دراسات
دراسات/العدد الثاني والستون شعبان 1429هـتطور العلاقات الإيرانية - التركية وانعكاساتها علىالمنطقة النفوذ الإيراني في العراق: طبيعته و دوره و أهدافه |
![]() الأرشيف |
الصراع على الإسلام... من الإستشراق والرحلات إلى أنثروبولوجيا المحترفين والمحليين
إلى أنثروبولوجيا المحترفين والمحليين
د.رضوان السيد
ما يعنينا أن الاستشراق كان المصدر الأول للبدايات التأمليةالانثروبولوجية في الشرق الأوسط. في تلك المرحلة كان المستشرقون (حتى منتصف القرنالتاسع عشر تقريباً) علماء للعهدين القديم والجديد، أو مبشرين، وفي أفضل الحالاتعلماء بالدراسات السامية أو هواة رومنطيقيين. ومن اجل ذلك يربط ادوارد سعيد بينالاستشراق والانثروبولوجيا ليس في النشأة؛ بل في المادة التي اعتمداها، ثم في أنهماعلمان استعماريان أو نشآ في مرحلة الاستعمار ولخدمته. لكن لا يصح الخلط في هذهالحقبة، أي مطلع القرن التاسع عشر، بين مادة العلم ومنهجه أو موضوعه.
فالانثروبولوجيا في القرن التاسع عشر علم وضعي متطور، كان بدأ بملاحظات وجمعمعلومات في أميركا الشمالية والجنوبية، في القرنين السادس عشر والسابع عشر. فهوفعلاً وليد الاستعمار، وإن حاول الاستقلال عنه في السبعين سنة الماضية. أماالاستشراق، فقد ارتبط بمحاولة الكنائس البروتستانتية ثم الكاثوليكية، أن تعرف أكثرعن موطن المسيح. وخضع التخصص منذ البداية لارغامات في مفاهيمه للحقيقة، ثم فيعلاقته بتطور العلوم التاريخية والاجتماعية، وأخيراً في علاقته بالاستعمار والسلطاتالاستعمارية. مفاهيم الحقيقة فيه خضعت لارغامات لأن صورة فلسطين والشرق كان ينبغي أن تطابق الوارد في العهدين القديم والجديد. ولهذا فطوال القرن التاسع عشر، وحتىالربع الأول من القرن العشرين، ظلت دراسات كثيرة تتراوح بين اعتبار الإسلام مسيحيةمحرَّفة أو يهودية منحرفة؛ فتريح نفسَها بذلك من الاعتراف بالتغيير في المنطقة بعدعصور الإنجيل. لكن في الوقت الذي كان الإستشراق يتعمق بين دراسة اللغات الساميةالقديمة، واستكشاف المعالم والآثار، كان العهدان القديم والجديد يتحطمان تحت وطأةالدراسات النقدية، التاريخية والأثرية والألسنية، فتنفصل الدراسات اللاهوتية،والأخرى النقدية عن الإستشراق، ويصير الإستشراق تدريجاً اختصاصاً في فيلولوجيات أوتاريخ الإسلام والشرق الإسلامي وشعوبه وثقافاته. ومع هذا الانفصال صار الإستشراقاحد العلوم التاريخية، فاقترب مرة أخرى من الانثروبولوجيا مع فارق أساس في المنهج. فالمنهج الانثروبولوجي منهج تأصيلي يفسر كل شيء بالعودة إلى الأصل المفترض رمزاً أوحقيقة أو تاريخاً، بينما التاريخانية التي تعتمد الفيلولوجيا النصية، والتطوراتالتاريخية، هي التي تسود في الاستشراق. على أن الأمر الأكثر تعقيداً يتصل بعلاقةالاستشراق بالسلطة أو بالأحرى السلطة الاستعمارية. ففي حين كانت إشكاليةالانثروبولوجيا مزدوجة أو مركبة من ازدواجين، كان هناك ازدواج من نوع آخر فيالاستشراق. في الانثروبولوجيا كان هناك ازدواج البدائي في مواجهة المتحضر،والمستعمَر في مواجهة المستعمِر. بينما كان الأبرز في الاستشراق النقيض الثاني: مستعمِر/ مستعمَر. فحتى بعد الاستقلال، كان الاستشراق يمارَس في دوائر الجامعاتالتي أنتجت الأطروحات الأساسية عن المجتمعات غير الأوروبية، وغير المتقدمةبالمقاييس نفسها. وادوارد سعيد، بل وميمي وفرانز فانون وكلاستر وغوشيه (وغيرهما منمحرري مجلة Libre) يرون أن هذه الثنائية مهمة وأساسية في فهم أطروحات الاستشراقالأساسية.
في الواقع كانت هناك محنة منهجية - إذا صح التعبير - ذلك أن الإصرارعلى تاريخانية الاستشراق، أو اعتباره جزءاً من تخصص الشرق القديم والوسيط، أو جزءاًمن تاريخ العالم، أوشك أن يُلحقه لدى الماركسيين الدوغمائيين أو الرسميين بالمراحلالأربع المعروفة، فلم يبق ما يمكن فعله. ومن جهة ثانية، فإن الإصرار على خصوصيةتاريخ الإسلام وثقافته، يدنينا مرة أخرى من اعتبار المسلمين كائنات انثروبولوجية ماخضعت للتطور التاريخي. وقد استمر هذا التجاذب والجدال، أو بعبارة أخرى التساؤل عنالاستشراق، وهل هو علم أم لا، إلى أن ظهرت مدرسة الحوليات، ومدرسة التاريخ العالمي،فصار ممكناً دراسة هذه المنطقة من العالم بطريقة سياقية لا تنافي ذاتيتُهاعالميتَها. ولعل خير دليل على ذلك دراسات مارشال هودجسون وفرنان بروديل وجانيت اولُغد. الأولى بعنوان: "مغامرة الإسلام: الوعي والتاريخ في حضارة عالمية"، والثانيةبعنوان: "البحر المتوسط في عهد فيليب الثاني". والثالثة بعنوان: "ما قبل الهيمنةالأوروبية"، وقام الباحثون هؤلاء بدراسة الحضارة الإسلامية في سياق التاريخ العالميالمزامن، أي في القرون ما بين الثالث عشر والثامن عشر للميلاد.
أوضح أنورعبد الملك في دراسته الرائدة "الاستشراق في أزمة" (1963) أن المشكلة في التخصصالاستشراقي مزدوجة.
هناك أولاً النقد الاستعماري، الذي يعتبر الاستشراق بطرائقهالفيلولوجية والتاريخانية من مواريث عصر الاستعمار. وهناك ثانياً النقد العلمي الذييعتبر أن الاستشراق لم يفد من الثورة الحاصلة في العلوم الاجتماعية والتاريخية. وجاءت دراسة ادوارد سعيد عام 1978 ساحقة لجهة أنها أثبتت (أو أقنعت بذلك) أنالاستشراق تخصص استعماري، أي انه نشأ في حضن الاستعمار، ونقل أطروحاته، أو انه حشرالإسلام والشرق في صورة أشبعت وتُشبع طموحات الغرب ومطامعه في استعمار، واستمرارامتلاك، الإسلام والعالم الإسلامي.
إن الذي لم يتنبه إليه ادوارد سعيد وأنورعبد الملك والعروي وبراين تيرنر وآخرون، انه في الوقت الذي كانوا يسعون لتحطيمالاستشراق، بحجة امبرياليته أو قصوره أو الأمرين معاً، كان ذاك التخصص أو المجاليتعرض لتفريغ واختراق تدريجيين، أفضى إلى تحوله إلى احد أربعة أمور: نزوع ألسنييبدأ بمسائل نقد النص، ويصير إلى شكل من أشكال التفكيك - أو بقاء على ما كان عليهمع تسميته نفسه دراسات إسلامية أو شرق أوسطية - أو دخوله ضمن دراسات التاريخالعالمي - أو تحوله إلى انثروبولوجيا. ولأن التوجه الرابع أو الأخير هو الأكثرظهوراً في العقدين الأخيرين، فسأقوم بتتبع بعض وقائعه وصولاً للعام 2002.
عندمابدأ ادوارد سعيد يجمع المادة لدراسته عن الاستشراق، كان إرنست غلنر يصدر دراسته عنالأصولية الجزائرية. وإذا عرفنا أن ذلك كان عام 1972 أدركنا كم كان الرجل سبّاقاً فيالاستشعار. وتوالت دراساته عن الإسلام بعد ذلك في السبعينات والثمانينات وحتى منتصفالتسعينات. وقد جمع أهمها في كتاب: "المجتمع المسلم". ومع اتساع تأثيره، كثرتلامذته أو متبنو فهمه للإسلام وتطوراته، وبخاصة بعد تفاقم ظاهرة الحركات الإسلامية،وصعود الإسلام السياسي، باعتباره يقدم نظرية جاهزة فيها شيء من التبسط والتبسيط،لتلك التطورات. وأثارت دراسات غلنر رؤى مناقضة أو مخالفة لدى أنثروبولوجيين آخرين أهمهم كليفورد غيرتز، وزملاؤه من امثال جيلسنان وأيكلمان، في حين استمرت مدرسة Libre، واستمر طلال أسد، وجيرار لكلرك، وفرد هاليداي، وسامي زبيدة، في اعتبارالانثروبولوجيا علماً امبريالياً، كما استمروا جميعاً يفسرون الظواهر في ضوء هذهالمقولة. وانفرد طلال أسد بنشر نقد جذري لأطروحة "أنثروبولوجيا الإسلام".
يرىغلنر أن الجوهر الأصلي للإسلام انه دين نصي أُخروي، يتميز بنزوع طهوري شديد. هذهالطهورية يخفف من حدتها وحروفيتها التقليد الأكثري للسُنّة في صورة توازن بينالأعراف المدينية والسلطة والعلماء. لكن في الأزمات الاجتماعية أو السياسية، وعندماتصل الأزمة إلى الثقافة، يعود النص إلى البروز، ويظهر علماء منشقون أو متشددونيتسلحون بالنص من اجل استعادة الطهورية أو البراءة الأولى. ولن تستعاد البراءةالأصلية طبعاً، لكن النص هو أساس المشروعية وليس التقليد أو مرجعية الجماعة فيالإسلام. وقد تكون الأزمة الحالية تعبيراً عن تقبل للحداثة في هذه الصيغة المعقدة،فلكي تتمكن من الثبات لا بد من أن تتغير قليلاً!
ويختلف غيرتز مع غلنر في رؤيتهالعامة للإسلام. فبحسب غيرتز لا يمكن أن يحدث تغيير ما في المجتمع أو الثقافة إذاأاخذنا برؤية غلنر حول الدورات المكرورة على النص الواحد والمجتمع الواحد مع بقاءالجوهر ثابتاً، كما يزعم غلنر. بل الأحرى القول أن المجتمع الإسلامي مثل سائرالمجتمعات موار شديد الحركة والتغير. أما البنى والثوابت البادية فهي رموز، تبقىعناوينها وتتغير معانيها، وتنقطع أو تتضاءل علاقاتها بالواقع في الأزمات، فيظهرالتشدد بسبب توتر المقدس. فليس هناك مجتمع عالمي إسلامي، بل هناك مجتمعات إسلاميةوتقاليد إسلامية متعددة لا تجمعها إلا رموز ومقدسات عليا، تظهر وحدة أو شبه وحدة فيالوعي، لكن لا علاقة في الواقع بين ما يحدث في المغرب، وما يحدث فياندونيسيا.
غلنر وغيرتز هما الشخصيتان اللتان سادتا ما عرف بأنثروبولوجياالإسلام في العقود الثلاثة، الأخيرة. وفي حين مال شبان المستشرقين في الأكثر إلىرؤية غيرتز أو رؤية كلاستر ولكلرك وطلال أسد، مضت قلة قوية باتجاه رؤية غلنر، لأنهامباشرة، ويمكن استعمالها بطريقة أسهل في حكم سريع على الإسلام. وهذا هو في الحقيقةالسبب في اختراق الانثروبولوجيا ليس للاستشراق وحسب، بل لكل العلوم التاريخية،والمنظومات التفسيرية والتأويلية. فالانثروبولوجيا تملك دعوى النظرية الشاملة التييمكنها أن تفسر كل شيء في الظاهرة أو الدين أو الثقافة. والحق أن غلنر يعرضاستثناءات كثيرة (الدولة العثمانية عنده استثناء، إذ كانت السلطة السياسية فيها - بعكس نظريته - أقوى من الثقافة أو المؤسسة الدينية)، ويتحفظ، ويضيف، ويحذف، لكن مايهم الناقلين المتسرعين عنه أو عن غيرتز الرؤية الأساسية.
على أي حال، في العام 1977 ظهرت دراستان استشراقيتان افتتحتا مرحلة جديدة في مجال تجاوز الاستشراقالكلاسيكي. أولى تلك الدراستين عنوانها: "دراسات قرآنية" لجون وانسبورو.
وثانيةتينك الدراستين اسمها: "الهاجرية" تأليف باتريشيا كرون ومايكل كوك. أما وانسبوروفيُخضع النص القرآني لمبادئ "نقد النص" وآلياته في العهدين القديم والجديد. فينتهيبه الأمر في كتابه الثاني: بيئات منقسمة (1979) إلى أنه ما كان هناك في القرنينالهجريين الأولين قرآن ولا مَن يحزنون. وأما كرون وكوك فلا يصدقان أي شيء فيالمصادر الإسلامية عن القرنين الأولين من الهجرة النبوية، باعتبار أن تلك النصوص - بما فيها القرآن - مزورة وضعها أهل السنة بعد أن صاروا إمبراطورية، أي أنالإمبراطورية العربية هي التي صنعت الدين الإسلامي ونصوصه. ولذلك يلجأ الباحثان إلىالمصادر والمراجع اليهودية والمسيحية الموروثة عن القرنين السابع والثامن للميلاد،للتعرف على الدين الإسلامي، والتاريخ الأول للإسلام! وصدرت لكرون نصوص ودراسات عدةبعد ذلك مع زملاء آخرين، أو بمفردها. وهي تأخذ عن ماكس فيبر قوله بقوة الدولة وضعفالمجتمع والثقافة في الإسلام، كما تأخذ عن غلنر القول بأصولية الإسلام ونصوصيته، أيالاستعصاء على التغيير: لكن لماذا يستعصى الإسلام على التغيير، إذا كان هو نفسهاخترع نصوصه في القرن الثاني الهجري؟ تقول كرون: لأنه إذا نحَّى النصوص هذه أوغيَّرها فسينكشف انه لم يكن ديناً متماسكاً، بل كان شراذم نصية يهودية ومسيحية،ويهودية على الخصوص.
عدّلت كرون من آرائها في العقد الأخير، واستعادت النصوصالعربية لديها سلطتها واحترامها ولغير سبب أيضاً. لكن تلامذتها وتلامذة كوكووانسبورو كتبوا في العقدين الأخيرين مئات النصوص في نقد النص القرآني أو السنَّةالنبوية أو السيرة النبوية، حيث صارت الدراسات الإسلامية في أكثر الجامعاتالأميركية والبريطانية هواجس وتخمينات و"اكتشافات" في نطاق اللامفكر فيه من قبل. فوجود النبي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) اقل ثبوتاً من الناحية التاريخية من وجودالمسيح. والسيرة النبوية تقليد لسيرة موسى أو أنها حواشٍ على القرآن كُتبت بعد ظهورالقرآن في القرن الثاني. والسنة مكذوبة كلها، وما عاد منها إلى أوائل القرن الثانيمأخوذ عن اليهود والنصارى. والفقه الإسلامي في أصوله الأولى روماني ويهودي ومحليولا علاقة له بالقرآن أو بالسنَّة!
عدّلت كرون من آرائها في العقد الأخير، واستعادت النصوصالعربية لديها سلطتها واحترامها ولغير سبب أيضاً. لكن تلامذتها وتلامذة كوكووانسبورو كتبوا في العقدين الأخيرين مئات النصوص في نقد النص القرآني أو السنَّةالنبوية أو السيرة النبوية، حيث صارت الدراسات الإسلامية في أكثر الجامعاتالأميركية والبريطانية هواجس وتخمينات و"اكتشافات" في نطاق اللامفكر فيه من قبل. فوجود النبي محمد (صلّى الله عليه وسلّم) اقل ثبوتاً من الناحية التاريخية من وجودالمسيح. والسيرة النبوية تقليد لسيرة موسى أو أنها حواشٍ على القرآن كُتبت بعد ظهورالقرآن في القرن الثاني. والسنة مكذوبة كلها، وما عاد منها إلى أوائل القرن الثانيمأخوذ عن اليهود والنصارى. والفقه الإسلامي في أصوله الأولى روماني ويهودي ومحليولا علاقة له بالقرآن أو بالسنَّة!
وما بقيت هذه الدعاوى من دون ردود طبعاً مندارسين آخرين. لكن الشديدى الايجابية من بينهم وصلوا بالأمور إلى أواخر القرنالهجري الأول، وقالوا إنهم لا يعرفون شيئاً عما حدث من أيام دعوة النبي وحتى مطلعالقرن الثاني الهجري: فما دامت النصوص الواردة باعتبارها من القرن الأول، ليستمسجلة عندما قيلت على رق أو بردي أو صخر، فمعنى ذلك أنها ليست قديمة أو منحولةومتأخرة، أو انه ينبغي التوقف من دون إثبات أو نفي.
أول مساوئ هذا التخريب طوالالعقدين الماضيين، تضاؤل العروض الجدية والشاملة عن الحقبة الإسلامية المبكرة. فالمسائل المبحوثة من القرن الأول، ومن عصر النبي والراشدين، دقيقة وتفصيلية،وتعتمد النقد والتفكيك، ليس بسبب تطورات الدراسات النصية والتاريخية وحسب، بل لسوادمقولة انه لا شيء ثابتاً من تلك الحقبة، ولا بد من إعادة النظر في كل شيء. وثانيمساوئ تلك المقولات والمقالات: تعليم الشبان من الدارسين الجدد الاستخفاف بالنصوصالمهمة والمبكّرة من مثل تاريخ الطبري أو طبقات ابن سعد أو صحيح البخاري، باعتبارهازائفة، أو لا يصح الأخذ بها على علاتها. بيد أن الأسوأ من ذلك كله مصيرالاستراتيجيين، والمختصين بالشرق الأوسط المعاصر، ومعلقي الصحف والمجلات السيارة،إلى استخدام مقولات التفكيكيين والتأصيليين باعتبارها دراسات ومقولات علمية. فقدأدت أحداث السنوات الماضية، الحافلة بالصراع على الحركات الإسلامية، وحركات الإسلامالسياسي - منذ مقتل الرئيس السادات عام 1981 وحتى أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001،والحرب على العراق أخيراً - إلى صيرورة الإسلام موضوعاً شعبياً مثيراً، مع ما يتفرععن ذلك من حديث حول طبيعته العنيفة أو الجامدة والسياسات الضرورية إزاءه، وطبائعالجاليات الإسلامية ومصائرها في الغربين الأميركي والأوروبي، ومنظر الحكوماتالعربية والإسلامية ومظهرها في الغرب. في هذه المواضيع كلها تؤخذ آراء الخبراء، وماأدراك من هؤلاء الخبراء! فقد صدرت مقالة هنتنغتون عن "صدام الحضارات" في الـ"فورينافيرز"، شتاء العام 1993 وعندما ذهبت بعدها في خريف العام 1994 إلى جامعة هارفردللتدريس، أرادني هنتنغتون أن أشارك في ندوة معه حول الموضوع، وعندما سُئل عن مصادررأيه عن الإسلام ذكر غلنر وبرنارد لويس. ولويس تاريخاني، أي انه لا يزال من أتباعالمدرسة القديمة في الاستشراق. لكنه، وبسبب الحاجات السوقية المتزايدة للتعرف علىالإسلام، كتب خلال العقد المنقضي خمسة أو ستة عروض شبه شعبية، توصل إلى النتائجنفسها التي أوصلت إليها آراء المتأثرين بالانثروبولوجيين. قال لويس مثلاً في كتابيهالأخيرين "كيف حدث الخلل؟" (2001) و"أزمة الإسلام" (2003) "إن العرب يعانون عقدة،معالمها الأساسية: رؤية فشلهم في الحاضر، ومجدهم في الماضي، وحسد الغرب لنجاحاته. وبذلك فالمرض مرضهم، ولا ذنب للغرب فيه". وقد شهدنا في كلام المحافظين الجدد،ومحرري الصحف السيّارة، والمذيعين التلفزيونيين، بعد أحداث 11 أيلول، عودة كثيفةلكتب برنارد لويس عن الإسلام والتاريخ الإسلامي. لكن السائد الآن بين المحافظينوالليبراليين على حد سواء كتابان مستندهما في شكل أساس غلنر مبسطاً إلى جانب لويس. والكتابان هما: "الإسلام المسلح ينال من الولايات المتحدة"، لدانييل بايبس، و"برجعاجي على رمال: فشل الدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة"، لمارتن كريمر. ودانييل بايبس صهيوني متطرف معروف منذ الثمانينات. وهو في كتابه عن أحداث 11 أيلولوتفكير الإسلاميين الذين هاجموا أميركا، يصل إلى أن الإسلام كله أصولي ومتطرف، لكنبعض تياراته أكثر تطرفاً من بعضها الآخر. وكما لا ينبغي من وجهة نظره تجاهل التطرفالإسلامي الخارجي في السعودية ومصر وباكستان، لا ينبغي تجاهل التطرف المنتشر بينالجاليات الإسلامية في الولايات المتحدة وأوروبا. أما كتاب مارتن كريمر فهو هجومصاعق على سائر المستشرقين الأميركيين وأساتذة دراسات الشرق الأوسط هناك، لأنهمفشلوا في تنبيه الولايات المتحدة إلى خطورة الراديكاليين المسلمين. ويرجع ذلك إلىأنهم - باستثناء برنارد لويس وكوك وكرون وبوول - واقعون تحت تأثير ادوارد سعيد،ونعوم تشومسكي. وفي أوائل العام 2002 انشأ بايبس وكريمر على الانترنت برنامجاًسمّياه: "مراقبة الكامبوس"، المقصود من ورائه تتبع ما يكتبه أساتذة الدراسات الشرقأوسطية والعلوم السياسية مما لا يعجب اليمينيين أو أنصار إسرائيل. وبايبس هو الذيأثار الضجة حول مايكل سللز، صاحب كتاب "قراءات قرآنية" الذي يستعرض فيه مختلفالتأويلات وآيات السيف في القرآن، وآيات المسالمة والموادعة، إذ زعم بايبس أن فيإبراز تعددية تفسيرات القتال والعنف في التراث الإسلامي، احتقاراً للأميركيين الذينقتلوا في 11 أيلول باسم الجهاد.
فالانثروبولوجيا تتطور وتتعدد وتتحرر من أكثرالمقولات التأسيسية التي ظهرت في المرحلة الاستعمارية. ثم إن المناهج الجديدة فيقراءة النصّ، وفي فهم العلاقات بين المتقدم والمتأخّر من النصوص والمقولات، تركتآثاراً عميقةً بين المتقدم والمتأخر من النصوص والمقولات، تركت آثاراً عميقة فيالدراسات التاريخية، وفي الصور التاريخية، وفي مفاهيم الحقيقة والواقع، ولن تبقىالدراسات الإسلامية بمنأىً عنها، في شتّى الظروف والمناهج. وأرى أن الطريقة الأنجعللتصدي لكتابة تاريخنا العقدي، والثقافي (بالفهم والاستيعاب والتجاوز) تتمثل فيالمشاركة الفاعلة والقوية في الدراسات المعاصرة والمناهج المعاصرة دونما خوفٍ أووَجَل. ويقتضينا ذلك المزيد من المعرفة بالعالَم والعصر، ووقائع الحداثة وما بعدالحداثة في العلوم الاجتماعية والإنسانية.
فالواقع أن الدراسات الإسلامية والعربيةفي المغرب ما كانت على ما يرام في ظل التاريخانية الاستشراقية، لنزعم الآن أنّ غروبالاستشراق، بالمعنى القديم، نكسةٌ لنا.
بيد أن هناك أمراً مهماً يتعلق بماشخصَهُ فوكو من علائق للمعرفة بالسلطة. فهناك صراعٌ هائلٌ منذ عقود على حاضرناومستقبلنا عرباً ومسلمين، يبلُغُ الآن إحدى ذُراه، وتُستخدم فيه كل الوسائل؛ بما فيذلك الإسلام والوعي به، والعروبة ومعناها الثقافي والسياسي. ومن هنا ينسحبُ الحاضرعلى الماضي، أو يسحبُ المهتمون والخائضون لهذا الصراع الحاضرَ على الماضي، فيبدوالإسلام الأول، بالصورة أو الصور التي يظهر فيها الإسلام الحالي والعربُ المعاصرون: الانقسام والضعف والشرذمة والتهافت على المقولات والمنظومات المتعددة والمتناقضة. ففي الحقبة بين 1957 و1967، حين بدا أن العرب قادرون على النهوض والنمو والتوحُّد،ظهرت ايجابياتٌ في دراسة التاريخ الإسلامي، وفي بيان قدرة العرب والمسلمين علىتجديد تقاليدهم، ودخول العالم المعاصر من بابه الواسع. وأذكر أن هاملتون غب وفونغرينباوم وفرتز شتيبات، هؤلاء جميعاً (بل وبرنارد لويس في كتابه "العرب فيالتاريخ")، كتبوا آنذاك في مبادرة العرب والمسلمين إلى المزاوجة الناجحة بينالحداثة والتقليد. أما مايكل هدسون، فقد انصرف إلى الكتابة في "تجديد المشروعية" فينظام الحكم لدى العرب - خارج أطروحات ماكس فيبر - تحت شعار التغيير والتجديد،والعلاقة الأخرى بين الجمهور والسلطات. واتخذت الأمور مناحيَ أُخرى منذ منتصفالسبعينات من القرن المنقضي، على وقع هزيمة العام 1967، والفشل في استثمار نتائجحرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973، واستعلاء الاستبداد، وانتشار الحروب الأهليةوايديولوجياتها وقطائعها. وكان من ضمن المتغيرات (السلبية: إذا صحَّ التعبيرالتقويمي هذا)، تعبيراً عن العلائق المتبادلة بين المعرفة والسلطة، ظهورانثروبولوجيات السلب تجاه الماضي الإسلامي: فما دام العرب على هذه الحال في الحاضر،فإن ذلك يعني أن الحال كانت كذلك في الماضي البعيد أيضاً. وبدلاً من أن يكون جمالعبد الناصر استمراراً لصلاح الدين، صار الرئيس السادات والرئيس صدام حسين استمراراًلمحمد رسول الله، وعمر بن الخطاب، ليس بالضرورة لدى غلنر أو لويس؛ بل لدىالإنجيليين الجدد، ودارسي الشرق الأوسط؛ ومن بينهم عربٌ كارهون لأنفسهم وأمتهم مثلبسام طيبي وفؤاد عجمي. فبسّام طيبي الذي كتب مقدمةً للترجمة الألمانية لكتابكليفورد غيرتز في عنوان "الإسلام بين المغرب وإندونيسيا"، نقده استناداً لأُطروحةغلنر التي بالغ في تأويلها وصولاً إلى القول بتحطُّم الإسلام لنصيته وجموده وعجزهعن التغيير والتجدد، وبذلك لفَّق بين أُطروحتي غلنر وغرتز بوعي. وله ثلاثة كتبٍأُخرى عن الإسلام تحملُ دائماً في عناوينها كلمة: الأزمة. أما فؤاد عجمي - اللبنانيالأصل، والذي اندفع باتجاه المحافظين الجدد بعد يسارية قصيرة - فقد انصبت حملاتهعلى فشل الايديولوجيا القومية العربية؛ إذ لا عربَ هناك. ثم عندما طُلب منه في خريفالعام 1993 التعليق على أُطروحة هنتنغتون حول "صدام الحضارات"، طمأنهُ إلى عدمخطورة الإسلام، لتشرذمه وانهياره وسقوطه في وجه عـواصف الحــداثة.
في مطلع شهرنيسان (ابريل) 2003 نقلت وكالات الأنباء أن الرئيس جورج دبليو بوش رشَّح دانييلبايبس، السالف الذكر، لتولّي إدارة المعهد الأميركي للسلام. والمعروف عن الرجل أنهأكبر دُعاة الحرب على العروبة والإسلام. لذلك ما بقي أحدٌ من الليبراليينالأميركيين ولا من العرب إلا واحتجّ على هذا الأمر. لكنّ بايبس سيتولى هذا المنصِبَفي الغالب، وللسبب ذاته الذي يطالب الآخرون من أجله بتنحيته! لكأنّ المحتجين لايزالون يأملون من بوش شيئاً ما، وكأنما لا يعرفون بيت الشاعر العربي:
المستجيرُبعمروٍ عند كربته كالمستجير من الرمضاء بالنار.
يقول ريتشارد انطون إن تطورأنثروبولوجيا الشرق الأوسط مر بأربع مراحل: مرحلة سيطرة المستشرقين، ومرحلة سيطرةالرحالة والإداريين السياسيين في العصر الاستعماري، أي الأنثروبولوجيين الهواة - ومرحلة سيطرة علماء الانثروبولوجيا المحترفين، وأخيراً مرحلة سيطرة الانثروبولوجيينالمحليين

