هل تراجع خطر التطرف والغلو وداعش؟ حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (4) الأدب النسائي الإسلامي .. تحديات وآفاق الخميني في فرنسا ثورات الخوارج (10) الخوارج في بداية عهد عبيد الله بن زياد قالوا - العدد مائة وسبعون - ذو القعدة 1438 هـ العنف في التراث الديني الشيعي.. وحيِّ (المسورة) الإسلاميون العرب في الرؤية الإيرانية .. الثابت والمتغير إيران واستغلال الأزمات.. ولا عزاء للشعارات المشهد العراقي: مرحلة ما بعد داعش إمبراطورية إيران الإعلامية تأزم العلاقات الإيرانية التركية | الدوافع والآفاق تضامن القاعدة وإيران.. واقع ينفيه الطرفان تقية خسارة الأقصى من "التطبيع" "الشبراوي": الائتلافات الصوفية الجديدة تخدم السلفيين والمتشددين الحرب الدائرة بين الأقطاب والمريدين في البيت الصوفي سوق «الشأن الإيراني» طابور إيران الخامس «آيات الله» الصغار في مصر علاقة إيران بقيادات الإرهاب في ليبيا .. ومخطط طهران لنشر الفوضى في شمال أفريقيا فريغ القدس والأقصى لماذا اهتم نور الدين وصلاح الدين بإنشاء المدارس السُّنية؟ ماذا بقي من ثورتنا؟ مدينة الذهب الأسود على موعد مع المجهول معارك خطيرة منسية في حرب التغيير الديموغرافي هل سيستفيد "الروهينغيا" من تدويل قضيتهم ؟! هل يتحقق سلام مع إسرائيل ؟
 
سطور من الذاكرة\العدد مائة وتسعة وستون - شوال 1438 هـ
ثورات الخوارج (9) زياد بن أبي سفيان يواجه الخوارج في البصرة والكوفة
الخميس 22 يونيو 2017

 

 هيثم الكسواني– كاتب أردني

خاص بالراصد

أصبح زياد بن أبي سفيان واليًا على البصرة في سنة 45هـ، والبصرة آنذاك أحوالها مضطربة، وتعجّ بالفساد، والفسق فيها ظاهر، والخوارج يثورون فيها مِن حينٍ إلى آخر، بسبب تساهل واليها السابق، عبد الله بن عامر، رضي الله عنه، ولين عريكته، ما أدّى إلى عزلِه عنها، وتعيين الحارث بن عبدالله الأزدي، واليًا هناك، لكنه لم يمكث في منصبه سوى أربعة أشهر، إذ قام خليفة المسلمين معاويةُ، رضي الله عنه، بعزله أيضا، وعيّن زياد بن أبي سفيان بدلا منه، لتبدأ مرحلة جديدة في التعامل مع الخوارج، قائمة على القسوة، وشنّ حرب بلا هوادة.    

ولعلّ المواصفات القيادية التي كان يتحلّى بها زياد سرّعت بتوليته البصرة، فهو أحد دهاة العرب المعدودين، فقد رُوي عن الشعبي قوله: "الدهاة أربعة: معاوية وعمرو بن العاص والمغيرة وزياد"([1]).

وبرزت مواهب زياد القيادية في عهد الخلفاء الراشدين، رضي الله عنهم، فقد كانت له وجاهة عند عمر بن الخطاب‏([2]وكان كاتبا لأبي موسى الأشعري، زمن إمرته على البصرة ... وكتب أيضا للمغيرة، ولابن عباس، وناب عنه بالبصرة([3]). وولاّه علي بن أبي طالب على بلاد فارس، في سنة 39هـ([4])، وظلّ عليها إلى أن صالَح ابنُه الحسن بن علي معاوية، وتنازل له عن الخلافة مطلع العام 41هـ.‏

كما اشتهر زياد بالرأي والحزم والقسوة، قال أبو الشعثاء :كان زياد أفتك من الحَجّاج لمن يخالف هواه([5]).

واشتهر أيضًا بالفصاحة، وكان خطيبًا مفوّهًا، قال الشعبي‏:‏ "ما سمعتُ متكلماً قط تكلم فأحسن إلا أحببتُ أن يسكت خوفاً من أن يسيء إلا زياداً، فإنه كان كلماً أكثر كان أجود كلاماً‏"([6]).‏

دخل زياد البصرة في بداية جمادى الأولى من سنة 45هـ، ووجد الفسق ظاهرا فيها، وأحوالها مضطربة، كما أشرنا قبل قليل، وعلى الفور ألقى في أهلها خطبةً، عُرفت بـ "البتراء"، وفيها تهدّد سكان البصرة وتوعّدهم، كما قدّم فيها الخطوط العريضة لسياسته والإجراءات التي سيقوم بها لإصلاح الأوضاع"([7]).

ومما جاء في الخطبة قوله: "أيها الناس، كأنكم لم تسمعوا ما أعدّ الله من الثواب لأهل الطاعة، والعذاب لأهل المعصية، أتكونون كمَن طرقت عينه الدنيا، وسدّت مسامعه الشهوات، فاختار الفانية على الباقية"‏([8])؟!

وكان زياد يرى منهج السيف وصوابه، وضرورة استعماله في البصرة قبل أن يصبح واليا عليها، فعندما شكى عبد الله بن عامر إليه فساد الناس في البصرة، قال زياد: جرّد فيهم السيف. فقال ابن عامر: إنّي أكره أن أُصلحَهم بفساد نفسي([9]).

   

ولم يطل المقام بزياد حتى انتهج الشدّة في البصرة، وزاد من عدد الجند والشرطة، يقول ابن كثير: "ثم ما زال يقيم أمر السلطان، ويجرّد السيف حتى خافه الناس خوفاً عظيماً، وتركوا ما كانوا فيه من المعاصي الظاهرة"([10])، واستطاع في فترة وجيزة الحدّ من حالت التسيّب التي كانت تسود البصرة قبل قدومه([11]).

خروج الخطيم الباهلي وسهم الهجيمي

أما الخوارج فقد عادوا لممارسة هوايتهم الدائمة بالتمرد والثورات، ففي السنة التالية لقدوم زياد إلى البصرة، أي في سنة 46هـ، خرج عليه الخطيم الباهلي وسهم الهجيمي، وهذان الاثنان سبق لهما الخروج على عبد الله بن عامر، في سبعين رجلًا، في بداية ولايته على البصرة، في سنة 41هـ، وقتلوا الأبرياء، لكنهم سألوه الأمان بعد ذلك، فمنحهم إيّاه، ورفض أمر معاوية بقتلهم، فلم يزل هؤلاء الخوارج آمنين حتى عُزل ابن عامر عن البصرة([12]).

لكن عندما عاود هؤلاء الخروج زمن زياد كان التعامل مختلفا، فالتساهل مع الخوارج المتورطين بجرائم وإراقة دماء مآله الفساد العريض في المجتمع.

يقول ابن الأثير في حوادث سنة 46هـ: "وفيها خرج الخطيم، وهو يزيد بن مالك الباهلي، وسهم بن غالب الهجيمي فحكّما([13])، فأما سهم فإنه خرج إلى الأهواز فحكّم بها، ثم رجع فاختفى وطلب الأمان فلم يؤمّنه زياد، وطلبه حتى أخذه وقتله وصلبه على بابه‏.‏

وأما الخطيم فإن زيادًا سيّره إلى البحرين ثم أقدمه، وقال لمسلم بن عمرو الباهلي (والد قتيبة بن مسلم)‏:‏ اضْمنه، فأبى وقال‏:‏ إن بات خارجًا عن بيته أعلمتُك، ثم أتاه مسلم فقال له‏:‏ لَم يبِت الخطيم الليلة في بيته، فأُمر به فقُتل وألقي في باهلة"([14]).

وعلى الرغم من القسوة التي واجه بها زياد تحرّك الخوارج السابق، "إلاّ أنه لم يستغل هذا التحرك للانتقام من بقية الخوارج الموجودين في البصرة، وظلّ وفيّا لما التزم به في خطبته، معتبرا أن عدم خروجهم عليه يكفي لضمان أمنهم"([15]).

وأكثر من ذلك، فقد حاول زياد استمالة بعضهم، وجلبهم إلى صفّه، إذ كان في بعض الأحيان يميّز بين الخوارج الذين التزموا بيوتهم ولم يحملوا السلاح في وجه الدولة، وبين الذين أصرّوا على التمرد، وولغوا في دماء المسلمين، فقد استعمل زياد أحدَ الخوارج على جند سابور، ومنحه أربعة آلاف في كل شهر([16])، ويلخّص المبرد سياسته مع الخوارج في تلك الفترة بأنه "يقتل المعلن، ويستصلح المسرّ، ولا يجرّد السيف حتى تزول التهمة"([17]).

لكن زيادا سيجنح بعد ذلك للتشدد مع الخوارج والقسوة المفرطة، مع قيام قسم منهم بالخروج في سنة 50هـ، حيث خرج قريب الأزدي وزحّاف الطائي بالبصرة، في سبعين رجلاً، مستغلّين غياب زياد في الكوفة، وأتوا بني ضبيعة، وقتلوا منهم شيخًا، ثم أخذوا يستعرضون الناس، فلا يمرّون بقبيلة إلاّ قتلوا من وجدوا في طريقهم منها، ثم جاؤوا إلى البصرة واغتالوا عددا كبيرا من شرطتها، ومضوا إلى الجامع الكبير فقتلوا خلقا كثيرا هناك([18])، وهو الأمر الذي يكرره خوارج اليوم، فجميع العسكريين في نظرهم كفّار، ودماؤهم مباحة، والمصلّون كذلك، إن لم يكونوا على مذهبهم وعلى هواهم فهم كفار أيضا، ويجب قتلهم، والمساجد التي يعبدون الله فيها هي مساجد ضرار، لا بأس من تفجيرها أو تدميرها، فقد رأينا أحد هؤلاء مؤخرا وهو يهمّ بالقيام بتفجير في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المدينة المنورة.

وأمر زياد قبائل البصرة بأن تتصدى معه للخوارج، وخطب على المنبر فقال‏:‏ "يا أهل البصرة، والله لتكفنني هؤلاء أو لأبدأن بكم‏!‏ والله لئن أفلت منهم رجل لا تأخذون العام من عطائكم درهمًا‏!‏ فثار الناس بهم فقتلوهم‏"([19]).

وتكاد العبارة السابقة تلخّص اثنين من الأساليب التي اتّبعها زياد في مواجهته للخوارج:

الأول: إلزام قبائل البصرة بمحاربة الخوارج ومطاردتهم وقتلهم.

الآخر: تهديدها بقطع العطاء عنها إن أفلت خارجي من أيديهم، لذلك جدّت القبائل بملاحقة الخوارج من أبنائها، والإبلاغ عنهم.

ويذكر المؤرخون والباحثون أن خروج قريب وزحّاف كان نذير شؤم على الخوارج([20])، فقد اشتد زياد في أمر الخوارج فقتلهم وأمر عامله على البصرة، سمرة بن جندب، بذلك فقتل منهم خلقًا كثيرًا‏.‏

وانتهى خروج قريب وزحّاف وأصحابهم بمقتلهم جميعا، حيث خرجت إليهم بعض القبائل فقتلوهم عن آخرهم.

ولم تقتصر شدة زياد على الخوارج، بل شملت ذويهم وأهليهم، إذ كان يسجن بعضهم وينفي البعض الآخر([21]).

كما لم يقتصر تشدد زياد على رجال الخوارج، بل تعدّاه إلى نسائهم، فقد أخرجوا معهم امرأة، فلما ظفر بها قتلها وعرّاها، فلم تخرج النساء بعد ذلك على زياد، وكُنّ إذا دُعين إلى ذلك قُلن: لولا التعرية لسارعنا([22])، ففجور الخوارج قابله فجور زياد والبادى أظلم!

مواجهة الخوارج في الكوفة

وعندما توفي والي الكوفة، المغيرة بن شعبة، رضي الله عنه، في سنة 50هـ، لم يجد معاوية خيرا من زياد ليولّيه، فاستعمله على الكوفة والبصرة معًا، فكان أول مَن جُمعتا له([23]). فأخذ يقيم في الكوفة ستة أشهر، ومثلها في البصرة، وعيّن على البصرة عاملا له هو سمرة بن جندب.

وإن كان من اختلاف بين الإقليمين، هو أن الأمن في الكوفة كان أكثر استقرارا منه في البصرة يوم أن تولاها زياد، إضافة إلى أن الشيعة هناك كانت أكثر عددا وأعظم قوة، كما كانت خوارج الكوفة أقوى شكيمة وأشد مراسًا([24]).

واستمر الخوارج في ثوراتهم طيلة ولاية زياد على البصرة والكوفة، ففي سنة 52هـ، خرج زياد بن خراش العجلي في ثلاثمائة فارس، فأتى أرض مسكن من السواد، فسيّر إليه زياد خيلًا عليها سعد بن حذيفة أو غيره فقتلوهم.

وخرج على زياد أيضًا في هذه السنة رجل من طيء، يقال له معاذ، في ثلاثين رجلًا فبعث إليه زياد مَن قتله وأصحابه(‏[25])، ولذلك من يظن أن فكر الخوارج يمكن أن يكون وجهة نظر فهو واهم، فكر الخوارج هو شعلة فوضى وشغب دائم لا يصلح له إلا العلم والحزم.

وبالمجمل، فإن حزم زياد مع الخوارج أدّى إلى إخماد تحركاتهم في مهدها، وجعل الكثير منهم يترددون في القيام بالثورة وتعكير صفو الأمن([26])، كما أن سياسته تركت أثرا على العراق كلّه، فقد أولى الحياة الاقتصادية اهتماما زائدا، فحفر الأنهار واستصلح الأراضي، وراقب الأسعار في الأسواق، فبسط الرزق وزاد الخراج، وعلى المستوى الأمني، انتشر الاستقرار وساد الأمن حتى كان الشيء يسقط عن الرجل أو المرأة فلا يعرض له أحد حتى يأتيه صاحبه، وتبيت المرأة فلا تغلق عليها بابها([27]).

توفي زياد في رمضان من سنة 53هـ، بعد أن قدّم تجربته في محاربة الخوارج، والقائمة على الشدّة والحزم، واستخدام أساليب متنوعة في محاربتهم (بعضها استعملها معاوية والمغيرة) مثل إشراك القبائل، وتهديدها بقطع العطاء عنها إن لم تردع أبناءها الخارجين، وغير ذلك.

المراجع

1-  الإمام ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، 1963.

2- الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، طبعة مؤسسة المعارف ودار ابن حزم، بيروت، 1430هـ، 2009م.

3-  ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية.

4- الإمام الذهبي، سيَر أعلام النبلاء، نسخة إلكترونية.

5- د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي: نشأتهم، تاريخهم، عقائدهم، أدبهم، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الخامسة، 1425هـ - 2004م.

6-  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج: نشأتها وتطورها إلى نهاية العهد الأمويّ خلال (37 – 132هـ)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، أيار (مايو) 2007م.

 



[1] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1589.

[2] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1576.

[3] - الإمام الذهبي، سِيَر أعلام النبلاء، نسخة إلكترونية، الجزء الثالث.

[4] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 123.

[5] - الإمام الذهبي، سِيَر أعلام النبلاء، نسخة إلكترونية، الجزء الثالث.

[6] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1576.

[7] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 68.

[8] الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1576.

[9] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1575.

[10] - الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1576.

[11] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 68.

[12] - الإمام ابن جرير الطبري، تاريخ الرسل والملوك، ج 5، ص 171، وابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 41ه.

[13] - أي رفعا شعار الخوارج المعروف (لا حُكم إلاّ لله).

[14] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 46هـ.

[15] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 69.

[16] -  د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 69.

[17] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 125، نفلا عن "الكامل في اللغة والأدب" للمبرد.

[18] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 50هـ، و د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 125، نفلا عن الكامل للمبرد وتاريخ اليعقوبي.

[19] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 50هـ.

[20] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 125.

[21] - د. لطيفة البكّاي، حركة الخوارج، ص 70.

[22] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 125، نفلا عن "الكامل في اللغة والأدب" للمبرد.

[23] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 124، وانظر أيضا: ابن كثير، البداية والنهاية، ص 1579.

[24] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 124.

[25] - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، نسخة إلكترونية، حوادث سنة 52هـ.

[26] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 126.

[27] - د. نايف معروف، الخوارج في العصر الأموي، ص 126.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق