خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
الشيعة العرب والولاء التائه بين الأوطان وإيران
الخميس 19 أكتوبر 2017

 

 أسامة الهتيمي – كاتب مصري

خاص بالراصد

على الرغم من أن الشيعة وطيلة تاريخ الدول الإسلامية أثاروا القلاقل والتوترات لهذه الدول إلا أن هذه الدول الإسلامية المتعاقبة تحسم الموقف دائما وتنتصر، فالسنة هم التيار الغالب في الأمة.

ومنذ أن قامت الدولة الصفوية الشيعية (1501- 1740م) -والتي تزامن وجودها تاريخيا مع الدولة العثمانية- فكانت محطة خطيرة ومهمة للغاية في تحول العلاقة بين السنة والشيعة، ذلك أن إسماعيل الصفوي (1501 - 1524) أجبر أهل إيران السنة على اعتناق المذهب الشيعي فقتل منهم نحو مليون شخص خلال عملية التشييع الإجباري ومن ثم اندلعت حروب طاحنة بين الصفويين والعثمانيين، وسعى الصفويون إلى انتزاع العراق وبذل كل الجهد للتوسع على حساب الحدود العثمانية، الأمر الذي كان سببا رئيسا في وقف الفتوحات الإسلامية في أوربا آنذاك حيث اضطر السلطان العثماني إلى العودة لتأمين حدود دولته وترك الفتوحات.

كذلك فقد عملت الدولة الصفوية على التواصل مع الشيعة في العراق والعمل على استقطابهم واستمالتهم، وقد نجحت في ذلك إلى حد ما وهو النهج الذي سارت عليه الدول التي أعقبت الصفويين كالدولة الأفشارية (1736- 1796م) ثم الدولة القاجارية (1794 - 1925م) ثم الدولة البهلوية (1925-1979م)، ثم دولة الملالي المعاصرة.

وكان لسلوك بعض الشيعة المقيمين على أرض العراق والذين كان منهم من ينتمي للعرق العربي ومنهم من ينتمي لأعراق أخرى أبرزها العرق الفارسي أثر سلبي في توتر العلاقة بين كل من السنة والشيعة في العراق وكانت تقف خلفه الكثير من الأسباب السياسية المتعلقة بالنزاع بين العثمانيين والدول الشيعية المتعاقبة في أرض فارس فضلا عمّا حفظته الذاكرة العراقية من المآسي والمذابح التي شهدها أهل السنة على يد الصفويين، إذ تروي المصادر أنه لما دخل الصفويون بغداد عام 1508م قاموا بهدم ما كان فيها من قبورِ أئمة أهل السنة وذبح جماعة من علمائهم، وأعلن إسماعيل الصفوي  سب الخلفاء وقتل الكثير من أهل السنة ونبش قبر أبي حنيفة، وهو ما كان في نهاية الأمر دافعا قويا لأن يتم الطعن في عروبة شيعة العراق وولائهم خاصة وأن بعضهم كان لا يعد نفسه جزءا من الدولة، وسلك سلوكا مشينا ضدها.

لكن تسامح العثمانيين وعدم طائفيتهم هو ما كان عاملا مهما في بقاء شيعة العراق حتى اليوم، والذين ينتشرون في كل أنحاء العراق وينتمون إلى كل الأعراق، بل إن القبائل ينتسب بعضها إلى أهل السنة فيما بعضها الآخر ينتسب إلى الشيعة وهو ما يؤكد عدم صحة الروايات الطاعنة في العثمانيين والتي تزعم قيام مجازر بحق الشيعة العراقيين.

ثورة 79 والتحول المصيري

إن كنا تحدثنا في السطور السابقة عن أن الدولة الصفوية مثلت محطة خطيرة ومهمة في تاريخ العلاقة بين السنة والشيعة فإنه ليس من المبالغة في شيء القول بأن ثورة الخميني عام 1979 كانت تحولا مصيريا في هذه العلاقة، فقد اعتمد الرجل نظرية فقهية جديدة هي نظرية "ولاية الفقيه" التي تعد انقلابا على الفكر الشيعي التقليدي إذ "يغلب على الفقه الشيعي الاثنى عشري التقليدي الطابع الفردي ولم تكن مسألة الحكم والدولة من المسائل الخاضعة للبحث إلا بقدر ارتباطها بالفرد مما يتطلب ملاحقة عدد من الجزئيات المتناثرة في مسائل فقهية وعقائدية في عصور سياسية متعددة كلها تشير بوضوح تام إلى أن الفقه والفقيه الشيعي (بوظيفته الأصلية) لم يكن واردا أن يقوما بالتنظير أو التعاطي مع السلطة الزمنية إلا بوصفها موقعا مقابلا منفصلا تماما قد يمكن التعامل معه إيجاباً أو سلباً"([1]).

وفي هذا الإطار فإنه من الراسخ لدى الشيعة انتظار عودة الإمام الغائب محمد بن الحسن العسكري، الذي وبحسب الروايات الشيعية ولد عام 255هـ، غير أن والده أخفاه عام 260هـ خوفا عليه، فكانت غيبته الصغرى التي امتدت لمدة 75 سنة كان يتصل خلالها بشيعته من خلال أربعة سفراء، ثم غاب غيبة كبرى عام 329هـ([2])، غير أن المدة طالت ولم يعد الإمام الغائب، وهو ما أدى في نهاية الأمر إلى أن يقوم بعض الفقهاء الشيعة بتقديم نظريات جديدة تحل هذه الإشكالية والتي تبلورت في "ولاية الفقيه" التي التقطها الخميني وطورها لتكون سنده في إقامة دولته الجديدة.

في كتابه "الحكومة الإسلامية" يقول الخميني: "لو قام الشخص الحائز لهاتين الخصلتين (العلم بالقانون والعدالة) بتأسيس الحكومة تثبت له نفس الولاية التي كانت ثابتة للرسول الأكرم (ص) ويجب على جميع الناس إطاعته. فتوهُّم أن صلاحيات النبي (ص) في الحكم كانت أكثر من صلاحيات أمير المؤمنين (ع) وصلاحيات أمير المؤمنين (ع) أكثر من صلاحيات الفقيه, هو توهم خاطئ وباطل".

وقد تمكن الخميني عبر طرح هذه النظرية من أن يحظى بالدعم والتأييد ليكون في صدارة المشهد السياسي والديني في إيران لتصبح له كل الصلاحيات المطلقة وتكون سلطته فوق كل سلطة، غير أنه لم يكتفِ بذلك فالهدف الذي يسعى له أكبر من هذا بكثير، فبدأ يعمل على توسيع نفوذه تحت ستار مبدأ جديد أسماه "تصدير الثورة" الذي كان معناه الظاهري العمل من أجل قيام ثورات مشابهة للثورة في إيران في جميع الدول ذات النظم الاستبدادية، غير أن حقيقته التي تكشفت يوما بعد يوم هي حشد الروح الطائفية لكل شيعة الدنيا خلف قيادة الثورة المزعومة من أجل دعم إيران في مشروعها الجديد.

وبالطبع فإن هلامية الشعارات التي رفعها الخميني وثورته فضلا عن جاذبيتها في ذات الوقت كانت أحد أهم العوامل الرئيسة التي ساعدته ورجاله على النفاذ إلى الكثير من أبناء الأمة العربية والإسلامية، وليس الشيعة فحسب، وهو ما مكّنه من كسب شعبية واسعة حيث رأت فيه الجماهير المخلّص للأمة مما تعانيه، فاتسعت رقعة التشيع السياسي إلى حد دفع إيران وثورتها إلى أن تخطو الخطوة التالية للعمل على تحقيق أهدافها الخاصة وهو ما كان بمثابة بدء عملية التعري لها والتي تنبه إليها البعض فيما بقي البعض على حالة استغفاله.

وكأن إيران أدركت أن لحظة الصدام قادمة لا محالة ومن ثم فقد قدّمت نفسها للشيعة العرب وغيرهم باعتبارها قبلتهم والمدافع عنهم والقوة التي ستستعيد حقوقهم المسلوبة وترفع عنهم المظلومية التي عاشوها لقرون، فمزجت خطابها السياسي بخطاب عقدي إلى الدرجة التي يصعب فيها على الكثيرين أن يميزوا بينهما فيكون المتلقي أسيرا لكل ما تقوله إيران وتدعو إليه حتى لو كان متجاوزا للمنطق والعقل بل وللنص الديني أيضا.

إشكالية الولاء والانتماء

في تصريحات إعلامية عام 2006 قال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في سياق حديثه عن الدول العربية المجاورة للعراق: "فيه شيعة في كل الدول دي بنسب كبيرة جدا والشيعة ولاؤهم لإيران.. أغلبهم ولاؤهم لإيران.. ولاؤهم مش لدولهم المعنية"([3]) وهي التصريحات التي أثارت ضجة كبيرة وردود فعل عاصفة، سواء في العراق أو لدى بعض القيادات الشيعية في بقية البلدان، الأمر الذي دفع المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية إلى أن يصرح بأن ما تضمنه حديث مبارك حول العراق إنما يعكس قلقه البالغ من استمرار تدهور الوضع الراهن وحرصه على وحدة العراق وشعبه، بل ودفع مبارك نفسه إلى أن تصريحاته لا تحمل أي إساءة أو تشكيك في ولاء الشيعة العراقيين.

وبالطبع لاعتبارات سياسية فقد تم تمرير هذه التصريحات، خاصة وأن الدبلوماسية المصرية لعبت دورا كبيرا في احتواء تداعياتها ومن ثم فلم يتم التوقف عندها كثيرا رغم أن كلمات مبارك لامست في واقع الأمر جرحا عميقا يستشعر خطورته الكثيرون من المعنيين والقريبين من ملف الدور الإيراني في المنطقة، فالكلمات التي نطقها لسان مبارك لم تكن اعتباطية وإنما كانت انعكاسا لحالة راهنة يعيشها الكثير من الشيعة العرب، ليس في العراق فحسب بل في كل الدول التي بها شيعة حيث تتضافر الشواهد والدلائل على ذلك.

وقد سبق مبارك ملك الأردن عبد الله الثاني في نهاية عام 2004 بالتحذير من تكوّن هلال شيعي يضم إيران والعراق وسوريا ولبنان([4])، وهو ما يتجسد واقعاً على الأرض اليوم.

وحتى لا يقال إن مبارك وملك الأردن -ولانتسابهما للسنة- ربما كانا غير موضوعيين فيما قالا فإننا يمكن أن نورد كلمات لشخصية شيعية لبنانية هو السياسي محمد علي الحسيني، أمين عام المجلس الإسلامي العربي، الذي قال: "إن النظام الإيراني يسعى لـ "تضليل الشيعة العرب" عبر نظام ولاية الفقيه، فهو نظام ابتدعته إيران بغرض سياسي" مفرقا ما بين الشيعة العرب وشيعة طهران، مؤكدًا أن الشيعة العرب يتعرضون اليوم لأوسع حملة تضليل واستغلال في تاريخهم من قبل نظام ولاية الفقيه الإيراني.

واتهم الحسيني طهران بأنها تحاول عبر فكرة ولاية الفقيه: "الترويج لمعتقدات غريبة عن التراث والفكر الشيعيين واعتبار (النظام الإيراني) نفسه وليًا على هؤلاء الشيعة، مضيفًا أنه أوضح في أطروحته التي تحمل عنوان "ولاية الفقيه" بأن هذه النظرية ليست من صلب العقيدة الشيعية وأنها ليست سوى مسألة سياسية تزعم الارتكاز إلى الدين".

وأضاف: "ولاية الفقيه ليست من صلب العقيدة الشيعية، إنها مسألة سياسية إيرانية، وللتوضيح أكثر نقول: إن رفض الشيعي لنظرية ولاية الفقيه لا يخرجه من الطائفة وأن ما ينزع عنه صفة الشيعي هو نكران ما ورد في صلب العقيدة الشيعية" ومؤكدا أنه نال مبايعة من الشيعة العرب لدوره السياسي قائلاً: "تصدينا بحزم لإدعاءات ولاية الفقيه وعملنا على تنوير الشيعة على مخاطرها التي قد تودي بهم للانخراط في مخطط التمدد الاستعماري للنظام الإيراني الحالي، ونتيجة لطروحاتنا وعملنا الدؤوب مع أبناء الطائفة الشيعية في الدول العربية جاءت مبايعتنا كمرجعية سياسية لهم"([5]).

كذلك وفي مقال خطير كتبه القيادي التونسي راشد الغنوشي الذي تربطه علاقة جيدة بإيران وعنوانه "العلاقة بين الشيعة العرب وإيران" يقول: "فمن ناحية النظرية المؤسسة للدولة فليس للشيعة العرب موقف واحد من المبدأ الذي تقوم عليه جمهورية إيران مبدأ ولاية الفقيه، فمنهم من يؤمن به ومنهم من يرفضه ويقابله بولاية الأمة على نفسها، وهو ما نادى به صديقنا المرحوم العلامة مهدي شمس الدين وطوره الرئيس خاتمي، إذ نادى بالديمقراطية الإسلامية بما يفسح المجال أمام أتباع المذهب للاندماج في أوطانهم وتمحيص الولاء لها ولا يجعلهم ملزمين دينيا بقيادة الولي الفقيه صاحب السلطة العليا في "الجمهورية الإسلامية" فهم لم يختاروه وإنما كان اختياره وفقا لدستور دولة قومية، فلا يحمل إلزاما لغير مواطنيها على اختلاف دياناتهم وهو ما يحصر العلاقة في المجال الديني بمعنى مرجعية الفتوى داخل المذهب وهي ليست مرجعية واحدة بل متعددة"([6])، مما يؤكد وجود مزج بين الولاء الديني والولاء السياسي للشيعة العرب ومن ثم يكون الولاء "للولي الفقيه" الذي يقيم في إيران هو ولاء للدولة الإيرانية!

ولقد اعترف الباحثون الإيرانيون بولاء الشيعة لإيران، فالباحث حامد رضا داغاني مدير "مركز الخليج والشرق الأوسط" التابع لوزارة الخارجية الإيرانية يعتبر أن "قوة إيران الناعمة" في العراق، أي علاقاتها الوثيقة مع الشيعة في العراق مثل المرجع السيستاني ورجال الدين الشيعة العراقيين الذين درسوا في قُم كان أكبر عامل في تحقيق إيران مطامعها في العراق والمنطقة، فيما تقدّم دراسة الإيراني "كيهان بارزيجا" الباحث في مركز البحوث الإستراتيجية بطهران تصوّراً واضحاً لدور العامل الشيعي في السياسة الخارجية الإيرانية والتي تهدف لـ:

* خلق جيل جديد من النخب العراقية الصديقة لإيران ليس لديها أي خلفيات أو مشاعر عدائية تجاه إيران، أي نخب عراقية موالية بالكامل لإيران.

* إقامة تحالف إيراني عراقي يكون محوراً ومنطلقا لتشكيل ترتيبات سياسية وأمنية جديدة في منطقة الخليج"([7]).

وبالطبع فإن حديث البعض عن أن اتباع مرجع ديني معين لا يعني أن هناك ارتباطا سياسيا بالمرجع كلام لا معنى له خاصة وأنه من المعلوم أن أتباع نظرية ولاية الفقيه المطلقة تشمل الدين والدنيا والسياسة كما هو الحال بالنسبة للخميني في السابق والخامنئي الآن يرون أنه "لولي أمر المسلمين ولاية على مقلديه خارج الحدود بحيث لو أصدر حكما فعليهم اتباعه".

كذلك فإن اعتبار البعض أن التقليد للمرجعية الإيرانية لا يعني أن المقلدين أصبحوا إيرانيين بالولاء انطلاقا من أن عالم الأفكار عالم واسع وفيه قابلية للانتقال والتأثير عبر البلدان والجماعات، وبالقياس على أن الذين تبنوا مثلا أفكار المودودي في مصر لم يصبحوا باكستانيين، وأن الذين تبنوا الفكر الوهابي في الهند وباكستان وغيرهما لم يصيروا سعوديين أو أن الذين يرجعون للأزهر في إندونيسيا وماليزيا أضحوا مصريين بالولاء هو قول وقياس غير صحيح أيضا، فمرجعية هؤلاء إن كانت فهي مختلفة تماما، فهي أولا ليست مرجعية مطلقة أو أحادية حتى فيما يخص الجوانب العقدية والتعبدية، وثانيا أنها لا تمس الشأن السياسي بتفاصيله فلا يستطيع الأزهر مثلا أن يصدر توجيها سياسيا لمقلديه بشأن يتعلق بأمور بلادهم الداخلية.

وثمة نقطة أخرى تتعلق بهذه القضية ذلك أن نظرية ولاية الفقيه واعتبار الخميني الولي الفقيه الذي ينوب عن الإمام الغائب تجاوز حقيقي لما للمذهب الشيعي الذي يؤكد على أن الإمام يجب أن يكون عربيا من قريش فيما أن الرجل غير عربي، وبالطبع ليس من قريش، بل إنه كثيرا ما كان يقلل من شأن العرب اتساقا مع الثقافة الإيرانية السائدة تجاه العرب وتلك النظرة الدونية لهم ففي كتابه "الوصية السياسية الإلهية" يقول: "أنا أزعم بجرأة أن الشعب الإيراني بجماهيره المليونية في العصر الراهن أفضل من أهل الحجاز في عصر الرسول صلى الله عليه وآله، ومِن شعب الكوفة والعراق المعاصرين لأمير المؤمنين والحسين بن علي (عليهما السلام)".

 نماذج من الواقع

مما يثير الدهشة أن يحاول البعض أن يؤكد على ولاء الشيعة لأوطانهم وينتقد بشدة أي حديث عن غياب الولاء أو ازدواجيته، متذرعا بسببين: أولهما أن هذا الحديث ليس مفيدا على المستوى السياسي فاتهام الشيعة العرب بذلك يصبّ في صالح إيران ويوثق العلاقة بينها وبين هؤلاء الشيعة، ومن ثم فإن الأولى أن يمنح هؤلاء الثقة فيهم والتأكيد على أنهم جزء من الأوطان العربية، وهو مبرر منطقي في ظاهره غير أن هؤلاء يتجاهلون أن الإشكالية الكبرى تتعلق بأن الاعتقاد في الولي الفقيه يقودهم بأن يكون هذا الولي الفقيه مرجعية مطلقة في كل شيء، فالاتباع السياسي جزء من الإيمان العقدي، كما يتجاهلون أن الواقع الفعلي ينطق بهذه الحقيقة المريرة. وثانيهما أن للشيعة العرب محطات كان لهم دور إيجابي غير أنها كانت قبل ثورة الخميني 1979 والتحول المصيري.

وهنا يجدر بنا أن نرصد عددا من النماذج التي تؤكد على مسألة غياب الولاء الوطني لدى غالبية شيعة الدول العربية إذ يوجد منهم من يختلف مع إيران.

- لبنان: يبرز في هذا السياق ما تداولته مؤخرا العديد من وسائل الإعلام لمقطع فيديو يتضمن قيام أعداد كبيرة من عناصر حزب الله اللبناني وأثناء حضور الأمين العام للحزب حسن نصر الله العام الجاري بإعلان الولاء التام لمرشد الثورة الإيرانية الحالي علي الخامنئي حيث رددوا: "أقسمنا بالولاء لعلي الخامنئي" وهو قسم لا يحتاج إلى أي تأويل، إذ لو انحصر الأمر فقط على اعتبار الخامنئي مرجعية دينية لهؤلاء فإن الأمر لم يكن يستدعي على الإطلاق القسم على الولاء لكن الجميع يدرك المعنى والمغزى لهذا القسم وهذا الولاء من مليشيا عسكرية، إذ التبعية هنا مطلقة وكاملة([8]).

والحقيقة أن الأمر ليس مستغربا، فنصر الله نفسه وخلال مقطع فيديو أيضا تم تسجيله في الثمانينيات من القرن الميلادي الماضي اعتبر أن الولي الفقيه هو الحاكم الفعلي لكل البلاد الإسلامية، وهي البلاد التي يوجد بها مسلمون أينما كانوا قائلا: "بخصوص صلاحية ولاية الفقيه في تعيين الحكام ويعطيهم الشرعية في جميع البلاد الإسلامية فنعم، لأن ولايته ليست محدودة بحدود جغرافية، فولايته ممتدة بامتداد المسلمين".

وأضاف نصر الله: "إن مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين هو مشروع دولة إسلامية وحكم الإسلام وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

وبعيدا عن محاولة نصر الله دغدغة المشاعر الإسلامية بالحديث عن الدولة الإسلامية وأن لبنان جزء منها فإن الملفت للنظر كما هو واضح تأكيده على أن الذي يحكم هذه الدولة الإسلامية صاحب الزمان ونائبه الذي هو مرشد الثورة الإيرانية "الخميني" وهو ما يعني ببساطة شديدة اعتبار الخميني نائب الإمام الغائب والمنتظر، الذي بالطبع تجب طاعته في كل شيء حتى لو تعلق الأمر بتوجيهات وأوامر خاصة بلبنان التي ووفق تصور نصر الله ليست إلا جزءا من دولة الخميني.

بل إن نصر الله نفسه لا يترك مجالا للتأويل فيقول: "هذه العلاقة أيها الأخوة بالنسبة لنا فأنا واحد من الذين يعملون في مسيرة حزب الله وفي أجهزته العاملة لا أبقى لحظة واحدة في أجهزته لو لم يكن لدي يقين قاطع بأن هذه الأجهزة تتصل عبر مراتب إلى الولي الفقيه القائد المبرئ لذمة الملزم قراره.. بالنسبة لنا هذا أمر مقطوع ومُطمأن به"([9]).

وهذا الولاء هو السبب الرئيس وراء كل سياسات حزب الله اللبنانية فلم يعد ثمة شك أنه أحد الأذرع الإيرانية في المنطقة حتى أن الخامنئي قال عنه :"إن حزب الله في لبنان وشباب حزب الله مدعاة فخر للعالم الإسلامي" وهو ما يعني أن الحزب ورجاله حظوا بالرضا الكامل من قبل الخامنئي.

وكان من أهم نتائج هذا الولاء تورط حزب الله في دعم قوات بشار الأسد ومواجهة الثورة السورية على الرغم من الأخبار التي تناقلتها بعض وسائل الإعلام حول أنه لم تكن لدى الحزب في بادئ الأمر الرغبة بالمشاركة في هذا الصراع إلا أن الأوامر العليا جاءت من طهران بضرورة المشاركة فكان ما أرادت إيران ليكون الحزب الذي يدعي المقاومة والصمود إحدى أدوات إفشال انتزاع الحرية من حاكم سوريا المستبد.

- مصر: يعلم الجميع أن عدد المتشيعين فيها قليل للغاية، وأنهم لا يشكلون نسبة تذكر، ومع ذلك فإن اتهامات لاحقت هذه الأعداد بأن ولاءها أيضا لإيران، وهي الاتهامات التي كما جاءت على لسان عناصر تنتمي للتيار السلفي وآخرين من السنّة فإنها أيضا جاءت على لسان متشيعين مصريين ومن بينهم القيادي الشيعي الشاب المعروف بتشدده وتطرفه في المذهب ضياء محرم الذي اتهم صراحة شيعة مصر بأن ولاء معظمهم لإيران والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية أكثر من ولائهم لمصر، ومشيرا في الوقت ذاته إلى أن الولاء لإيران ليس من شروط التشيع كما يردد البعض([10]).

وهو نفس ما أكده ناصر رضوان، مؤسس ائتلاف أحفاد الصحابة وآل البيت، الذي قال إن الشيعي في أي دولة يحمل جنسيتها سواء دولة عربية أو غيرها ليس له ولاء للوطن بل ولاؤه لوليه الفقيه خامنئي في إيران، مدللا على ذلك بموقف شيعة مصر من التحالف العربي والعمليات العسكرية وعاصفة الحزم التي هاجموها([11]).

وتكشف العبارة التي تفلتت على لسان القيادية الشيعية المصرية رانيا العسال عن حقيقة هذا الموقف إذ قالت القيادية المشهورة باسم "بنت زينب" وفي إطار تعليقها على إغلاق مسجد الحسين بالقاهرة خلال ذكرى كربلاء: "تم الآن غلق ضريح الحسين بالقاهرة ومنع الصلاة فيه فما دموا ينكروا أن لا شيعة بمصر فلماذا هم خائفون؟ "طز بالدستور والمواطنة"([12]).

وهي العبارة التي دفعت أحد الباحثين للتعليق عليها والقول بأن هذا الحقد الظاهر ليس مستغربا لأنه قديم وأزلي تجاه مصر وشعبها عموما منذ نجاح مصر في التصدي للدولة العبيدية المسماة زورا بالفاطمية، والتي سماها العلامة جلال السيوطي بالدولة العبيدية الخبيثة فقد نجح الشعب المصري في قهر تلك الدولة وطردها بعد مقاومة هائلة استمرت ثلاثة قرون حتى رحلوا عن مصر، ومضيفا أن حقد الشيعة قديم جدا حيث نجد أن أكبر وأهم مراجعهم وهو كتاب "الكافي" لعلامتهم الكليني فيه حديث يتداولونه في عقيدتهم ينهى عن شرب ماء النيل في مصر!!([13])

- البحرين: شكلت ولا زالت قضية الولاء الوطني أزمة سياسية كبيرة لدى شيعة البحرين أو الأغلب، لدرجة أن يصرح أحد قياداتهم بأن: "الشعب البحريني الشيعي مستعد للتضحية تحت أوامر قائد الثورة الإيرانية علي الخامنئي".

وادعى صادق كاظم الجمري القيادي في ما يسمى "ائتلاف ثوار 14 فبراير" -القريب من جمعية الوفاق الشيعية- لوكالة فارس الإيرانية أن "ثورة إيران أحدثت ثورات عارمة لدى الشعوب الإسلامية بدءا من تونس ومصر إلى ليبيا واليمن والبحرين" مؤكدا أن "الشعب البحريني يعلن تضامنه مع الشعب الإيراني وسيقف إلى جانب إخوته الإيرانيين ضد أية مؤامرة ترمي إلى النيل من سيادة إيران"([14]).

وما عبر عنه الجمري هو لسان حال أكثر شيعة البحرين الذين تعود أصول بعضهم إلى إيران ويطلق عليهم اسم "العجم" والذين لا يزال كثير منهم يتحدث حتى اليوم بالفارسية بعد مضي أكثر من قرن على استيطانهم، وعلى الرغم من استعمالهم العربية في الحديث اليومي والمعاملات وهو ما يعكس مدى تجذر الطائفية لديهم، ولولا حزم السلطات لتكونت مليشيات شيعية عسكرية علنية على غرار لبنان والعراق واليمن وتجاوزت حالة الخلايا المسلحة التي تقبض عليها السلطات من فترة إلى أخرى.

- العراق: الأدلة والشواهد على الولاء لإيران حاضرة لا تخفى على ذي بصر وبصيرة، فأي متابع ولو بقدر ضئيل للشأن العراقي  يعلم جيدا حجم التدخل الإيراني في العراق، وكيف أن طهران هي صاحبة القرار الأول والأخير عبر وكلائها من الساسة والعسكريين الذين يهيمنون على الأوضاع فيه منذ الغزو الأمريكي عام 2003 حيث آثر شيعة العراق، وبناءً على فتوى موجهة من قبل مرجعية العراق علي السيستاني بعدم مقاتلة الأمريكيين، وهو ما كانت تريده إيران التي كانت تسعى للانتقام ليس فقط من صدام حسين وإنما من العراق كله الذي وقف بالمرصاد أمام مشروع تصدير الثورة، ودخلت العراق في حرب مع إيران من عام 1980 وحتى 1988 فيما عرف بحرب الثماني سنوات.

يضاف إلى ذلك فإن الكثير من الأحزاب والمكونات السياسية الشيعية تؤمن بنظرية ولاية الفقيه، ومن هؤلاء حزب الدعوة -الحزب الرئيسي الحاكم في العراق– الذي أعلن عن تبنيه للنظرية رغم أنه كان معارضا لها في السابق إذ أدرك أن ذلك يكفل له الدعم الإيراني ومن ثم البقاء في الحكم.

ويبقى وبرغم إسقاط العراق وتولي النخبة الشيعية العراقية لمقاليد الأمور السياسية أن إيران لم تأمن لتقلبات الأحوال السياسية فعملت على تأسيس ما يطلق عليه "الحشد الشعبي" والمكون من عشرات الفصائل الشيعية التي يقودها عناصر تربت وترعرعت في إيران من أمثال هادي العامري وأبو مهدي المهندس لتضمن بذلك فرض سيطرتها وهيمنتها على كل شيء في العراق حتى الجيش العراقي بعد أن أدرجت الحكومة ميلشيات الحشد الشعبي ضمن القوات النظامية.

- اليمن: ليس خافيا حجم موالاة الحوثيين لإيران رغم أنهم من الشيعة الزيدية الذين يختلفون اختلافاً جذرياً مع المذهب الاثنى عشري فيما يربطهم مع جيرانهم السنة أكثر مما يفرقهم، وخلافهم مع السنة خلاف فرعي غير أن إيران استطاعت أن تستميلهم وتحولهم –وفق تقارير كثيرة- إلى مذهبها من خلال المنح الدراسية للطلاب الزيديين إلى طهران وتحويلهم إلى الاثنى عشرية وعلى رأسهم شيخهم وإمامهم بدر الدين الحوثي ومكوثه في طهران.

وقد تمكن الحوثيون الذين أسسوا ميلشيات مسلحة من احتلال العاصمة اليمنية صنعاء والسيطرة على مؤسسات الدولة بالعديد من المناطق ثم ليكونوا فيما بعد تهديدا صريحا للمملكة العربية السعودية من ناحية الجنوب بما يخدم المصالح الإيرانية التي ترى أن المملكة عقبة كئود أمام تحقيقها.

هذه النماذج غيض من فيض، إذ يمكن أن نرصد الكثير من المواقف والتصريحات التي تشير إلى ضبابية مسألة الولاء للأوطان لدى الشيعة في عالمنا العربي وأيضا الإسلامي غير أنه يكفينا في الختام أن نورد بعض تصريحات الإيرانيين أنفسهم، والتي أشارت إلى هذا فلقد اعتبر مثلا مندوب مدينة طهران في البرلمان الإيراني علي رضا زاكاني والمقرب من المرشد الإيراني علي خامنئي: "أن العاصمة اليمنية صنعاء أصبحت العاصمة العربية الرابعة التابعة لإيران بعد كل من بيروت ودمشق وبغداد، مبيناً أن ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية"([15]) وهو التصريح الذي يعني بوضوح لا لبس فيه أن القائمين على ما أسماه زاكاني بالثورة من أتباع إيران والموالين لها.



[1] - نظرية ولاية الفقيه وتداعياتها في الفكر السياسي الإيراني المعاصر، شفيق شقير، على الرابط: http://www.aljazeera.net/specialfiles/pages/b89d2831-2b46-462f-9b5c-776d1b0edd80

[6] - رابط المقال: http://cutt.us/i63oj

[7] - ولاء الشيعة لمن، حقائق مغمورة وأوهام منثورة، عبد العزيز بن صالح المحمود، على الرابط: http://www.alrased.net/main/articles.aspx?selected_article_no=3397

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق