغيبة قد فرضت على الفكر الشيعي ضرورة التلاؤم مع واقع الافتقار إلى الإمام، الذي هو المرجع الأوحد في أمور الدين والدنيا، فتبنى هذا الفكر مبدأ نيابة المجتهد ـ واحدا كان أو أكثر ـ عن الإمام، وولاية هذا المجتهد على جمهور الشيعة،
وقالوا: "إنه ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ "المهدي"، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته والجهاد في سبيله والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل المسلم أبدا مكلف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية.. والمجتهد الجامع للشرائط هو نائب للإمام عليه السلام، في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس المطلق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو ـ [أي الرد على نائب الإمام] ـ على حد الشرك بالله"([19])؟!..
وعلى حين قصر بعض مجتهدي الشيعة ولاية المجتهد ونيابته عن الإمام الغائب في أمور الدين والفقه، وجعلوا شئون الثورة والدولة والسياسة مؤجلة حتى يظهر الإمام، فإن مجتهدين آخرين، وخاصة في القرون الأخيرة، قد عمموا ـ استجابة للضرورات، وخاصة بعد تطاول الزمن دون أن يظهر الإمام الغائب ـ قد عمموا ولاية الفقيه المجتهد في كل ما هو للإمام، وقالوا: "إن المجتهد ليس مرجعا في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصاته، ولا يجوز لأحد أن يتولاها دونه، إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلا بأمره وحكمه، ويرجع إليه في الأموال، التي هي من حقوق الإمام ومختصاته"([20])
ويقولون: "إنه إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع ما كان يليه النبي، صلى الله عليه وعلى آله، منهم.. وهو يملك من أمر الإدارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين، وواجب أن يسمعوا له ويطيعوا.." وهم يروون عن أئمتهم حديثا نبويا يجعلونه سندا في عموم ولاية المجتهد والفقيه، يقول فيه الرسول، صلى الله عليه وسلم ـ فيما يرويه علي بن أبي طالب ـ " "قال رسول الله ، صلى الله عليه وعلى آله: اللهم ارحم خلفائي [قالها ثلاث مرات] قيل: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون من بعدي، يروون حديثي، وسنتي، فيعلمونها الناس من بعدي.."([21])
هكذا جعلت الشيعة الإمامة أصل الدين، قاستها على النبوة، وحصرت في الإمام أمور الدين والدنيا، ثم تسلسل الإثنى عشرية بأئمتهم حتى الثاني عشر، فلما غاب أحلوا مجتهديهم في النيابة عنه، ومنح تيار منهم هؤلاء المجتهدين سلطان الإمام وسلطاته، فجعلوا لهم الولاية العامة، في الدين والدنيا، حتى لقد جعلوا الراد على المجتهد رادا على الإمام، أي رادا على الله.. أي مشركا بالله!.. وهم في هذا متسقون تماما مع العقيدة التي تجعل الإمامة دينا، وأصلا من أهم أصول الدين!.
ولقد كان واضحا لدى الشيعة، ولدى خصومهم، أنهم يناصبون فكرة "الشورى" في السياسة ونظم الحكم عداء شديدا، لأنهم يجعلون المرجعية للإمام دون الأمة، وتعيين الإمام لله دون الناس، ويجعلون من عصمة الإمام حاجزا دون نقده أو مخالفته، حتى لقد جعلوا الرد عليه شركا بالله.. ولقد كان مفكروهم صرحاء في الاعتراف بذلك، فلم ينفوه أو ينكروه، بل دافعوا عنه وبرروه، عندما قالوا: إن الفرد ـ غير الإمام ـ يجوز عليه الخطأ والسهو والنسيان والضلال، والأمة، في مجموعها، ليست سوى جمع هؤلاء الأفراد الذين تتكون منهم، فما جاز على الفرد منها يجوز على جميعها ومجموعها، ومن هنا، حتى يحفظ الله دينه كان لابد من معصوم ثقة حجة قيم، حتى على الدين والقرآن، وهو الإمام...
ووفق عبارة أبي جعفر الطوسي [385ـ 460هـ / 995ـ 1067م] فإن "شريعة نبينا لابد لها من حافظ.. ولا يخلو الحافظ لها من أن يكون: جميع الأمة، أو بعضها.. وليس يجوز أن يكون الحافظ لها الأمة، لأن الأمة يجوز عليها السهو والنسيان، وارتكاب الفساد، والعدول عما علمته.. وإن ما جاز على آحادها جائز على جميعها، من حيث لم يكن إجماعها أكثر من انضمام آحادها بعضها على بعض.. وإذا كانت العصمة مرتفعة من كل واحد على انفراد، فيجب أن تكون مرتفعة عن الكل.. فإذن، لابد للشريعة من حافظ معصوم، يؤمن من جهته التغيير والتبديل والسهو، ليتمكن المكلفون من المصير إلى قوله، وهو الإمام.."([22])
هذا على حين جعل خصوم الشيعة العصمة للأمة، عند اجتماعها، لا للفرد الإمام، وقالوا إن اجتماع الأمة يجعل لفكرها ورأيها وزنا، بل عصمة، لأن اجتماعها إنما يمثل حالة "كيفية" تختلف تماما عن حال أفرادها إذا نظرنا إليهم فرادى متفرقين، وضربوا الأمثلة على ذلك.. فقطرة الماء لا تروي، لكن مجموع القطرات، بماله من الاجتماع، يروى.. وكذلك لقمة الخبز لا تشبع، لكن مجموعها يشبع، والشعرة الواحدة لا تغني، لكن مجموعها يثمر الحبل المتين.. الخ.... ففرق بين حال الفرد وإجماع المجموع، وليس الإجماع مساويا لعدمه، لأن اجتماع الأمة لا يعني جمع مجموعة من الأصفار!..
أما صفات الإمام عند الشيعة، فمنها:
أولا: صفات يجب أن يتصف بها من حيث كونه إماما، وذلك مثل كونه معصوما، وكونه أفضل الخلق على الإطلاق. والفضل هنا فضل في الدين والمرتبة الدينية والدرجة عند الله، بالقياس إلى غير الأئمة من عباد الله.
وثانيا: صفات يجب أن يتصف بها بحكم المهام التي يتولاها، وذلك مثل علمه بالسياسة، وبجميع أحكام الشريعة، وكونه حجة فيها، وكونه أشجع الخلق([23])..
وبسبب من كون الإمامة، عند الشيعة، مقيسة على النبوة، فإن صفات الإمام هذه، عند الشيعة،تتجاوز مستواها عند البشر العاديين،من جمهور الأمة،عامتهم وخاصتهم.. فهو معصوم ، لأن للإمامة مهام دينية أساسية.. فالنبي يبلغ الشريعة، والإمام حافظ لها وحجة لها وفيها، وكما تلزم العصمة للمبلغ في التبليغ وما يتعلق به، كذلك تلزم للحافظ في الحفظ وما يتعلق به.
هذا على حين يرى غير الشيعة أن الإمام ما هو إلا منفذ للأحكام، قائم بمصالح الدنيا، مثله في ذلك مثل الحكام والأمراء والولاة، فعليهم يقاس، وليس قياسه على النبوة والأنبياء.. أما الشريعة عندهم فهي محفوظة بالرواية،والرواية موضع ثقة، لأن الأمة التي روت وأجمعت هي المعصومة، وهي التي قال عنها نبيها، صلى الله عليه وسلم: إنها لا تجتمع على ضلالة..
والعلم، كصفة من صفات الإمام عند الشيعة، هو علم غير محدود.. وهو لازم للطبيعة الدينية لمهمته، وقبس من السماء يأتيه عن طريق "روح القدس" التي تلهمه إلهاما، والتي تقوم، بالنسبة له، مقام الوحي بالنسبة للأنبياء.. فالسماء "تُفَهِّم الإمام وتُحَدّثه وتنكت في أذنه" بواسطة روح القدس فيعلم ما يريد أن يعلمه، بل ويعلمه دون معلم أو تعلم!.. فهو "إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله بذلك.."([24]).
وكما يقول المجتهد الشيعي الإمامي محمد رضا المظفر: فإن الإمام "يتلقى المعارف والأحكام الإلهية وجميع المعلومات من طريق النبي أو الإمام من قبله، وإذا استجد شيء لابد أن يعلمه من طريق الإلهام بالقوة القدسية التي أودعها الله تعالى فيه، فإن توجه إلى شيء وشاء أن يعلمه على وجهه الحقيقي لا يخطأ فيه.. إن قوة الإلهام عند الإمام، التي تسمى بالقوة القدسية، تبلغ الكمال في أعلى درجاته، فيكون في صفاء نفسه القدسية على استعداد لتلقي المعلومات في كل وقت وفي كل حالة، فمتى توجه إلى شيء من الأشياء وأراد معرفته استطاع علمه بتلك القوة القدسية الإلهامية بلا توقف، ولا ترتيب مقدمات، ولا تلقين معلم وتنجلي في نفسه المعلومات كما تنجلي المرئيات في المرآة الصافية، لا غطش فيها ولا إبهام، ويبدو واضحا هذا الأمر في تاريخ الأئمة، لم يتربوا على أحد، ولم يتعلموا على يد معلم، من مبدأ طفولتهم إلى سن الرشد، حتى القراءة والكتابة، ولم يثبت عن أحدهم أنه دخل الكتاتيب أو تتلمذ على يد أستاذ في شيء من الأشياء،مع ما لهم من منزلة علمية لا تجارى، وما سئلوا عن شيء إلا أجابوا عليه في وقته، ولم تمر على ألسنتهم كلمة: "لا أدري"، ولا تأجيل الجواب إلى المراجعة أو التأمل، أو نحو ذلك!!"([25])
و "روح القدس "، هذا الذي جعله الشيعة صلة قائمة ودائمة بين السماء وبين الإمام، هو الذي "حمل النبي به النبوة، فإذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار للإمام!!"([26]) .. كما يقول الكليني..
هذه هي صفات الإمام عند الشيعة.. الذين قاسوا الإمامة على النبوة، فوصفوا الإمام بصفات النبي، بل لعلهم قد بلغوا بالأئمة ما لم يبلغ غيرهم بالأنبياء!..
ولقد كان طبيعيا للإمام المعصوم، وهذه هي صفاته وتلك هي قدراته، أن تكون له سلطات لا تعرف الحدود ولا القيود.. والشيعة يؤصلون عموم سلطات الإمام وشمول سلطانه بما يضاف في بعض روايات "حديث الغدير" من أن وضع النبي، من حيث كونه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، هو للإمام، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فله في الأنفس وفيما لدى الأنفس أكثر وأولى مما لهذه الأنفس ذاتها في ذاتها؟!..
وكمثال على ماله في المجتمع من سلطات وسلطان، فإن له، عندهم، "الملكية" الحقيقية ـ وبعضها "ملكية الرقبة" ـ فيما لدى الأمة من أموال، أقلتها الأرض أو استكنت في باطنها، وما للناس لا يعدو "حق المنفعة" في مقادير مما بأيديهم!.. وهم يروون في آثارهم: "أن الدنيا كلها للإمام، على وجه الملك، وأنه أولى بها من الذين هي في أيديهم!".. وفي الأحاديث التي رووها عن أئمتهم، منسوبة إلى الرسول، نقرأ قوله، عليه الصلاة والسلام: "خلق الله آدم، وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول الله، وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد".
كما يروون عن الإمام جعفر الصادق قوله: "إن جبريل كرى [أي استحدث] خمسة أنهار: الفرات، ودجلة، ونيل مصر، ومهران، ونهر بلخ، فما سقت أو سقي منها فللإمام، والبحر المطيف بالدنيا للإمام!.. والأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا.. وكل ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون حتى يقوم قائمنا ـ [أي المهدي] فيجبيهم طسق ـ [الوظيفة من الخراج] ـ ما كان في أيديهم، وأما ما كان في أيدي غيرهم فإن كسبهم من الأرض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الأرض من أيديهم ويخرجهم صفرة! ـ [أي يخرجهم جوعى مرة واحدة!] .."..
كما يروون عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي قوله: "إن الأرض كلها لنا، فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها، وليؤد خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها.. حتى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها، ويخرجهم منها .. إلا ما كان في أيدي شيعتنا فإنه يقاطعهم على ما في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم"([27])
فكل ما في الدنيا هو للإمام..وهذا مثال لما له في الناس، وما لدى الناس، من سلطات وسلطان.
وغير الشيعة قد يرون فيما تصف به الشيعة إمامها، وما يقررون له من سلطات الكثير من المغالاة، بل والشطط،. لكننا نرى كل ذلك طبيعيا ومتسقا مع رأى الشيعة في القضية الجذرية التي أثمرت الخلاف والتناقض بينهم وبين غيرهم.. قضية اعتبار الإمامة من أصول الدين، بل من أهم هذه الأصول، وقياسها على النبوة، وليس على الولايات والإمارات، وجعلها امتدادا للنبوة، والقول بأن لها ولصاحبها مهام دينية، اقتضت قيام صلة بينه وبين السماء...الخ.
فالذين يسلمون بالطبيعة الدينية للإمامة لن يجدوا حرجا في وصف الإمام بما وصفه به الشيعة، وفي تقرير ما قرروا له من سلطات، بل إن في ذلك كل الاتساق مع القول بالطبيعة الدينية لمنصبه.. وإلا فماذا نتصور، صفات وسلطات، لصاحب منصب تتحدث عنه أصول المذهب الشيعي الاثنى عشري فتقول: "إن دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر، لأن الجهل بهما على حد واحد.. لأن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة، والهدف الذي لأجله وجبت النبوة هو نفس الهدف الذي من أجله تجب الإمامة، وكما أن النبوة "لطف" من الله، كذلك الإمامة، واللحظة التي انبثقت بها النبوة هي نفسها اللحظة التي انبثقت بها الإمامة.. واستمرت الدعوة ذات لسانين: النبوة، والإمامة، في خط واحد، وامتازت الإمامة على النبوة: أنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة.. إن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام.."([28]) ؟؟!!..
لقد جعل الشيعة الإمامة دينا،بل أصلا من أهم أصول الدين.. ورووا في ذلك عن أئمتهم، نصوصاً ومأثورات.. ورغم انحيازهم إلى "الاجتهاد"، وعدم إغلاق بابه عندهم، إلا أن "الاجتهاد" عندهم، كما هو الحال عند غيرهم، غير جائز ولا وارد فيما هو من أصول الدين، وما رويت فيه النصوص..بل لقد اعتبروا أن ما يميزهم عن غيرهم هو أنهم قد أخذوا نصوص الدين "فتعبدوا بها"، على حين "اجتهد فيها" الآخرون.. ففي رأيهم .. "الاتجاهان الرئيسيان اللذان رافقا الأمة الإسلامية في حياة النبي منذ البدء هما:
أولا: الاتجاه الذي يؤمن بالتعبد بالدين وتحكيمه، والتسليم المطلق للنص الديني في كل جوانب الحياة..
وثانيا: الاتجاه الذي لا يرى أن إيمانه بالدين يتطلب منه التعبد إلا في نطاق خاص من العبادات والغيبيات، ويؤمن بإمكانية الاجتهاد، وجواز التصرف على أساسه بالتغيير والتعديل في النص الديني، وفقا للمصالح في غير ذلك النطاق من مجالات الحياة.."([29])
فلقد رأت الشيعة في الإمامة: دينا، وعبادة، وغيبا... فتعبدوا بما رووا فيها من نصوص، وما قدموا لبعض النصوص من تفسيرات ربطت هذه النصوص بالإمامة.. على حين غيرهم رأى في الإمام: المنفذ للأحكام والقانون، تختاره الأمة لمصالح الدنيا، أساسا، فهو القائم على منصب هو "من المصالح العامة المفوضة إلى نظر الخلق"..كما يقول ابن خلدون([30]).
فطبيعة السلطة هي الأول والآخر والأساس في هذا الخلاف والانقسام الذي أصاب الإسلام والمسلمين!
الخميني.. ونظرية الإمامة:
ليس لدى الخميني والفقهاء المجتهدين الذين زاملوه وتابعوه في الثورة الشيعية الإيرانية الحديثة جديد فيما يتعلق بنظرية الإمامة، فهم شيعة إثنى عشرية تقليديون، يخلو فكرهم من أية نظرة نقدية لتراث الشيعة القائل "بالنص والوصية" من الله للأئمة الإثنى عشر بالإمامة.. والخميني يقول: "إن الرسول، وقد استخلفه الله في الأرض ليحكم بين الناس، قد كلمه الله وحيا أن يبلغ ما أنزل إليه فيمن يخلفه في الناس، وبحكم هذا الأمر فقد اتبع ما أمر به، وعين أمير المؤمنين عليا للخلافة([31]) وكان تعيين خليفة من بعده، ينفذ القوانين ويحميها ويعدل بين الناس، عاملا متمما ومكملا لرسالته([32]) ولولا تعيينه الخليفة من بعده لكان غير مبلغ رسالته..."([33])
بل إن الخميني يذهب في تقديره لمقام "الأئمة" ذلك المذهب التقليدي عند الشيعة، والذي يراه كل من عداهم مغرقا في الغلو.. لأنه مذهب يفضل فيه أصحابه "الأئمة" على "الرسل والأنبياء"!.. لأنهم وإن قاسوا "الإمامة" على "النبوة" إلا أنهم قالوا: إن النبوة ولاية خاصة، لانقضاء زمنها، أما "الإمامة" فهي ولاية عامة، لاستمرار زمنها!..
وعن مقام " الأئمة" يقول الخميني: "إن ثبوت الولاية والحاكمية للإمام لا تعني تجرده عن منزلته التي هي له عند الله، ولا تجعله مثل من عداه من الحكام. فإن للإمام مقاما محمودا ودرجة سامية وخلافة تكوينية تخضع لولايتها وسيطرتها جميع ذرات هذا الكون!. وإن من ضرورات مذهبنا أن لأئمتنا مقاما لا يبلغه ملك مقرب، ولا نبي مرسل!. وبموجب ما لدينا من الروايات والأحاديث فإن الرسول الأعظم والأئمة كانوا قبل هذا العالم أنوارا، فجعلهم الله بعرشه محدقين، وجعل لهم من المنزلة والزلفى مالا يعلمه إلى الله!"([34])
ففي قضية نظرية الإمامة الشيعية، نجد الخميني تقليديا محافظا، ليس لديه تجديد ولا جديد..!.. لكن الجديد الذي سلط عليه هذا المجتهد المزيد من الأضواء، وبز فيه أقرانه من مجتهدي الإثنى عشرية المعاصرين كان هو:
1ـ تشخيص الواقع البائس الذي يحيا فيه المسلمون..
2ـ وإبراز تناقض هذا الواقع مع الإسلام، نهجا وفكرا..
3ـ والتركيز على "عموم ولاية الفقيه"، كموقف عملي ـ مدعم بالفكر النظري ـ يتجاوز به الشيعة الجمود الذي شل حركتهم الثورية منذ غيبة الإمام الثاني عشر..
في هذه القضايا الثلاث، قبل غيرها، وأكثر من غيرها، تتجسد الإضافات الفكرية للخميني... تلك الإضافات التي تجسدت في الثورة التي قادها الخميني بإيران!..
وبعد نجاح الثورة الشيعية في إيران سنة 1979م تحولت هذه الرؤية إلى فلسفة حكم الدولة الجديدة، وذلك عندما صيغت مواد في "الدستور الإسلامي لجمهورية إيران الإسلامية" الصادر في 24 ذي الحجة سنة 1399هـ [15 نوفمبر سنة 1979م]... لقد أقر الدستور "وصاية الفقهاء" على الأمة، وانفرادهم بالسلطة العليا في الدولة، وهيمنتهم وحدهم على أجهزة القرار والتنفيذ الخاصة بشئون الحكم، سلما كانت أو حربا!!..
* فلآية الله العظمى، الإمام الخميني "ولاية الأمر، وكافة المسئوليات الناشئة عنها.." إذ هو "القائد".. وفي حالة غيابه يتكون [مجلس القيادة] من ثلاثة أو خمسة من الفقهاء المجتهدين "المراجع"([35])..
* والمحافظة على الدستور يتولاها مجلس من الفقهاء يعينهم "الإمام الوصي"...
* وللإمام الوصي سلطات: تعيين رأس الجهاز القضائي... والقيادة العامة للقوات المسلحة، بحيث يكون من حقه وحده التعيين والعزل لرئيس أركان الجيش، والقائد العام لحرس الثورة، وتشكيل مجلس الدفاع الوطني الأعلى، وتعيين وعزل قادة القوات الثلاث بالجيش، وإعلان الحرب، والسلم، والتعبئة العسكرية، واعتماد نتيجة انتخاب رئيس الجمهورية، وحق عزله، وتقرير صلاحية المرشحين لمنصبه([36])
* كما يكرس الدستور فكرية الإثنى عشرية في "الإمامة" ـ رغم تعدد المذاهب في إيران ـ فينص على أنه ينطلق "من قاعدة ولاية الأمر، والإمامة المستمرة([37])..".. كما ينص على أن "الدين الرسمي لإيران هو الإسلام والمذهب الجعفري الإثنى عشري. وهذه المادة ـ [المادة الثانية عشرة] ـ غير قابلة للتغيير إلى الأبد؟!!.. أما المذاهب الإسلامية الأخرى ـ حنفية، أو شافعية، ومالكية، وحنبلية، وزيدية ـ فإنه يقرر لها الحرية في العبادة والأحوال الشخصية وفق فقهها([38])... مثلها في ذلك مثل الأقليات الدينية غير الإسلامية، من زرادشت، ويهود، ومسيحيين([39])!...
وهكذا نهج الدستور نفس النهج الذي حدده الخميني في كتاب [الحكومة الإسلامية].. فوضعت "ثورة الإسلام" ـ التي اتفق عليها أغلب المسلمين ـ بيد أداة لم يقل بها غير الشيعة من المسلمين!... ثم لاحت، في الممارسة، بوادر تنبئ عن أن الانحياز ليس فقط للفكر الإثنى عشري، دون غيره من فكر المذاهب الإسلامية الأخرى.. وإنما أيضا للعنصر الفارسي، دون الأقليات القومية الإيرانية الأخرى!... حتى ليحق للمرء أن يتساءل:
· أهي الثورة الإسلامية في إيران؟..
· أم أنها الثورة الشيعية الفارسية الإسلامية في إيران؟!!.
ونحن إذا شئنا أن نوجز الصياغة النظرية الشيعية لما يعنيه: "عموم ولاية الفقيه" استطعنا أن نقول: إن الفكر الشيعي يجعل للرسول كل ما لله في سياسة المجتمع وعقيدة أهله، وبعد الرسول أصبح كل ما له للإمام، وبعد غيبة الإمام فإن كل ما للإمام ـ الذي هو كل ما لله وللرسول ـ هو للفقيه!.. وذلك باستثناء أمرين اثنين:
أحدهما: أن للإمام مقاما عند الله لا يبلغه فقيه؛ بل ولا نبي ولا رسول!..
وثانيهما: أن ولاية الإمام تكوينية، يخضع لها كل أحد وكل شيء، بما في ذلك جميع ذرات الكون؟!... أما ولاية الفقيه فإن عمومها محدود "بالمقلدين" لهذا الفقيه، أي أن أقرانه من الفقهاء المجتهدين لا يلزمهم الخضوع له، لأنه مجتهد وهم مجتهدون، وله ولاية عامة وحاكمية، ولهم، مثله، عموم الولاية وسلطان الحاكمية([40])!..
لكن........ لابد للمرء من أن يتساءل: أيهما أقدر على الاقتراب من تحقيق هذه المهام:
* حكومة الفقهاء.. التي يستأثر فيها الفقهاء بالحكم، دون الأمة، بدعوى نيابتهم عن الله، وبزعم أن فقههم هو القانون الإلهي؟!..
وإذا كانت ولاية الفقيه ـ كما حددها الخميني ـ هي الحكومة الإسلامية وإذا كانت ولاية هذا الفقيه، أي حاكميته وحكومته، لا يخضع لها الفقهاء المجتهدون الآخرون، بالضرورة "لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية"([41])، بحكم أن لكل منهم سلطات الإمام، أي الرسول، أي الله... إذا كان الأمر كذلك، فمن الذي يعصم الأمة والمجتمع من تعدد "الولايات"، أي الحكومات، بتعدد الفقهاء المجتهدين ـ إن لم يكن اليوم فغدا ـ ولكل منهم "رسالة" في الفقه، هي القانون، ولكل منهم "مقلدون"، أي رعية وشعب؟!..
ومن الذي سيحمي حكومة الفقهاء هذه من العزلة عن من عدا الشيعة الإثنى عشرية داخل إيران، بحكم انحيازها المذهبي، كرد فعل لهذا الانحياز.. ومن ثم ـ ومن باب أولى ـ العزلة عن جمهور الأمة الإسلامية، الأمر الذي يتركها فريسة سهلة لأعدائها الخارجيين؟.. أو في أحسن الظروف: فريسة لخصومها الداخليين؟.. الأمر الذي يجعلها تأكل ذاتها، بعد أكلها لخصومها في المذهب والقومية، أو صراعها المنهك وإياهم!.. وما الضمان لتلافي مخاطر أن يصبح هؤلاء الفقهاء سائرين على درب الذين يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين بالفكر المذهبي، الضارب حولهم بسور من العزلة ليس له باب ؟!..
هذا... فضلا عما تؤدي إليه حكومة الفقهاء الدينية، التي تسلب الأمة حقها في الحكم والتقنين السلطة والسيادة، من العودة بالأمة إلى "العزل السياسي" الجماعي؟!.. فكأنها لم تتمرد ولم تثر ولم تقدم عالي التضحيات إلا لتستبدل "الفاشية" الدينية،بالفاشية البشرية الشاهنشاهية!.. لأن الأمر، في الواقع وفي النهاية، سيعني: سلطة موضوعة بيد إنسان، وذلك بصرف النظر عن دعوى هذا الإنسان أن مصدر سلطانه هو السماء؟.. أم الدم الأزرق؟.. أم الامتياز المالي؟.. أم القوى العسكرية؟.. أم كل هذه المصادر والأسباب!..
فهل هذا السبيل ـ سبيل حكومة الفقهاء الدينية ـ هو الذي يقترب بنا من تحقيق وتطبيق الإسلام الثوري والمجاهد؟!..
* أم حكومة الشعب.. التي تحكم به ، وله، ونيابة عنه، والتي لا تقيم "فاشية" مستبدة تحت ستار من قداسة الدين؟!.. والتي تتيح "لعود الأمة السياسي" أن ينمو ويشتد من خلال مناخ للحرية تزدهر فيه ملكات المعارضة والنقد والتفكير؟!..
إن نقد "السلطة الدينية" ـ بمقاييس أصحابها كفر أو حرام، لأنه "خطيئة دينية" وجرم في حق الله؟!.. والشيعة يقولون: إن الراد على الفقيه راد على الله!..أما نقد "السلطة المدنية" الإسلامية، فهو أمر مشروع، يأتي في إطار "الخطأ والصواب"، و "النافع والضار"...
... فأي السبيلين يتيح للأمة أن تعوض ما فاتها في عهود الكبت والقهر والاستبداد؟؟!..
... وأيهما يعين الأمة على أن تطبق في واقعها الإسلام الثوري، وتواصل الحراسة والرعاية والتطوير لهذا التطبيق؟؟!..
نعتقد أن حكومة الفقهاء الدينية هي: طريق غير مأمون إلى هدف نبيل وعظيم!.. وتلك هي الثغرة العظمى التي من الممكن أن تصبح المقبرة لهذا الهدف النبيل والعظيم!!..
[1] ـ النوبختي [فرق الشيعة] ص 3.2. طبعة استانبول سنة 1931 م. والطوسي [تلخيص الشافي] جـ1 ق2 ص109 ـ 112. طبعة النجف 1383ـ 1384هـ.
[2] ـ لويس [برنارد] [أصول الإسماعيلية] ص 83ـ 86. طبعة القاهرة. دار الكتاب العربي.
[3] ـ السيد محمد باقر الصدر [التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية] تقديم وتعليق السيد طالب الحسيني الرفاعي. طبعة القاهرة سنة 1977م.
[4] ـ القاضي عبد الجبار [تثبيت دلائل النبوة] جـ2 ص259،258. و [المغني في أبواب التوحيد والعدل] جـ ق ص 223،127. وابن المرتضى [باب ذكر المعتزلة ـ من كتاب المنية والأمل] ص4و5. و د. علي سامي النشار [نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام] جـ2 ص2. طبعة القاهرة سنة 1969م.
[5] ـ [تثبيت دلائل النبوه] جـ2 ص529،528.
[6] ـ [المغني في أبواب التوحيد والعدل] جـ20 ق1 ص323،127.
[7] ـ [باب ذكر المعتزلة ـ من كتاب المنية والأمل] ص4.
[8] ـ [خطط المقريزي] جـ3 ص262. طبعة دار التحرير. القاهرة.
[9] ـ [تثبيت دلائل النبوة] جـ2 ص 546،545.
[10] ـ [أصول الإسماعيلة] ص87 ، د. طه حسين [الفتنه الكبرى] جـ2 ص 93. طبعة القاهرة سنة 1969م.
[11] ـ [تثبيت دلائل النبوة] جـ2 ص 586.
[12] ـ ابن النديم [الفهرست] ص175. طبعة ليبزج سنة 1871م.
[13] ـ عمر رضا كحالة [معجم المؤلفين] طبعة دمشق سنة 1959م.
[14] ـ [الفهرست] ص 176،175.
[15] ـ محمد رضا المظفر [عقائد الإمامية] ص 65. طبعة النجف. دار النعمان.
[16] ـ الكليني [الأصول من الكافي] جـ1 ص 290. طبعة طهران سنة 1388هـ.
[17] ـ [تلخيص الشافي] جـ1 ق1 ص 96 هامش ـ وص 59 ، 60.
[18] ـ في تفصيل كل حجج الشيعة، وكل ردود خصومهم عليهم، أنظر كتابنا [الإسلام وفلسفة الحكم] ص 335ـ 421. طبعة بيروت، الثانية، سنة 1979م.
[19] ـ [عقائد الإمامية] ص57 ، 109. الطبعة الثالثة. بيروت سنة 1973م.
[20] ـ المرجع السابق. ص 57.
[21] ـ آية الله الخميني [الحكومة الإسلامية] ص 49 ، 56. طبعة القاهرة سنة 1979م.
[22] ـ [تلخيص الشافي] جـ1 ق1 ص 133، 134 ، 149 ، 150.
[23] ـ المصدر السابق. جـ1 ق1 ص 189.
[24] ـ [الأصول من الكافي] جـ1 ص 257.
[25] ـ [عقائد الإمامية] ص 96 ، 97 . الطبعة الثالثة.
[26] ـ [الأصول من الكافي] جـ1 ص 272.
[27] ـ المصدر السابق. جـ1 ص 407 ـ 410.
[28] ـ [تلخيص الشافي] ج4 ص 131 ، 132. [وانظر كذلك "مجموع كلام السيد المرتضى" اللوحة 63. مخطوط بالمكتبة التيمورية. دار الكتب المصرية].
[29] ـ [التشيع ظاهرة طبيعية في إطار الدعوة الإسلامية] ص 78.
[30] ـ [المقدمة] ص 168. طبعة القاهرة سنة 1322هـ.
[31] ـ [الحكومة الإسلامية] ص 42 ، 43.
[32] ـ المرجع السابق. ص 19.
[33] ـ المرجع السابق. ص 23.
[34] ـ المصدر السابق. ص 52.
[35] ـ [الدستور الإسلامي لجمهورية إيران الإسلامية] المادة 107. طبعة مؤسسة الشهيد ـ إيران ـ قم سنة 1979م.
[36] ـ الصدر السابق. المادة 110.
[37] ـ المصدر السابق. ص 14 [فقرة: "ولاية الفقيه العادل"].
[38] المصدر السابق. المادة 12.
[39] ـ المصدر السابق. المادة 13.
[40] ـ [الحكومة الإسلامية] . ص 51. [وعبارة الخميني حول هذه المسألة: "إن ولاية الفقيه على الفقهاء الآخرين لا تكون بحيث يستطيع عزلهم أو نصبهم، لأن الفقهاء في الولاية متساوون من ناحية الأهلية..".. فإذا علمنا أن ولاية الفقيه تساوي وتعني: الحكومة والسلطة العليا في المجتمع..أدركنا أي خطر يطل على وحدة الأمة من تعدد الولايات، أي تعدد الحكومات، بتعدد الفقهاء المجتهدين..]!..
[41] ـ [الحكومة الإسلامية] ص 51.

