خديعة الممانعة الإيرانية حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (8) مستقبل الطائفية في الشرق الأوسط وتحديات المجال السني: قراءة في تقرير مؤسسة راند سياسة إيران تجاه دول الجوار ثورات الخوارج (14) أمرٌ ما لَهُ غير المهلّب! قالوا - العدد مائة وأربعة وسبعون - ربيع الأول - 1439 هـ الأردن وإيران: أين المشكلة لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ أين نسخة صحيح البخاري؟ مظلومية أهل السنة في إيران (6) اعتداء نظام الملالي على المساجد والمدارس الدينية التدين والإلحاد في استطلاعات الرأي التنمية.. سلاح لمحاصرة «داعش أفريقيا» العودة إلى ما بعد اغتيال الحريري وماقبل حرب 2006: سلاح حزب الله القرارات السعودية تربك النظام الإيراني بعد المعونات الإيرانية هل تنحاز الفصائل الفلسطينية إلى محور إيران في أي حرب مقبلة ؟؟؟ بوتين!! من أين لك هذه الجرأة؟ بين لبنان والسعودية... إنه اليمن يا عزيزي تأخير كشف «وثائق أبوت آباد» يثير تساؤلات حول الاتفاق النووي حسابات متداخلة: أزمات متعددة في مواجهة أحمدي نجاد كيف يسيطر الحوثي في اليمن؟ التداعيات الأمنية للعقوبات الأمريكية على حزب الله من يكتب تاريخ البحرين؟! هل رهنت تركيا دورها في العراق بالنفوذ الإيراني؟ يحيى الحوثي... محاضراً! محمد المنتصر الإزيرق.. نفخ الروح في التصوف السوداني خرافة المظلومية الشيعية في العراق (1) زمن الدولة العثمانية
 
المرأة وتناقضات الحداثة
الخميس 22 يونيو 2017

 

 فاطمة عبد الرءوف– كاتبة مصرية

خاص بالراصد

يروّج الكثير من مثقفينا لمشروع الحداثة باعتباره المشروع الذي انتقل بأوربا من عصورها الوسطى المظلمة لعصر الأنوار، ويرون أن الخروج من حالة التخلف الاقتصادي والحضاري لا يكون إلاباتباع خطوات التحديث الغربية، وفي قضية المرأة تحديدا يتم التبشير بقيم الحداثة باعتبارها المخلص الذي سيرفع عن كاهل المرأة المظالم التي تعيشها على المستوى الخاص والعام.

هذا الترويج للمشروع الحداثي ليس جديدا، فقد شهد القرن العشرين الكثير من المعارك الفكرية الشرسة والصريحة من أنصار مشروع الحداثة والتنوير، ويكفي في هذا الصدد أن نذكّر بالمقولة الشهيرة التي أطلقها الدكتور طه حسين: (السبيل إلى ذلك -أي إلى النهضة والحداثة- ليست في الكلام يُرْسَل إرسالا ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هي واضحة بيّنة مستقيمة ليس فيها عِوَجٌ ولا التواء، وهى واحدةٌ فَذَّةٌ ليس لها تعدد، وهى أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا، ولنكون لهم شركاءَ فى الحضارة خَيْرِها وشَرِّها، حُلْوِها ومُرِّها، وما يُحَبّ منها وما يُكْرَه، وما يُحْمَد منها وما يعاب)([1])، وأول ما حاولوا السير على طريق الأوربيين كان ذلك في مجال  الحياة الاجتماعية والأسرية وقضايا المرأة في المجتمع.

وإذا كان القرن العشرين شهد جدلا ساخنا لتغيير وضع المرأة كي تسير على طريق الأوربيات في الحداثة وهو ما تجلى في كتاب قاسم أمين "المرأة الجديدة" أي المرأة الحداثية فإنه قد شهد أيضا بدء أهم تطبيقات الحداثة وهي القطيعة مع التراث، وهو لفظ فضفاض يشمل الكثير من الملفات على رأسها الدين، ففي مجال وضعية المرأة في الدين الإسلامي جاء مؤلّف منصور فهمي "أحوال المرأة في الإسلام" كمحاولة تفكيكية منه لمنهجية الإسلام في التعامل مع المرأة، وعلى الرغم أن المؤلف كتب بالفرنسية وتحت إشراف المستشرقين ومنع لفترة طويلة من الترجمة للعربية إلا أنه وعلى المستوى الفكري أكثر خطورة بكثير مما كتب قاسم أمين الذين انتقد العادات والتقاليد بينما صوّب منصور فهمي مدافعه وبشكل مباشر للدين ذاته وبصراحة تامة.

تصدّت التيارات الإسلامية بمدارسها المختلفة لكشف عوار الحداثة وللدفاع عن منهجية الإسلام في التعامل مع القضايا الاجتماعية وقضايا النساء لكن وبالتأكيد فالمعركة لم تكن سهلة، فبينما انحازت القاعدة النسائية العريضة للمشروع الإسلامي على تفاوت في ذلك بين البلدان المختلفة وتفاوت أيضا في المراحل التاريخية، فبينما شهدت بداية القرن تمسك النساء بالدين بطريقة تقليدية ترتبط كثيرا بالعادات والأعراف ربما لضعف التعليم الذي كانت تتلقاه النساء عموما واستطاع تيار الحداثة أن يفرض أجندته في أواسط القرن المنصرم بعد أن استطاع رواده كأحمد لطفي السيد ومصطفى فهمي وطه حسين من الإمساك بمقود التعليم وتوجيه الوعي النسائي (مع عدم إغفال دور ونشاط الحركات النسوية بالطبع) وشهدت نهايات القرن معارك حامية الوطيس بفعل عولمة الحداثة فأصبحت هناك المؤتمرات الأممية النسوية كمؤتمر بكين وتوابعه وأصبحت ثمة وثائق أممية ملزمة للدول كاتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة "السيداو" وما تلاها ولا يمكن إغفال الدعم المادي اللامحدود الذي تلقته مؤسسات ومنظمات المرأة الحداثية من الولايات المتحدة ومن الاتحاد الأوربي، ولكن المفارقة الواضحة في نهايات هذا القرن أن القاعدة النسائية المتعلمة الواعية اختارت -وبعيداً كل البعد عن العادات والتقاليد وبطريقة حرة تماما- المنهج الإسلامي بشموله وتكامله ووسطيته.

وعلى الرغم من ذلك واصل أنصار الحداثة في بلادنا التكريز باسمها، ولم يتقبلوا الهزيمة أو الرفض الشعبي لمشروعهم، خاصة في الأوساط النسائية ولعل السبب الرئيس في ذلك أنهم ليسوا وحدهم في هذه المواجهة فالنظام العالمي الجديد الذي يتشكل يدعم بكل قوة هؤلاء المثقفين الذين يبشرون بأطروحته، والذين لا يجدون غضاضة في الاستقواء بهم والاستعلاء على القاعدة الجماهيرية وخياراتها وهو تناقض حاد بين الممارسة والتنظير.

والحقيقة أن المشروع الحداثي التنويري بوجه عام وفيما يتعلق بقضايا النساء بوجه خاص يعتريه الكثير من التناقضات مع الحداثة والأسس التي تقوم عليها، تدور السطور القادمة لبيان التناقضات فيها مع إسقاط وتطبيق ذلك على قضايا المرأة.

الحداثة

على الرغم من أنه ليس هناك تعريف ثابت وواضح تمام الوضوح لمصطلح الحداثة حيث (يأخذ مفهوم الحداثة La Modernité مكانه اليوم في حقل المفاهيم الغامضة. وإذا كان هذا المفهوم يعاني من غموض كبير في بنية الفكر الغربي الذي أنجبه، فإن هذا الغموض يشتد في دائرة ثقافتنا العربية ويأخذ مداه ليطرح نفسه إشكالية فكرية هامة تتطلب بذل مزيد من الجهود العلمية لتحديد مضامينه وتركيباته وحدوده)([2]).

 وعلى الرغم من ذلك، وعلى الرغم من كثرة تعريفات الحداثة إلا أن مجموعها قد يعطينا تصورا تقريبيا للمقصود بالحداثة فمثلا: (يرى كل من كارل ماركس، وإميل دوركهايم، وماكس فيبر، أن الحداثة تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل، وملامح نسق صناعي منظم وآمن، وكلاهما يقوم على أساس العقلانية في مختلف المستويات والاتجاهات.

وتتمثل الحداثة كما يحددها جيدن في نسق من الانقطاعات التاريخية عن المراحل السابقة حيث تهيمن التقاليد والعقائد ذات الطابع الشمولي الكنسي. فالحداثة تتميز بأنماط وجود وحياة وعقائد مختلفة كليا عن هذه التي كانت سائدة في المراحل التقليدية حيث عرفت التغيرات التي شهدتها الحداثة بطابع التسارع والتنوع والشمول ولا سيما في مجال التكنولوجيا والمعرفة العلمية التكنولوجية، كما عرفت هذه المرحلة أيضا بتنامي الاتصالات الفعالة بين جوانب الحياة الإنسانية حيث شملت الأقاليم والمناطق المتباعدة في جغرافية الكون. وهذه هي المرحلة التي حدثت فيها تحولات جوهرية في عمق المؤسسات على مدى تنوعها. وقد سمحت هذه التحولات والتغيرات الجوهرية في شروط الوجود للناس من السيطرة على مقدرات وجودهم وشروط حياتهم)([3]).

بعيدا إذن عن الجدل الفلسفي لتحديد تعريف للمصطلح يمكننا أن نناقش أهم أسس الحداثة كما أجمع  عليها المفكرون والفلاسفة، وهي:

تأليه العقل

ليس من المبالغة في شيء القول بأن المشروع الحداثي يقوم على تأليه العقل الإنساني بجعله حكما مطلقا، وإذا كانت الحداثة ترفض الدين وأحكامه وتسخر منه فإنها قامت باستبدال العقل بالإله وأحكام العقل بأحكام الإله، والحداثيون العرب في معظمهم لا يصرّحون برفض الدين وإنما يوجهون سهام نقدهم للفقهاء وعلماء الدين الذين يطلقون عليهم رجال الدين. وهؤلاء الحداثيون جعلوا من العقل -عقلهم- سلطة أعلى من النص ومهيمنة عليه، ومن المعلوم أنه لا تعارض بين الإسلام والعقل، وقد ألّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابا ضخما بعنوان "درء تعارض العقل والنقل أو موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول" أثبت فيه أنه لا يمكن تعارض صحيح النقل مع صريح العقل.

فالتزييف أو التناقض الذي يقع فيه الحداثيون العرب أنهم يسقطون الترهات التي أدخلها رجال الدين المسيحي على المسيحية وجعلوا منها ديانة لا عقلانية على الإسلام حتى يستطيعوا خداع الجماهير، وهذا نموذج يوضح مدى التجني والكذب والتزييف الذي يشوه به الحداثيون العرب الإسلام وكيف يتم إسقاط ذلك كله على قضية المرأة تحديدا.

ولنتأمل في كلمات الدكتورة التونسية رجاء بن سلامة لنرى كمّ الهذيان والتزييف والكذب في تشويه صورة الإسلام وكيف ربطت كل ذلك بقضية المرأة وكيف داست على قيم الحداثة ذاتها في الاختلاف والتمايز، حيث تقول: (نستعمل أحدث الأجهزة ووسائل الاتصال ونتمسك على نحو هذياني بأنماط علائقية عتيقة عن الفرد والأسرة والعلاقة بين النساء والرجال. نستعمل الانترنت لنشر فتاوى تحرّم القول بكروية الأرض ودورانها حول الشمس أو لنشر فتاوى تدعو المرأة إلى الحجاب، بل إلى النقاب وانعدام الوجه. أو على نحو آخر: نتمسّك بالنّموذج الدّيمقراطيّ لنطالب بحقّ المرأة في أن تكون محجّبة، ونحوّل الحفاظ على اللاّمساواة بين النّساء والرّجال إلى حقّ في الاختلاف)([4]).

هكذا بكل وقاحة أسقطت الدكتورة رجاء أفعال الكنيسة على الإسلاميين، الكنيسة التي تبنّت القول بأن الأرض مسطحة وليست كروية، وكانت تروج لهذا وكان المُعارض لهذا الفكر يتعرض للتعذيب على الخازوق أو الحرق حيا بتهمة الهرطقة حيث أعدمت "برونو" حرقا وسجنت "جاليليو" حتى استسلم وتخلى عن آرائه، لكن ذلك أصبح فتاوى الإسلاميين على الشبكة العنكبوتية! ثم وضعت القول بتسطيح الأرض في كفة واحدة مع حجاب المرأة وكأن الذي يقول بالحجاب لا بد أن يؤمن بأن الأرض مسطحة، وهذا مجرد نموذج واحد للتلاعب بالعقل من دعاة الحداثة.

وفي هذا السياق لا يمكن أن نتجاهل التناقض في الحداثة الغربية التي تقوم على أنقاض الدين وفي الوقت ذاته تحمل الإرث الصليبي كاملا، بل إن التيار اليميني في الولايات المتحدة مثلا يضع أساطير الصهيونية المسيحية في مرتبة أعلى من العقل النفعي الذي يبشروننا به.

القطيعة مع التراث

القطيعة مع التراث وتفكيكه والثورة عليه هو الركيزة الثانية للحداثة. إنهم لا يريدون تنقية التراث من العادات والتقاليد الباطلة، بل يريدون القطيعة معه، وتفكيكه ثم نسفه (يرى ناصيف نصار في مجال التمييز بين الحداثة والتقليد "أن الحداثة هي المفهوم الدال على التجديد والنشاط الإبداعي، فحيث نجد إبداعا نجد عملا حداثيا، وبهذا المعنى فإن الحداثة ظاهرة تاريخية إنسانية عامة نجدها في مختلف الثقافات. وتتحدد الحداثة في هذا المعنى بعلاقتها التناقضية مع ما يسمى بالتقليد أو التراث أو الماضي، فالحداثة هي حالة خروج من التقاليد وحالة تجديد)([5]).

والحداثيون العرب يرون أن فكر النهضة كان (حداثة متعثّرة باهتة، لأنّ النّهضة كانت عودة وإحياء ولم تكن خروجا ووعيا بضرورة الخروج والقطيعة. وهذا ما جعل فكر النّهضة ينتج توليفات باهتة وإجابات مأساويّة في تردّدها، أهمّ مثال عليها قضيّة المرأة، فالكثير من روّاد النّهضة دعوا إلى تعليمها وخروجها من الحجاب، ولكنّهم حافظوا على كتل أساسيّة من كتل التّقليد أهمّها مبدأ قوامة الرّجال على النّساء، وهو مبدأ ما زال إلى اليوم يهيمن على أغلب المنظومات القانونيّة العربيّة في جانب الأحوال الشّخصيّة منها خاصّة، وما زال يهيمن على تصوّراتنا للشّرف والأخلاق)([6])، ما لم يستطع الحداثيون الأوائل قوله في بدايات القرن العشرين.

بل إنهم أصروا بإلحاح على رفضه لم يكن إلا كذبا تمهيديا لمرحلة الصراحة المطلقة، مرحلة القطيعة الكاملة وإسقاط ذلك على قضية المرأة يعني التخلص من الحجاب، القوامة، الميراث، العفة والشرف، كتابات حداثية كثيرة اليوم تتحدث عن القطيعة مع الدين وتبني نمط الحياة الاجتماعي في الغرب، لكن نمط الحياة الغربي الحداثي يحمل تناقضات كثيرة  ليس على مستوى العامة من الناس فحسب ولكن على مستوى النخب المنظرة له، وإلا كيف نستطيع فهم كلمات سيمون دي بوفوار رمز الحداثة الغربية خاصة فيما يتعلق بالجانب الاجتماعي وهي تعلن استعدادها لممارسة كل الأدوار التقليدية للمرأة، فـ (بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيلها، نشرت الصحافة الفرنسية مراسلاتها مع عشيقها الأميركي نيلسون الغرين. في إحدى رسائلها إليه تبدي رغبتها العارمة بالالتحاق به، وبالزواج منه، مقدمة إليه أقصى خضوع ممكن لامرأة من أوروبا أو من الغرب.

فقد كتبت إليه بعد عودتها من الولايات المتحدة إلى فرنسا: "إني مستعدة لأن أطبخ لك يومياً، وأن أكنس المنزل، وأغسل الصحون. أريد أن أكون لك زوجة عربية مطيعة)([7]).

الحداثة والحرية

لعلها أشهر أسس الحداثة تلك الحرية، حرية التفكير، حرية المعتقد، حرية السلوك، وكثيرا ما استخدم الحداثيون العرب هذا السلاح لإرهاب الآخر، وقاموا بتمجيد الحرية كأنهم وحدهم من له الحق في اعتبار الحرية أساسه المتين وهو ادعاء مزيف، فقد قامت الحضارة الإسلامية على مبدأ (لا إكراه في الدين)، وعلى مستوى قضية المرأة منحها الإسلام الحرية المطلقة في كل ما يخصها وحدها كذمتها المالية مثلا، أما فيما يشترك معها فيه آخرون فلا بد أيضا من مراعاة حقوق الآخرين، فالحرية المطلقة في هذه الحالة هي ضرب من الفوضى.

 المشروع الحداثي ضربه التناقض بأبشع صوره في مبدأ الحرية هذا بالذات، وإلا فبمَ نفسر رفض الكثير من الدول الأوربية، وعلى رأسها فرنسا، لارتداء المسلمات الحجاب في المدارس والأماكن العامة، أليست حرية اللبس حرية شخصية؟! بل ربما تكون أولى الحريات الشخصية.

 هذا التناقض القبيح وراؤه فلسفة إقصائية استعلائية بالغة التناقض (لا أرى معنى لحرّيّة المرأة في اختيار قيدها، كما لا أرى معنى في حقّ الإنسان في بيع جسده مثلا. المرأة التي تبيع جسدها لا حرّيّة لها ولا كرامة، ولا يمكن للمثقّف أن يدافع عن حقّها في هذه العبوديّة، والمرأة المحجّبة امرأة تستبطن القيم العتيقة التي تعتبر المرأة آثمة إلى أن تثبت العكس، وتعتبرها حريما ممنوعا، ولذلك فلا أرى معنى للدّفاع عن هذا الحقّ، حقّ المرأة في هذا الاستثناء التّمييزيّ. ثمّ إنّني لا أعتبر الحجاب لباسا، بل شطبا لجسد المرأة، الدّليل على ذلك أنّ أشكاله وأنواعه تتعدّد ولكنّ المهمّ فيه هو وظيفة التّغطية والمنع التي يؤدّيها.

وفيما يخصّ استصدار القوانين، أقول إنّ ما حقّقته المرأة من مكاسب يجب المحافظة عليه، وقد أثبتت التّجربة أنّنا نحتاج إلى قوانين لحماية الفئات المستضعفة، نحتاج مثلا إلى قوانين تحمي الطّفلات من العنف الذي يسلّطه عليهنّ الآباء عندما يفرضون عليهنّ الحجاب ويمنعونهنّ من حرّيّة الحركة واللّعب، ويفرضون عليهنّ قبل الأوان ما لا طاقة لهنّ به. نحتاج إلى قوانين تحمي النّساء من عنف إكراههنّ على الحجاب)([8]).

 هذا الخلط المقصود بين التعالي على المرأة المحجبة بكامل اختيارها واعتبارها على نحو ما تشبه من باعت جسدها وبين إكراه الطفلات على الحجاب هو خلط مقصود ومتعمد حتى تبقى شبهة حماية الحرية الشخصية المفرغة من كل معنى هنا وإكراه الجميع على التبرج هو عين التناقض في هذا المشروع الحداثي التنويري، فلا حرية إلا لمن يمتلك نفس الأفكار أما المخالف فمكانه النفي أو السجن وهو أمر ينطبق على قضايا كثيرة غير قضية المرأة كحرية التعبير عندما تخالف معتقدات القوم كما حدث للفيلسوف رجاء جارودي مثلا، إنها الحرية العرجاء للمنظومة العرجاء.

المرأة والحداثة

هل حقق مشروع الحداثة السعادة للمرأة الغربية أم زادت معاناتها وشقاؤها بهذا النمط من الحياة؟ هل حققت الرفاه المادي أم ظلت تعيش في ظل منظومة تأنيث الفقر وتأنيث المعاناة؟ (ويمكن الإشارة هنا إلى جذور ما يُسمى ظاهرة "تأنيث الفقر" (feminization of poverty) التي أصبحت ظاهرة اجتماعية معروفة في الولايات المتحدة؛ إذ يبدو أنه في إطار حرية المرأة وحرية الرجل، يتعايش رجل مع امرأة تنجب منه طفلاً أو طفلين عادة دون أن يرتبطا بعقد زواج. وبعد فترة قصيرة أو طويلة يتملك الرجل الملل؛ وتنشب المعارك بين الطرفين؛ فيقرر الرجل أن يحقق ذاته خارج إطار الأسرة فيحمل متاعه ويذهب، تاركًا الأم المهجورة وحدها، ترعى الطفلين فتزيد أعباؤها النفسية والاجتماعية والاقتصادية (مهما دفع الرجل من نفقة) وازداد الرجال متعة وحركية استهلاكية أي أنه تم تأنيث الفقر، ويمكن أن نضيف أنه تم كذلك تأنيث الجهد النفسي والإرهاق البدني، ولعل هذا من أهم الأسباب السوسيولوجية لزيادة معدلات السحاق في المجتمعات الغربية، فهو يحل في نظرها مشكلة ضرورة تفريغ الطاقة الجنسية للأنثى دون أن يدخلها في دوامة العلاقة مع الرجل التي توردها موارد التهلكة والفقر والألم والهجران)([9]).

ولم تحصل المرأة الغربية في ظلال مشروع الحداثة على المساواة في الأجور ولا على الحماية من العنف الذي يمارس ضدها ولا منع عنها التحرش في أماكن العمل، فعاشت حالة من الإحباط والفشل (فتحولت إلى سلعة، إلى شيء يُستخدم لمن يدفع، أو لمن يخدع، فالأمر سيان، يبقى فيهما الرجل صاحب المتعة والامتياز والسيطرة مادياً وجسدياً، كل ذلك في إطار عالم لمجتمع تطورت فيه التكنولوجيا والصناعة، لتجعل الإنسان عموماً، والمرأة على وجه الخصوص، في معاناة واضطهاد أعلى، وأكثر تعقيداً مما عاشته النساء في العهود السابقة، إذا ما قُورن العصر بخطاباته وادعاءاته حول مفاهيم التحرر والديموقراطية وحقوق الإنسان وتحرر المرأة الاجتماعي والجنسي مع بساطة وسذاجة خطابات العصور القديمة. ويمكن تلخيص الواقع النسائي بالقول: «إنه لم يسبق للمرأة أن كانت مسحوقة ومنهارة ومستعمرة وخامدة مثلما هي عليه الآنن ويمثل عصرنا أكثر العمليات دناءة في تاريخ المرأة».

فهي بما تقدمه لها مجتمعات التكنولوجيا الحديثة، والتطور الاقتصادي، والحقوقي، انخرطت في لعبة مضطهديها، فولجت إلى التمتع بمهارتها في استعراض رأسمالها الجسدي، وفي ردها على ما يُوصف باضطهاد الذكورة، وبعد إشباع جنسي ميكانيكي لجسدها، شرعت تبحث عن الجنسية المثلية نكاية بالرجل، أو بالاستعاضة عنه بالمنتجات البلاستيكية تمارس معها علاقة الانتقام من الرجل، بينما هي في الواقع تحط من قدر نفسها.

لقد اندفعت النساء إلى «الاسترجال» وكلما أردن أن يكنَّ كالرجال ابتعدن عن أنوثتهن، فإنهن عاجزات عن تصور أن الأنوثة – والمرأة –يمكن أن تكونا مزيتين. إنهن رجال خائبون ونساء فاشلات ويتعرضن إلى خطر.. يائسات ودون هدف، في متاهات الشعور بالدونية»)([10])، إنها ببساطة الحداثة وتناقضاتها التي أتعست المرأة وهي توهمها أنها تسير على طريق السعادة.



[1]- مستقبل الثقافة في مصر، د. طه حسين.

[2]- مقاربات في مفهومي الحداثة وما بعد الحداثة، علي وطفة.

[3]- المصدر السابق.

[4]- المرأة والحداثة والتفكيك والجندر في العالم العربي في حوار معد. رجاء بن سلامة، موقع الحوار المتمدن.

[5]- مقاربات في مفهوي الحداثة وما بعد الحداثة، علي وطفة.

[6]- حوار د. رجاء بن سلامة.

[7]- الحياة السرية لمفكرين وفلاسفة: صراعات وجنس وخيالات مازوشية، متعب القرني، مجلة الفيصل.

[8]- حوار د. رجاء بن سلامة.

[9]- قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى ، د. عبد الوهاب المسيري.

[10]- المرأة والحداثة من الاضطهاد إلى الاستلاب، مصطفى الولي.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق