مخطط الحشد الشعبي في العراق
الأحد 17 ديسمبر 2017

 صباح العجاج- باحث عراقي

خاص بالراصد

انتهت مسرحية داعش في العراق، وأصبح الحشد الشعبي الشيعي محرّر العراق ومنقذه، وانتهت قعقعة السلاح بتدمير المحافظات السُنية وتهجير أهلها، وظهور قوة شيعية إيرانية هي الحشد الشعبي الشيعي، وهي القوة القادمة المعدّة عسكريا وسياسيا لحكم العراق؛ وهو تكرار لمسيرة حزب الله اللبناني: محاربة إسرائيل (قوى مقاومة)، ومن ثم السيطرة السياسية على لبنان، وهذا ما تريد إيران استنساخه في العراق، من خلال الانتخابات العراقية القادمة والمتوقعة في 5/2018.

لكن الساحة العراقية تشهد اليوم صراعا بين عدّة قوى متفاوتة القوة هي:

الأولى: قوى مرتبطة بإيران؛ يقودها أربعة أشخاص: نوري المالكي، هادي العامري، أبو مهدي المهندس، قيس العامري، مع أحزابهم السياسية، وجميع هؤلاء يتبعهم الحشد الشعبي الشيعي، وسنفصل الحديث عنهم بعد قليل.

الثانية: قوة الضغط الأمريكي الذي يريد الحفاظ على مصالحه التي تباعدت عن مصالح إيران في العراق، ويمثلها رئيس الوزراء حيدر العبادي، وتتعاضد معه قوى شيعية كالتيار الصدري، ومجموعة من القوى السنية، وبعض الأكراد.

ومعلوم أن رئيس الوزراء حيدر العبادي ينتمي لحزب الدعوة، وحاصل على الجنسية البريطانية، ويطمح لولاية ثانية في الانتخابات القادمة، وهذه الأوصاف مهمة لفهم طريقة تفكيره، فالرجل شيعي ينتمي لحزب الدعوة الذي هو فقط من مثّل الشيعة وحكمها منذ الاحتلال ليومنا هذا، ممثلا بـ: إبراهيم الجعفري، نوري المالكي، حيدر العبادي. وسلوك العبادي متزن في الداخل، بين طائفته وأمريكا وأوربا، والدول العربية، فقد أرضى طائفته بكثير من القرارات، وأرضى إيران، خاصة بتسهيل ودعم الحشد الشعبي واعتباره قوة رسمية، وأرضى الأمريكان في العديد من القرارات، وفتح علاقات جيدة مع الدول العربية، وخاصة السعودية، كما أنه دعم تحالف القوى الوطنية (السنية)، وحاول أن يوجد صورة مقبولة أكثر عن حزبِه عند الشعب العراقي، وغريمه في هذه المرحلة هو نوري المالكي بالدرجة الأولى، الذي يحاول أن يسقطه أو يعطل عمله؛ هذه العداوة أدّت بالعبادي للتحالف بدعم أمريكي مع سليم الجبوري، وعدد من القوى السنية الأخرى فضلا عن التيار الصدري، العدو الكلاسيكي للمالكي، ليكوّن حكومة قوية بعد الانتخابات القادمة.

 

الثالثة: قوى تميل للدول العربية (السعودية- الأردن- قطر- الإمارات) وتركيا (4+1) التي شكّلت منذ أشهر "تحالف القوى الوطنية"، وهم خليط من سنّة الحكم، ووجوه جديدة أُدخلت في العملية السياسية.

وتحالف القوى الوطنية تشكّل بعد عدة اجتماعات غايتها توحيد الصف السني سياسيا، وإدخال وجوه جديدة في التمثيل السُني لتوحيد أو تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السنة، وأصبح له مقرات رسمية في بغداد وغيرها، واعترفت به الدولة العراقية ممثلة برئيس الوزراء حيدر العبادي، وشكل قسم منه أحزابا، وترتبط هذه القوة بالدول العربية وتركيا، وربما دُعمت سياسيا من قبل الغرب وأمريكا كمنافس لقوة إيران، صحيح أنه جاء متأخراً، إلا أنه أصبح أكبر تجمع يمثل أهل السنة.

وبرغم أنه لم يمضِ على تأسيس تحالف القوى سوى 3 شهور إلا أنه حقق أشياء جيدة وظهرت من خلاله كفاءات جيّدة يمكن أن تكون واجهة للسُنة أفضل من الرموز السابقة.

لكن مشكلة التحالف أن بعض الموجودين فيه قد يعملون مع التحالف من جهة، ومع أحزابهم وطموحاتهم من جهة أخرى، فغالب همّهم هو البقاء في العملية السياسية، فهؤلاء عملهم مزدوج.

كما أن بعض هؤلاء قد يتحالف -بتأثير أمريكي- مع العبادي في الانتخابات، ومن هؤلاء سليم الجبوري وأحزابه الثمانية التي أسسها كبديل عن الحزب الإسلامي، وبقي الحزب الإسلامي مع إياد السامرائي تحت جناح تحالف القوى الوطنية.

وموقف تحالف القوى مرتبك في هذه المرحلة تجاه الانتخابات القادمة، فجمهوره السني، لم يرجع  إلى منازله من حالة النزوح، وإن عاد فهو مشغول بترتيب أوضاعه، وإيجاد بديل مؤقت لعيشه في مناطق مدمرة، وهناك دعاية رافضة للمشاركة السياسية بسبب الغضب من سلوك السياسيين السنة تجاه النازحين ومواقفهم السلبية وحالات السرقة والفساد؛ لذلك فإن شعبية هذا التحالف محدودة، وقد لا يستطيع خلال فترة 6 شهور هي ما تبقى لموعد الانتخابات القادمة لتحقيق ما يصبو إليه من دعاية وترويج لنفسه؛ لذلك فالتحالف يرغب بتأجيلها ليتسنى له الدعاية خلال هذه الفترة ويعود أكبر قدر ويستقر من النازحين السنة.

ويبقى القول إن تحالف القوى هو أحد المعوقات لتحركات الحشد وإيران؛ ولأن التوجهات الجديدة تحمل نفسا سنيًا لا بأس به وعقلية تفاوضية لا بأس بها، وهي قريبة الآن من صانع القرار بالعراق، أي رئيس الوزراء التي تتجاذبه عدة ضغوطات محلية وإقليمية ودولية، ويطمع العبادي بأن يحصل على دعمه للبقاء أربع سنوات جديدة في رئاسة الحكومة.

نعود لتفصيل حال القوة الأولى وهي بيت القصيد في هذا المقال، فهي قوى إيرانية بامتياز وتمثل السلوك الإيراني الحقيقي، وتبقى براغماتية إيران وعلاقاتها مع حيدر العبادي كتكتيك عابر وليس خيارا استراتيجيا لها.

فالحشد الشعبي أُسّس وفق الفلسفة الإيرانية القاضية بتشكيل قوى خارج سيطرة الدولة، بحجة المقاومة / مكافحة الإرهاب (إسرائيل في لبنان، وداعش في العراق) لتصبح فيما بعد قوى عسكرية وسياسية مشروعة!

ولتحقيق فوز الحشد في الانتخابات فالمخطط أن يدخل كقوة سياسية تتبع للمالكي (ائتلاف دولة القانون)، ومعه هادي العامري (منظمة بدر)، ومن جهة أخرى تكوين جبهة تستقطب قوى بديلة تعوّض عن القوى الشيعية المنسحبة من التحالف الشيعي كالتيار الصدري، وربما "تيار الحكمة" التابع لعمار الحكيم، كما يتوقع أن يخسر تأييد إبراهيم الجعفري وفالح الفياض، وربما إياد علاوي، الذي من المرشح أن ينزل للانتخابات مع مسعود برزاني، وخميس الخنجر، أو مع العبادي.

والقوى المتوقع كسبها كتعويض عن هؤلاء هي: قوى سنية قديمة مثل مجموعة كركوك/ محمد تميم، ورئيس الوقف السني –المتوقع إقالته- عبد اللطيف الهميم، وبعض مجموعات أكراد السليمانية من بقايا الاتحاد الوطني الكردستاني المقرب من إيران، ويبقى موقف بعض القوى السنية مثل جمال الكربولي وصالح المطلك ومحمود المشهداني متأرجحا بين قائمة الحشد/المالكي وبين قائمة العبادي.

خطة الحشد الانتخابية في المناطق السُنية:

من الثابت أن القوى الشيعية ستتفرق، وستخسر إيران عدة قوى في البرلمان؛ لذلك سيكون التعويض من المناطق السُنية، وقد بدأ التخطيط لتعويض ذلك، فالحشد عسكريا لا زال متواجدًا في المناطق السنية، وهو يسعى لكسب بعض شباب السنة بإعطائهم مناصب وأسلحة وسيارات داخل المحافظات.

كما يسعى لكسب ولاء أكبر عدد من النواب السنة، لعرقلة العمل داخل مجالس المحافظات من جهة، وبرلمانيا ضد قرارات حيدر العبادي والتحالف الوطني (السني)، لصالح الحشد، وهم يدرسون اليوم عدد المقاعد التي يخططون لكسبها.

ولأن الانتخابات ستكون تحت رعاية الحشد الشعبي في المحافظات السنية أو تحت رعاية الحكومة التي يسهل على الحشد اختراقها، فإن احتمالية تزوير أصوات أهل السنة لصالح الحشد وأتباعه أمر شبه محسوم، خاصة أن الحشد يقدم وعودا للعديد من الفاسدين ورؤوس العشائر بمناصب ومستحقات مالية إذا انتخبوا أتباعه ورجالاته ممّن يضمن ولاءهم له- وما أكثرهم-، في المقابل فإن قوة التحالف الوطني (السني) حديثة التكوين ولا تملك موارد مالية تنافس الحشد.

وهي تتمنى أن تؤجَّل الانتخابات ليكون لها وقت أكبر لتعرّف الجمهور السني بنفسها، ولا تريد التـأجيل من جهة أخرى؛ لأنها ترى أنه يمنح الحشد الوقت الكافي لتفعيل مشروعه في مناطق السنة!

ومما يخطط له الحشد في حالة فوز قائمته– وهذا مستبعد- أن يشكل هو الحكومة، ويضرب بالمعارضة عرض الحائط، وفي حالة خسارته أو قلة عدد نوابه أن يعرقل برلمانيًا قرارات العبادي ويصبح هو الثلث المعطل لتكون قرارات العبادي أقرب لإيران منها إلى أمريكا أو الدول العربية.

إن وجود الحشد بشكله العسكري المكشوف أو المتستر بثياب الجيش أمر خطير على مستقبل العراق -عسكريا وسياسيا- فقد أصبح متواجدا في المناطق السنية وله أتباع من السنة، وما يفقده قوة عند الشيعة يعوضه من السنة وبعض الكرد والتركمان الشيعة خاصة في منطقة طوز خرماتو في محافظة صلاح الدين، وتلعفر في محافظة نينوى.

الحشد وخدمة المصالح الإيرانية:

معلوم أن الحشد يضمّ العديد من القيادات الإيرانية من الحرس الثوري الذين يتسترون بلباس القوات الحكومية ليمارسوا دورًا تخريبياً في المناطق السنية؛ منها استمرارية مخطط التهجير في ديالى بحجة تصفية المناطق السنية من بقايا داعش، والسيطرة على مناطق السُنة بشكل محكم لإجهاض أي قوى مناهضة للوجود الإيراني، وهو ما يمارس في مناطق الجنوب ضد البؤر الشيعة التي بدأت تتململ من سلوكيات إيران القبيحة.

كما يخطط الحشد إلى أن يهيمن على كركوك ونفطها لمنع الأكراد من أي توجه للانفصال، ولتشكيل موطئ قدم قديم جديد لإيران، ويتوقع أن يدعم الحشد وإيران العرب السنة في كركوك ضد سلوكيات الأكراد العنصرية، لكون ذلك يخدم مصلحة إيران وليس لأنهم أصحاب حق!

ويحرص الحشد على تواجده في محافظتي: نينوى، والأنبار للسيطرة على الحدود مع سوريا، والتحرك بِحُريّة بين العراق وسوريا كمحور إيراني واحد، ومنع ظهور أي قوى تعارض وجوده، أو تتحرك ضده؛ لذلك ليس مستبعدا أن يُدّعى وجود قوة لداعش أو ظهور قوى إرهابية جديدة وأنها تحارب ضدها!

التحديات التي يواجهها الحشد الشعبي:

من أبرز التحديات التي يواجهها الحشد أن تصدر قرارات ضده في العراق نتيجة الضغوط، فمثلا لمنع قوة الحشد التي أفسدت في كركوك تدخل الأمريكان وأنزلوا قوة عسكرية كبيرة، وتزايد عدد القوات الأمريكية في العراق ليصل إلى 9000 جندي، وهذا يقلق الحشد الشعبي، كما أن بعض القيادات الأربعة قد لا يكون له وجود في العراق وهو أبو مهدي المهندس، لأنه سيكون مطلوبا من قبل عدة دول خليجية وأمريكا.

ومن الممكن أن يتعرض الحشد الشعبي العراقي داخل سوريا لضربات أو قد تزج به إيران في صراعاتها، ومنها الحرب المحتملة بين حزب الله وإسرائيل.

خلاصة الكلام :

يشكل الحشد النسخة العراقية لحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن، فإيران تريد قوة عسكرية تهيمن تماما على العراق فهي لم تعد تكتفي بالقوة السياسية، كما أن الجمهور الشيعي العراقي بدأ يتذمّر ويتفلّت من التدخل والهيمنة الإيرانية؛ لذا تحاول إيران بواسطة الحشد الشعبي الشيعي أن تهيمن على العراق.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق