سطور من الذاكرة\العدد مائة وخمسة وسبعون - ربيع الثاني - 1439 هـ
ثورات الخوارج (15) قتال الأزارقة بين المهلّب وابن معمر!
الأحد 17 ديسمبر 2017

 هيثم الكسواني– كاتب أردني

 

خاص بالراصد

أشرنا في المقال السابق إلى أن المهلّب كان من القادة الذين تبنّوا سياسة النّفَس الطويل في حربِه مع الخوارج الأزارقة، فلم يكن يسعى إلى نصر سريع أو معركة خاطفة، كما أنه كان يتمتع بِبُعد النظر وحسن التخطيط، كما تجلّى ذلك في الشروط التي وضعها أمام أهل البصرة لتولّي هذه المهمة، والتي تضمن لجيوش المسلمين الاستمرار في مهمّتها وحسن الأداء.

وإذا كانت أول جولةٍ بين قائد الجيش المسلم، المهلّب بن أبي صفرة، والأزارقة الخوارج قد انتهت لصالح المهلّب، إلاّ أنه سرعان ما تعرض إلى ضربة موجعة بقيام الأزارقة باغتيال شقيقه وأحد مساعديه، المعارك بن أبي صفرة، وصلْبِه([1])، لكنّ قائدا خبيرا مثل المهلّب يعلم أنّ مهمّته ليست سهلة، وأنّ طريقه ليست مفروشة بالورود، لذا "أرسل ابنه المغيرة إلى نهر تيري([2])، حيث دفن عمّه وسكّن روْع الناس هناك"([3]).

ويلتقي الطرفان مجدّدا على أرض الأحواز، في أحد أيام سنة 65هـ، في مكان يُقال له "سولاف"، فيقتتلان قتالا شديدا، وكانت تلك أوّل معركة كبيرة بين الطرفين([4])، وفيها حمَل الخوارجُ على جيش المهلّب حملة شديدة، وكان النصرُ حليفَهم، وفرّ معظم أفراد جيش المسلمين، ولم يثبت سوى المهلّب وابنه المغيرة في جماعة قليلة من الجند.

قد خلّد الخوارج انتصارهم يوم سولاف، فقال قائلهم:

وكائن تركنا يوم سولاف منهم            أسارى وقتلى في الجحيم مصيرُها([5])

ولا يحتاج بيت الشعر هذا إلى كثيرِ عناء لإدراك حجم "التكفير" الموجود لدى الخوارج تجاه المسلمين، ولِنقارنه بموقف رابع الخلفاء الراشدين، علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، عندما قاتل الخوارج بعد أن استحلّوا دماء المسلمين، وخرجوا على جماعتهم، وعندما سُئل عنهم نفى عنهم الشرك والنفاق، وقال (قومٌ بغوا علينا)!

وبالعودة إلى المهلّب، فإنه سرعان ما استجمع قواه، وقام بتجميع جنوده، والتقى مع الخوارج من جديد على أرض الأحواز في "سِلّى وسِلّبْرى"، يقول الحموي: "والوقعة التي كانت بها كانت من أشدّ وقعة بين الخوارج والمهلّب"([6]).    

فإلى أرض المعركة أقبل الخوارج في عدّة وعتاد هائلين، بسبب ما غنموه من الأراضي التي سيطروا عليها واحتلّوها، يقول ابن كثير: "فسارَ إليهم المهلّب‏‏ -وكان شجاعاً بطلاً صنديداً-فلمّا التقى هو والخوارج أقبلوا إليه يزفون في عدّة لم يُرَ مثلها من الدروع والزرود والخيول والسلاح، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي، وقد صار لهم تحمّل عظيم مع شجاعة لا تُدانى، وإقدام لا يُسامى، وقوة لا تُبارى، وسبقٍ إلى حومة الوغى لا يُجارى"([7]).

ولعلّ ما تمتع به الخوارج –على مرّ العصور- من البأس والإقدام والشدة في القتال كان سببا لفتنة الكثير من المسلمين، الذين ظنّوا أن تلك الشجاعة والقوة دليل على الحقّ وصواب المنهج.

وعلى الرغم من أن جيش المهلّب امتاز أيضا بكثرة عدد أفراده، حيث بلغ قرابة ثلاثين ألفا([8])، إلاّ أن الهزيمة كانت من نصيبه في بادئ الأمر، فقد حمَل الخوارج على جيش المهلّب كما فعلوا يوم سولاف، "فانهزم أصحاب المهلب لا يلْوي والدٌ على ولد، ولا يلتفت أحد إلى أحد، ووصل إلى البصرة فُلاّلهم‏"([9]).

ومع وصول فلول الجيش المسلم إلى البصرة، ومعهم أنباء الهزيمة، ومُلاحقتهم من قبل الخوارج، اضطربت أحوال الناس هناك، وهرب أكثر أهلِها، بل ووصلهم نعي المهلب([10]) بعد أن أشاع الخوارج أنه قُتل لإضعاف معنويات جنده،‏ حتى خشي أهل البصرة مِن أن تُسبى نساؤهم([11]).

وإزاء ما حلّ بجيشه وفرار جنده، وقف المهلّب بمكان مرتفع، وجعل ينادي‏:‏ إليّ عباد الله، فاجتمع إليه من جيشه ثلاثة آلاف، فقام فيهم خطيباً، وذكّرهم بالصبر والثبات، وعدم الالتفات إلى المنهزمين والفارّين من جيشه.

وخلال حديثه إلى جنده، شعَر المهلّب أن تلك اللحظة هي المناسبة للهجوم على الخوارج، فجزء منهم توجّه نحو البصرة لملاحقة الفارّين من جند المهلّب، والآخرون آمنون مستريحون في معسكرهم بعد انتصارهم في بداية المعركة لا يظنون أن يَغير عليهم المهلب وجنوده، وهنا سنحت للمهلّب فكرة غريبة، وهي محاربة الخوارج بالحجارة([12])، معلّلا ذلك بأنها "تنفر الخيل، وتصرف وجوهها، وتحير الرجالة([13]) وتعقرهم"([14]).

 ولذلك قال لجنوده‏:‏ "عزمتُ على كلّ رجلٍ منكم إلاّ أخذ عشرة أحجار معه، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم، فإنهم الآن آمنون، وقد خرجت خيولُهم في طلب إخوانكم، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع إليهم خيلهم حتى تستبيحوا عسكرهم، وتقتلوا أميرهم‏.‏ ففعل الناس ذلك"([15]). ‏

كان لكلمات المهلّب وحجارته أثر بالغ في تلك المعركة، فالحجارة "جعلت تصرع الراجل، وتردّ الفارس"([16])، حتى أنشد الخوارج متعجّبين مذعورين:

أتانا بأحجارٍ ليقتلنا بها          وهل تُقتل الأقران ويحك بالحجر([17])!

هذه المعركة "سِلّى وسِلّبْرى"، والتي حدثت في شوال من سنة 66هـ، كان من نتائجها إلحاق الهزيمة بالخوارج الأزارقة، وقتلِ عدد كبير منهم، يُقدر بسبعة آلاف، وقتلِ قائدهم عبيد الله بن الماحوز، وغَنِم المهلّب معسكرهم، وحاز من أموالهم شيئاً كثيراً‏، ولم يفُت المهلّب أن يضع جنودا بينه وبين الخوارج الذين خرجوا يتعقبون جنده المنهزمين إلى البصرة، فأخذ جنودُه يختطفونهم ويقتلونهم، ومَن بقي مِن الخوارج فرّ إلى بلاد فارس، إلى كرمان وأصبهان([18]).‏

أمّا المهلّب فبقي مكانه بالأهواز حتى قدِم مصعب بن الزبير إلى البصرة، مطلع سنة 67هـ، واليًا عليها وعلى الكوفة مِن قِبل أخيه خليفة المسلمين آنذاك، عبد الله بن الزبير، رضي الله عنه.

اتخّذ مصعب قرارا باستدعاء المهلّب ليشترك معه في محاربة المختار الثقفي، الذي فشا أمره وسيطر على الحُكم في الكوفة، وعيّن ابنَه المغيرة بن المهلّب مكانَه، وكلّفه بمقاتلة الأزارقة، وكتب له في ذلك يقول: "إنك إلا تكن كأبيك، فإنك بحمد اللَّه كاف لِما ولّيت، وعليك بالجد في أمرك والحذر لعدوك"([19]).

وبعد تمكّن مصعب من هزيمة المختار وقتله سنة 67هـ، ولّى المهلّبَ الموصل والجزيرة وأذربيجان وأرمينية([20])، وقيل في تفسير ذلك إنّ مصعب بن الزبير كان يريد أن يجعل من المهلّب حاجزا بينه وبين عبد الملك بن مروان([21])، الزعيم الأموي المتمركز بالشام آنذاك، والمتربص بابن الزبير، والطامح لاستعادة مُلك بني أميّة، وخليفة المسلمين فيما بعد.

ووجد الأزارقة –بعد رجوع المهلّب إلى البصرة- أن الفرصة صارت سانحة لتكثيف نشاطهم، خصوصا أن ابنه المغيرة لم يقم بهجومات ضدّهم، لاقتصار مهمّته على ما يبدو على حماية البصرة من خطرهم([22]).

وسرعان ما عزل مصعب المغيرةَ بن المهلّب وولّى مكانَه عمر بن عبيد الله بن معمر، واليًا على بلاد فارس، وكلّفه بمقاتلة الأزارقة، حيث كانت مهمة الوالي الجديد إخراج الأزارقة من فارس كما أخرجهم المهلب من الأهواز([23]).

وقد تمكّن الوالي الجديد -في مناسبات عديدة- من تحقيق ذلك، فقد قاتلَهم وقهرهم وكسرهم وقتل منهم مقتلة عظيمة([24]) لكن في كل مرّة كان الخوارج ينسحبون ثم يعودون من جديد بعد أن يقوّوا أنفسهم([25]).

وعلى الرغم ممّا بذله ابن معمر من جهد، وما أبداه من كفاءة في قتال الأزارقة، إلاّ أنه لم يتمكّن من إلحاق الهزيمة الماحقة بهم، ويبدو أن ذلك عائد إلى الخلاف الذي كان بينه وبين أفراد جيشه، بسبب انتماء كثير منهم إلى الأزد، قبيلة المهلّب، وتثاقلهم من القتال تحت إمرة غيره أو غير إمرة ابنه المغيرة، وقد تحدّث ابن معمر عن ذلك صراحة في حديثه إلى جنوده: "إنّكم لو ناصحتموني مناصحتكم للمهلّب لرجوتُ أن أنفي هذا العدوّ، ولكنّكم تقولون قرشي حجازي بعيد الدّار خيرُه لغيرنا، فتُقاتلون معي تعذيرا"([26]).

وبسبب ذلك ظلّ ابن معمر عاجزا عن كسر الأزارقة، حيث تمكّنوا في إحدى المرّات من قطع بلاد فارس للتوجّه نحو البصرة، فلما سمع مصعب بذلك لام ابنَ معمّر "بتركه هؤلاء يجتازون ببلاده إلى البصرة"([27])، وخرج إليهم مصعب بنفسه، وتبعهم ابن معمّر، فشعر الأزارقة أنهم أصبحوا بين فكّي كماشة، فعدلوا إلى المدائن، وهناك "جعلوا يَقتلون النساء والولدان، ويبقرون بطون الحبالى، ويفعلون أفعالا لم يفعلها غيرهم"([28]).

ولم تكن المدائن المدينة الوحيدة التي ارتكب فيها الخوارج المذابح، ففي كلّ مكان كانوا يهربون إليه ينشرون فيه الخراب والقتل، ثم اتجهوا نحو الكوفة، فخرج إليهم أهلُها، فعدلوا إلى أصبهان، في بلاد فارس، وحاصروها، وواليها آنذاك عتّاب بن ورقاء التميمي، ووجد الناس مشقّة كبيرة من حصار الخوارج، وعندما أحسّ عتّاب أن الحصار سيؤدي إلى هلاكه وهلاك من معه قرّر الخروج لمقاتلة الأزارقة، فقاتلهم وتمكّن من إلحاق الهزيمة بهم، وقتل زعيمهم، الزبير بن الماحوز([29])، الذي اختاروه قائدا لهم بعد مقتل زعيمهم السابق عبيد الله بن الماحوز.

اختار الأزارقة بعد الزبير قائدا جديدا لهم هو قطري بن الفجاءة، وفي المقابل استدعى مصعب بن الزبير المهلّبَ من الموصل وولّاه قتال الأزارقة من جديد، لأنّ "أحدا لم يستطع أن يقوم مقام المهلّب في مقاومة الخوارج"([30]).

المراجع

1- ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، 1430هـ، 2009م.

2-  البلاذري، أنساب الأشراف، نسخة إلكترونية.

3-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار صادر ودار بيروت، بيروت، 1385هـ، 1965م.

4- ياقوت الحموي، معجم البلدان، دار صادر، بيروت، 1993م.

5- د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، دار المعرفة، الطبعة الثانية، 1429هـ (2008م(.

6-  د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموى، دار الطليعة، 1425هـ - 2004م.

7-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها، دار الطليعة 2007م.



[1] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 197.

[2] - نهر يقع إلى الشرق من نهر دجلة، ويمرّ بأراضي الأحواز، المحتلة حاليا من إيران.

[3] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 143.

[4] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 138.

[5] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 198.

[6] - ياقوت الحموي، معجم البلدان، المجلد الثالث، ص 232.

[7] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717.

[8] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717.

[9] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717.

[10] - ياقوت الحموي، معجم البلدان، المجلد الثالث، ص 232.

[11] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 199.

[12] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 199، ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717.

[13] - جمع راجل، أي الماشي على رجليه، خلاف الفارس.

[14] - البلاذري، أنساب الأشراف، 7/ 162، نسخة إلكترونية.

[15] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717.

[16] - البلاذري، أنساب الأشراف، 7/ 160، نسخة إلكترونية.

[17] - الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 199.

[18] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، المجلد الرابع، ص 199، ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1717.

[19] - البلاذري، أنساب الأشراف، 7/ 164، نسخة إلكترونية.

[20] - د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، المجلد الأول، ص 629.

[21] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 144 – 145.

[22] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 140.

[23] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 140.

[24] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1736.

[25] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 140.

[26] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 141.

[27] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1737.

[28] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1737.

[29] - ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1737، د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 143.

[30] - د. علي محمد الصلابي، الدولة الأموية، المجلد الأول، ص 629.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق