![]() |
![]() |
|
الطرق الصوفية في احتفالاتها الدينية ووظائفها السياسية/العدد الحادي والثمانين - ربيع الأول 1431 هـ |
||
بسام ناصر – السبيل الأردنية 30/1/2010 باختصار
على مدار حلقتين من برنامج "تحت المجهر" قدمهما مدير مكتب الجزيرة في القاهرة حسين عبد الغني، تم تناول ظاهرة الموالد، وزيارة قبور الأولياء، والتمسح بها، والنذر لها، وطلب العون والمدد من أصحابها، وطلب الاستشفاء عند قبور الأولياء وأضرحتهم، بعد تقديم الهدايا والعطايا لهم، الحلقة الأولى خصصت نصيب الأسد لرصد مظاهر وصور احتفاء الشعب المصري بالموالد، فهي مناسبات تعجُّ بالحركة والبهجة والاجتماع وفق طقوس معتادة مألوفة، والمصريون لهم عناية خاصة بالموالد، وهم يتفننون باحتفالاتهم في تلك المواسم والمناسبات.
أما الحلقة الثانية فاعتنت برصد وتحليل مسار الطرق الصوفية في التاريخ المصري الحديث، وإبراز طبيعة علاقاتها مع النظام السياسي، وكيف كان يتم استدعاؤها وتقويتها لمواجهة وتحجيم الحركات الإسلامية الأخرى، من خلال توجيه أتباع الطرق والمريدين لتأييد سياسات الأنظمة وتزكيتها، مع الإشارة إلى أن الطرق الصوفية كانت عبر المراحل التاريخية المتعاقبة تسير في ركاب السلطة، ولفت الأنظار إلى تعاظم الاهتمام الأمريكي بالطرق الصوفية بعد أحداث 11 سبتمبر، ودعمه لها باعتبارها تمثل الإسلام المعتدل المتسامح، في مواجهة الحركات الإسلامية الأصولية.
في تلك الحلقتين رصد وإبراز لقضيتين هامتين: أولاهما تتمثل في ما آلت إليه الطرق الصوفية في بعدها الديني، من الاهتمام والاشتغال بالمظاهر الاحتفالية، وتقزيم التصوف بحشره في طقوس وعادات تقليدية، خاوية من الروح، وفارغة من المضمون، مع ما يصاحب ذلك من مخالفات شرعية، وانحرافات عقائدية وأخلاقية، والثانية: استعداد الطرق الصوفية لكي تكون ذرعا من أذرعة السلطة، وأداة من أدواتها في معاركها وصراعاتها السياسية، مع خصومها الإسلاميين وعلى رأسهم «حركات الإسلام السياسي»، حيث تجد السلطة في الطرق الصوفية حليفا قويا لها، باستعدادتها الجاهزة لتقديم الشرعية لها، وتزكية سياستها، وحشدها لقواعد المريدين في تأييد السلطة وإعطائها الشرعية.
ولئن كان التصوف في أصوله وجذوره، موضع اختلاف كبير، وجدل عريض عند أئمة المسلمين وعلمائهم المتقدمين والمعاصرين، إلا أن ما توافق منه مع دلائل الشرع، والتزم أربابه وشيوخه في سلوكهم الأصول الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، وضوابط العلم الشرعي، فهو موضع قبول واحترام عند أئمة المسلمين وأهل العلم المعتبرين، يقول ابن تيمية في معرض كلامه عن نشأة الصوفية والتصوف وموقف العلماء منهم: «طائفة ذمت الصوفية والتصوف وقالوا إنهم مبتدعون خارجون عن السنة ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله ففيهم السابق المقرب بحسب اجتهاده وفيهم المقتصد الذي هو من أهل اليمين وفي كل من الصنفين من قد يجتهد فيخطئ، وفيهم من يذنب فيتوب أو لا يتوب، ومن المنتسبين إليهم من هو ظالم لنفسه عاص لربه وقد انتسب إليهم من أهل البدع والزندقة ولكن عند المحققين من أهل التصوف ليسوا منهم".
مظاهر الانحراف العقدي والأخلاقي عند أرباب الطرق الصوفية كثيرة ومتوافرة، وقد تضمنت حلقتي الجزيرة «موالد المحروسة» أمثلة عديدة في اجتماعاتهم المختلطة رجالا ونساء، وشد الرحال إلى قبور الأولياء وأضرحتهم، وطلب المدد والعون منهم، والنذر لهم، والذبح عند قبورهم، وطلب الاستشفاء بهم، والرقص والتمايل بما لا يليق بالذاكرين والخاشعين...
أما القضية الثانية التي برزت بوضوح، في تلك الحلقتين عن «موالد المحروسة»، فهي طبيعة العلاقة بين الطرق الصوفية والسلطة السياسة، فقد تم التأكيد على أن الصوفية عبر مراحل تاريخ النظام السياسي المتعاقبة كانت تسير في ركاب السلطة، وقد تم توظيفها في المرحلة الناصرية، وبعدها في المرحلة الساداتية، وحاليا في عهد الرئيس حسني مبارك، وأكدت بعض المداخلات على أن حاجة النظام السياسي المصري إلى توظيف الطرق الصوفية تتعاظم، في المرحلة الحالية طلبا لإضفاء الشرعية على التوريث بأسانيد شعبية دينية.
اللافت في هذا السياق مدى الاهتمام الأمريكي بالصوفية وطرقها، وخصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر، وقد كان لافتا بحق حضور المستشار الثقافي في السفارة الأمريكية في القاهرة إحدى مناسبات الموالد، وكلامه الدافئ في تشجيع الصوفية ودعم طرقها، ويبدو أن ذلك ناتج عن طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في تعاملها مع الإسلاميين على اختلاف توجهاتهم، وتباين مشاربهم، الرامية إلى توظيف قوى إسلامية ضد قوى أخرى، وفق تصنيفات مؤسسة راند الشهيرة في بحوثها ودراستها، المصنفة للإسلاميين إلى معتدلين ومتشددين، حيث يقف على رأس المعتدلين الطرق الصوفية.
لكن في معارضة من يرى أن الطرق الصوفية في اتجاهاتها العريضة والواسعة، كانت دائما توالي الاستعمار، وتكون عينا له، وتشكل ردءا لمشاريعه وسلطته، فان ثمة حقيقة تاريخية ناصعة تقول بأن العديد من رجالات التصوف، قد سطروا صفحات مشرقة من تاريخ الأمة، في مواجهة القوى الاستعمارية ومنازلتها في ميادين القتال والجهاد، وكانت لهم الأيادي البيضاء في التصدي لمشاريع الهيمنة والاحتلال الخارجي، ففي ليبيا يبرز اسم الشيخ أحمد السنوسي حفيد الطريقة السنوسية، في جهاده للاستعمار الإيطالي، ومن تلاميذه الكبار الشيخ المجاهد عمر المختار الذي سطر صفحات خالدة في مقاومة الاستعمار الإيطالي وجهاده،وفي شبه القارة الهندية يبرز بقوة اسم مولانا أحمد عرفان الشهيد، في مقاومته وجهاده للاستعمار البريطاني، وفي الجزائر تبدو بوضوح تجربة الأمير عبد القادر الجزائري في جهاده للاستعمار الفرنسي.
عبر مشاركته في ندوة عقدها موقع «إسلاميون نت» وصف الدكتور عمار علي حسن مؤلف كتاب «التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر» المشروع الأمريكي بدعم الصوفية كنموذج للإسلام المستأنس الأليف القابل للتطويع بالوهم الكبير؛ فالدين الإسلامي يقدم رؤية للعالم تتعارض بالضرورة مع أي مشروع استعماري، والتصوف يطرح نفسه باعتباره مشروعا إيمانيا؛ ما يعني ضرورة دعمه للمقاومة، وهكذا فإن الصوفية في لحظة ما قد تتصادم مع الاستعمار، ويذكر د.عمار في هذا الإطار بالمتصوفة الذين كانوا يذكرون بالليل ويرابطون على ثغور المسلمين بالنهار، ومنهم إبراهيم بن أدهم الذي توفي مرابطا، وكذلك المتصوفة الذي قاوموا الاستعمار في وسط وغرب إفريقيا، وأنشئوا على أنقاضه ممالك استمر بعضها أكثر من قرن ونصف.
وبالتالي يخلص د.عمار إلى أن الصوفية ليست تجليا واحدا، ولا يمكن وصفها بالخضوع على طول الخط.. صحيح أن الصوفية في مصر مستأنسة وتتبادل المنافع مع السلطة؛ حيث تنتج خطابا دينيا تستخدمه السلطة لمواجهة الراديكالية والإسلام السياسي مقابل الحماية التي تسبغها السلطة على الصوفية، ولكن ما يسري على صوفية مصر لا يمكن تعميمه على الصوفية ككل التي منها من حافظ على الإسلام من المد الشيوعي، ومنها من يعمل على نشر الإسلام في الغرب الآن.
ويرى د. عمار أن السبب الذي جعل صوفية مصر مختلفة هو اختلاف السياق؛ فلم يفرض على الصوفية في مصر أن تكون هي التجلي الوحيد للإسلام كما حدث في المغرب الإسلامي على سبيل المثال؛ حيث كانت توجد دائما في مصر قوى إسلامية أخرى منوط بها مواجهة الاستعمار ونشر العلوم الإسلامية، كما أن الصوفية في مصر لم تكن مستكينة على الدوام؛ فقد انخرطت الطريقة العزمية في جيش عرابي، وشاركت في ثورة 1919، وأرسلت رجالها للقتال مع الإخوان في فلسطين عام 1948.