الإسلام والسنة في دائرة الاستهداف حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (5) لماذا يحاربون صحيح البخاري؟ (1) الروهنجيا في ميانمار.. الأقلية الأكثر اضطهادا في العالم ثورات الخوارج (12) مفارقة ابن الزبير قالوا - العدد مائة واثنان وسبعون - محرم - 1439 هـ "ترويض الإسلام" أكاديمياً في ألمانيا؟ الحوثيون .. النشأة والعلاقات المتأزمة سراب التغيير.. العرب والاعتدال الإصلاحي في إيران من صور الاختراق الشيعي لغزة في 2017 مهمات الحشد الشعبي في العراق الإمساك بالعصا من المنتصف.. سياسة إيرانية تجاه كردستان الحروب الخاسرة مع الإرهاب رسالة جديدة إلى المحيسني عن أي تحالف تركي - إيراني يتحدثون؟! في معنى أن تنتصر طهران لماذا التغيير الديموغرافي بالعراق؟ لماذا يذبحونهم؟.. البوذية والسيف مسمار جحا الإيراني هل انتهت الثورة السورية؟ إيران تستنزف مياه أفغانستان بعد جفاف أنهارها وبحيراتها قراءة في المخطط الإعلامي الشيعي الموجّه للمرأة مظلومية أهل السنة في إيران (5) المظلومية الدينية 2 الميلشيات الشيعية والطفولة.. انتهاكات يعلوها الصمت
 
فرق ومذاهب\العدد مائة وتسعة وستون - شوال 1438 هـ
حكاية جماعات العنف من الانحراف إلى فكر الخوارج (3)
الخميس 22 يونيو 2017

 

 أسامة شحادة – كاتب أردني

خاص بالراصد

تمهيد: تفاقمت ظاهرة الغلو والتطرف والإرهاب في واقعنا المعاصر لتصبح من أكبر التحديات التي تشهدها أمتنا اليوم بعد أن كانت ردة فعل ساذجة، وهذه طبيعة الضلال والانحراف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالبدع تكون في أوّلها شبراً، ثم تكثر في الأتباع، حتى تصير أذرعاً، وأميالاً، وفراسخ"([1])، وهذا واقعٌ في تطور فكر جماعات العنف عبر عدة عقود، حيث أصبح تكفير غالبية المسلمين هو معتقدها بعد أن كان الدفاع عن المسلمين هو مبرّر تشكيلها!

... في هذه السلسلة سنتناول العوامل التاريخية والسياسية والأمنية والثقافية لظهور جماعات العنف والقتال، ومن ثم مسار تطورها التاريخي ومسار تطور انحرافها الفكري والنتائج الكارثية لها على الإسلام والمسلمين، مع التنبيه على الثغرات التي تضخّمت وتفاقمت من خلالها هذه الظاهرة السلبية، وسيكون الإطار الزمني والمكاني الذي نتناوله في هذه المقالات هو منذ انتهاء حقبة الاحتلال الأجنبي وقيام الدول العربية (المستقلة) التي لم تلبِّ طموحات شعوبها، وتصادمت مع هوية الجماهير، مما ولّد مناخا مأزوما، وظهرت فيه ردات فعل عنيفة، عُرفت بجماعات الجهاد. 

********

أولاً: الساحة المصرية

3- جماعة المسلمين، شكري مصطفى

لقد تسبب الظلم المتمثل بالسجن والتعذيب في سنوات 1954 وما بعدها، حتى سنة 1964 في بروز مناخ غاضب مائل للعنف والتكفير ضد السلطة في المجتمع المصري، سواء في داخل السجون أو خارجها، ونتج عن ذلك ظهور مجموعات تتبنى تكفير جمال عبد الناصر وتسعى إلى ترتيب انقلاب عسكري عليه من داخل الجيش، وبدأت هذه التنظيمات بدءا من سنة 58 حتى كانت أول محاولة على يد تنظيم د. صالح سرية سنة 74.

لكن حملة الاعتقالات التي قام بها عسكر جمال عبد الناصر سنة 1965 والتي كشفت عن تنظيم سيد قطب الجديد داخل الإخوان تسببت بظهور موجة جديدة من العنف والتكفير استهدفت المجتمع المصري نفسه، ولم تكتفِ بتكفير وقتال رأس السلطة وعساكره، وذلك بظهور فكر جماعة المسلمين على يد الشيخ علي إسماعيل ومن ثم شكري مصطفى، الذي تورط في عدد من العمليات الإرهابية كان أبرزها خطف وقتل الشيخ محمد حسين الذهبي وزير الأوقاف المصري.

فما هي تفاصيل ميلاد هذا الفكر؟ وما مساراته وتطوراته؟ وما هي الكوارث التي سبّبها للعمل الإسلامي؟

أصل الحكاية في السجن

في سنة 1965 قام الأمن المصري ببضعة اعتقالات عشوائية في صفوف الإخوان المسلمين نتج عنها كشف تنظيم الإخوان الجديد الذي يقوده سيد قطب، ولم يكتفِ عسكر عبد الناصر باعتقال أعضاء التنظيم الجديد، بل قاموا باعتقالات طالت كل الإخوان المسلمين، الذين في التنظيم والذين خارج التنظيم وخارج السجن، حتى بلغ عدد المعتقلين عشرات الآلاف([2]) بينما كان أعضاء التنظيم حوالي 300 شخص فقط!! ولم يقف الأمر عند ذلك بل طال الكثير من أعضاء الجماعات الإسلامية الأخرى كأنصار السنة النبوية وجماعة الدعوة والتبليغ والجمعية الشرعية، بل حتى بعض الشخصيات والرموز المستقلة مثل الأستاذ محمود شاكر وفؤاد سراج الدين([3])!

ومن ضمن المعتقلين كان الشيخ علي إسماعيل، خريج الأزهر وشقيق عبد الفتاح إسماعيل، الذي كان "دينامو" تنظيم 65، والذي أعدم في القضية مع سيد قطب ومحمد هواش فقط دون بقية المعتقلين، حيث أعدم سيد قطب باعتباره المنظر لهذا الفكر ومحمد هواش باعتباره البديل الفكري لسيد قطب وعبد الفتاح إسماعيل باعتباره محرك التنظيم.

ومن ضمن المعتقلين شاب صغير كان لا يزال في السنة الثالثة في كلية الزراعة اسمه شكري مصطفى، ويبدو أنه كان من الشباب الذين جذبتهم نشاطات الإخوان السرية في ذلك الوقت، أو كان من الشباب الذين انضموا لحلقات تنظيم 65 دون أن يعرف عن ذلك، كما سيأتي في شهادة أحمد رائف.

وقد تعرض المعتقلون لتعذيب شديد وظلم كبير كعادة نظام عبد الناصر، وبعد انتهاء المحاكمات الهزلية وإعدام سيد قطب وهواش وعبدالفتاح في سنة 1966، هدأت الأحوال قليلا في السجن، ولكن في عام 1967م طُلب من المعتقلين إرسال برقيات تأييد لعبد الناصر عقب إغلاقه خليج العقبة أملا في الإفراج عنهم، وهو طلب تكرر عدة مرات من قبل في سجون عبد الناصر، فأرسل الجميع برقيات التأييد بسبب أجواء الحرب، إلا مجموعة صغيرة رفضت التأييد لأنها تعتقد كفرَ عبد الناصر وعمالته لليهود، وقد كانت بحدود 31 شخصا فقط، منهم محمد قطب ومأمون الهضيبي وأحمد نصير وعلي إسماعيل وشكري مصطفى، وبعد التحقيق معهم صدر قرار بإعدامهم، وتم عزلهم عن بقية المساجين([4]).

مِن بين هذه المجموعة خرج فكر تكفير المسلمين كما يقرر أحمد رائف، فيقول: "ومن الطريف أن فكرة تكفير المجتمع كانت قد ظهرت بين أصحاب زنازين شمال بعد ذلك الظلم الذي أصابهم، والقتل الذي كان ينتظرهم يوم خمسة يونيو، وسمعتُ بهذا وناديتهم من الفناء: أصحيح أنكم تكفّروننا؟

وردّ المرحوم أحمد نصير، وكان جاري في عنبر 12: نعم.

وامتلأتُ دهشة: أتروننا كذلك؟ لسنا من أهل القبلة؟

وهل ترون أنفسكم من المسلمين؟ الإيمان والكفر كلمات تقال.

... وعدت شاردا واجما أفكّر فيما قاله المرحوم أحمد نصير، وأنا أعجب كل العجب. كيف يفكّرون على هذا النحو؟ ولا شك أن الحكومة هي التي غرست في رؤوسهم هذا التفكير بظلمها وانحرافها وجهلها"([5]).

واللافت للنظر هنا أن أحمد نصير هو ابن أخت سيد قطب، والذي يفتخر ويعتز بفكر خاله سيد في تكفير عبد الناصر علنًا في ندوات السجن لغسيل عقول المساجين([6])، وكان أحمد نصير وابن خالته عزمي بكر شافع مسجونين مع خالهم محمد بعد إعدام سيد رحمه الله، وهذا يذكرنا مرة أخرى بأن بعض من اقتنع بفكر سيد قطب سنة 62 من المساجين أخذ يصرح بتكفير الناس، وهذا يدلل على خطورة فكر سيد قطب، خاصة في مناخ الأزمات، وأنه في أقل أحواله قابل للتطرف والغلو والتكفير، حتى أن د. عبد المنعم أبو الفتوح يعتبر شكري مصطفى وجماعته وتنظيم صالح سرية من نتاج تنظيم 65([7]).

وممن تبنى التكفير في السجن وكان له دور بارز في ذلك بحكم خلفيته الأزهرية علي إسماعيل، والذي يروي لأحمد رائف أن التعذيب الرهيب والكفر الذي كان يتلفظ به الضباط كان السبب في دفعه لتكفيرهم وتعميم ذلك على الجميع، ولكنه عقب موت عبد الناصر سكنت نفسه واستطاع العقلاء، ومنهم المرشد الهضيبي، أن يصلحوا من حاله([8]).

ونجد مزيدا من التوضيح لواقع التطرف والغلو والتكفير في السجون عقب سنة 1965 وبداية تشكل فكر شكري مصطفى عند إبراهيم الزعفراني، وهو أحد قيادات الإخوان المسلمين السابقين، حيث ينقل عن الشيخ علي إسماعيل قصة بداية الغلو في فكر الغلو والتكفير الذي سيحمل رايته لاحقا شكري مصطفى، فيقول الزعفراني: "حكى فضيلة الشيخ علي عبده إسماعيل، وهو مؤسس فكر هذه الجماعة وأول أمير لها وهو شيخ أزهري سُجن مع الإخوان المسلمين فى الستينيات، وهو أخ شقيق للشهيد الشيخ/ عبد الفتاح إسماعيل، نحسبه كذلك ولا نُزكّي على الله أحدا، وهو أحد قادة الإخوان الذين أعدمهم عبد الناصر، قال فضيلته:

خرجتُ ذات مرة أصلّي فى السجن فرأيت بعض الإخوان يصلّون وحدهم دون الجماعة، فثارت ثائرتي لذلك وأنكرت عليهم ذلك، وجاءني كلا الطرفين لشرح الموقف واكتشفتُ أن الفريق الأعظم من الإخوان المسلمين لا يقولون بكفر الحاكم والنظام، ويعدّون عامة الناس مسلمين، فى حين أن عددا منهم -بسبب ما وقعوا فيه من تعذيب وتجرؤ المعذبين على دين الإسلام أثناء التعذيب-، هؤلاء يقولون إن الحاكم كافر وإن أعوانه كفرة وإن الناس -برضاهم وسكوتهم عن الحاكم- هم كفرة أيضا، فوقعتُ في حيرة من أمري حيال الرأيين!

ثم ما لبثتُ أن خرجت برأي ثالث اعتقدتُ أنه وسط بين الرأيين، وهو أن من يسمي نفسه بأسماء المسلمين أو يحمل في بطاقته الديانة (مسلم) فلا نحكم عليه بالإسلام ولا بالكفر، ولكن نتوقف في الحكم عليه حتى نتبيّن إسلامه من كفره، ومن هنا نشأ مذهب (التوقف والتبيين).

ويستطرد قائلا: لقد حاروتُ كلا الفريقين في السجن وكنتُ مؤهلا بوصفي شيخا أزهريا أن أدافع عن آرائي، وتتلمذ على يدي كل من شكري مصطفى وعبد الله السماوي، وكانا شابّين في العشرينات، وكان شكري يسجل كل مناظراتي مع الخصوم ويرتّبها ويستعملها في مناظراته، وذات يوم جلستُ مع نفسي أراجع نظرية (التوقف والتبيين) فوجدتُ أن عليّ أن أنشئ فقهاً جديدا لم يسبقني به أحد من أهل الفقه الأولين هو فقه المتوقف فيهم، فمثلا (هل يجوز لزوجة المتوقف فيه أن تظل على ذمته؟ وإذا مات المتوقف فيه قبل تبيّن إسلامه يرثه أولاده أم لا؟ هل يُدفن في مدافن المسلمين أم ننشئ مدافن تسمى مدافن المتوقف فيهم؟) وغيرها من المسائل الفقهية التي تستلزم أن أخرج على الأمة الإسلامية بفقه جديد لم يسبقني إليه أحد من أهل السنة.

واستفقتُ على ما استدرجني الشيطان إليه ليجعل مني رأساً لبدعة ضالة مضلة، وفي صباح اليوم التالي جمعت الإخوان في السجن ووقفت وسطهم أعلن براءتي من نظرية (التوقف والتبيين). وما أن فعلت ذلك حتى صاح كل من شكري مصطفى وعبد الله السماوي واتهماني بالجبن، وأنهما سيظلان متمسكين بهذه النظرية رغم رجوعي"([9]).

وفي هذه الرواية عدة فوائد مهمة لتاريخ التكفير والغلو، هي:

1 - هناك انقسام في صفوف جماعة الإخوان حول تكفير عبد الناصر والعسكر وعموم الناس، فالغالب على قدماء السجناء من الإخوان المسلمين الذين سجنوا في سنة 1954 أنهم لا يرون تكفير عبد الناصر والمجتمع، بينما الذين تأثروا بسيد قطب سنة 62 في السجن أو الذين تأثروا بسيد قطب عبر تنظيم 65 يكفّرون عبدالناصر وعسكره وحكومته وبعضهم كفّر المجتمع الصامت عن جرائم عبد الناصر، وبعضهم كفر رفقاءه في السجن كما في قصة أحمد نصير.

ويؤيد هذا ما حكاه أحمد عبد المجيد، أحد القياديين الخمسة في تنظيم 65، حيث ذكر انقسام سجناء الإخوان حول فكر سيد قطب فقال: "فعندما وصل (سجناء) إخوان 1965 إلى (سجن) قنا، طلب منهم الإخوان القدامى المحكوم عليهم في عام 1954 -بعد فترة من استقرارهم- كتابة بعض الأوراق الخاصة بآرائهم، وقالوا إننا نريد أن نسمع منكم بعد الزوبعة التي أثيرت حولكم، والكلام الذي قيل عنكم بأنكم تكفّرون الناس، وتصدرون الأحكام السريعة، وترمون الحاكم بالكفر، وقد ساهمت أجهزة الإعلام المختلفة في ذلك، وقد أوضح لهم إخوان 1965 الأمر وأنهم لا يقولون بذلك، ولا نكفر أحدًا دون ضوابط شرعية، ثم إنه ليست قضيتنا هي إصدار الأحكام على الناس والانشغال بذلك، بل نحن ندعو الناس إلى الإسلام بصورته الواضحة الناصعة التي نزل بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع تبيان ما هم فيه من الانحراف عن منهج الله حتى يفيقوا ويرجعوا إلى الله.

وبعدها تم كتابة مذكرة تقع في أربع وثلاثين صفحة (فولسكاب) تشرح جوانب العقيدة، وما عليه أعضاء تنظيم 1965، اشترك في كتابتها البعض أذكر منهم الشيخ فتحي رفاعي، مبارك عبد العظيم، وعبد المجيد الشاذلي. وبعد فترة من تسلّمهم هذه المذكرة، قالوا إنه سيحضر مذكرات في هذا الشأن تعالج القضايا والاستفسارات المثارة وستكون من الأستاذ المرشد وعلينا جميعًا أن ننتظر ذلك.

وبعد فترة وصل خطاب من فضيلة الأستاذ حسن الهضيبي – المرشد العام – كان مما جاء فيه: "... وما كنتُ أعلم أن صاحب الظلال قد غيّر في مفهوم الجماعة". وكانت صدمة شديدة لأفراد قضية 1965 بالذات، فهل سيد قطب بعد ما بذل وجاهد حتى قتله الطغاة، تكون هذه نظرة الجماعة إليه؟

وكان بعضهم يقول إننا نعلم أن سيدًا اقتفى أثر أهل السنة والجماعة فيما قال وكتب ولم يأتِ ببدع جديد ثم قال إنه غيّر في مفهوم الجماعة، وهل مفهوم الجماعة يخالف ما عليه السلف؟

وحدثت تساؤلات واستفسارات كثيرة، مع حيرة واضطراب ودوامة عاش فيها هؤلاء الشباب في تلك الأيام واستمر تأثيرها فيما بعد.

وكان بالإمكان التريث والتأكد قبل الوصول لإثارة النفوس ولكن لم يحدث ذلك، ولم تمضِ فترة طويلة حتى وصلت تلك المذكرات التي عارضها إخوان 1965 جميعًا بلا استثناء وكذلك بعض إخوان 1954، والبعض أبدى عليها بعض الملاحظات، أما بقية إخوان 1954 فقد وافقوا عليها بلا تحفظ باعتبارها تتفق مع آرائهم، إلى جانب أنها صادرة من الأستاذ المرشد – رحمه الله – باستثناء البعض منهم كما ذكرت.

وأعيدت للأستاذ المرشد – في مزرعة طره – مع الملاحظات، والاعتراضات، وعلمنا أن كثيرًا من إخوان طره والمزرعة والقناطر أيضًا لهم اعتراضات واستفسارات كثيرة على ما ورد فيها. فجزاهم الله خيرًا على صبرهم الطويل وما لاقوه، بعد أن سجلوا صفحة ناصعة لموكب الدعاة، وما يلقونه في سبيل الله"([10])، ويؤيد هذه القصة د. السيد عبد الستار الذي يقول عن (كشكول) دعاة لا قضاة: "صارت عملية تمرير هذا الكشكول على مجموعة من المعتقلين الذين انفردوا بفكر خاص بهم، وكان على رأسهم الأستاذ محمد قطب وشكري مصطفى وعلي عبده إسماعيل، وكثير ممّن يسمون "بالقطبيين"، أصحاب الفكر الجديد في الإخوان المسلمين.

وطلب محمد قطب ترتيب جلسة مع الأستاذ الهضيبي ليستفسر منه على بعض النقاط... في المسجد القديم.. وانتهى الاجتماع بين الاثنين على عدم وفاق واقتناع"([11]).

ويصف أحمد رائف هذا الخلاف بالانشقاق فيقول: "وكان الانشقاق قد حدث بين الإخوان حول مفهوم الدعوة واستراتيجية الحركة، والأطروحات التي ينبغي طرحها للناس. وكانت مشكلة المستشار الهضيبي تتلخص في كلمات: لا نكفّر مسلما نطق بالشهادتين. ويضيف إليها شكري مصطفي ومِن قبله محمد قطب: وعمل بمقتضاها.

... وكانت ترتب الاجتماعات في المسجد المهجور القائم بجوار المستشفى في معتقل طرة السياسي في عز الظهيرة حيث لا يتجول إنسان.

وكان المرحوم الإمام الهضيبي -على مرضه وسنّه- ينتقل إلى هناك ليجلس إلى الأستاذ محمد قطب وتلاميذه ويحاورهم ويناقشهم ويحاول أن يردّهم إلى ساحة الجماعة"([12]).

2- من حكاية علي إسماعيل يتكرر استنتاج أن الفريق الذي يميل للتكفير والغلو فيه كان له صلة مباشرة أو غير مباشرة بسيد قطب، فعلي إسماعيل هو شقيق عبد الفتاح إسماعيل، الذي كان دينامو تنظيم 65 وكان له مشاركة في التنظيم بحسب رواية علي العشماوي، ولذلك قُبض عليه، وبحسب رواية أحمد عبد المجيد أنه قبض على علي بسبب عدم القبض على شقيقه عبد الفتاح! وإن كان يمكن جمع الروايتين أن الهدف الأساسي كان هو عبد الفتاح لكن جرت عادة عسكر عبد الناصر القبض على أقرباء الهارب أو المختفي، فكيف إذا كان عضوا بالإخوان وشيخا أزهريا!

ويلزم التذكير هنا أن علي إسماعيل، بعد الإفراج عنه في عهد السادات، كان هو السبب في تعريف طلال الأنصاري ومجموعته التي تربت على كتب سيد قطب على زينب الغزالي والمرشد حسن الهضيبي ومن ثم انضموا لصالح سرية في تنظيمه، وهم يظنون أنهم لا زالوا مع جماعة الإخوان([13]) كما أن علي إسماعيل وشكري مصطفى كانا مع محمد قطب في نفس العنبر بالسجن([14]).

ولذلك يمكن الإقرار بـأن "كلام سيد قطب -بغضّ النظر عن مراده منه بالفعل- صار أحد البذور المهمة التي أثمرت الاتجاهات القطبية الجهادية والتكفيرية التي نشأت في مصر في الستينات والسبعينات"([15]).

3- هذه القصة تبيّن لنا أن شكري مصطفى كان ضحية لفكر الغلو والتكفير وليس منشئا له، وهو ما سنَشرحه لاحقا، وقد يكون محاولة البعض تضخيم دور شكري مصطفى للتغطية على الدور السلبي لفكر سيد قطب، الذي بدل معالجة أخطائه بتنقيح كتبه وإزالة المواضع المبهمة فيها على الأقل، بقي الإصرار على طبعها كما هي برغم ما تولد عن ذلك من نتائج سلبية عبر هذه السنوات الطويلة!

4- نتج عن الظلم والتعذيب في السجن والفكر الغالي والتكفيري ظهور عدة جماعات تكفيرية في داخل السجن "الجماعات الإسلامية الجديدة بمعتقل طرة السياسي والتي تجاوزت الثلاثين، وعدد أفرادها مجتمعين لا يتعدى العشرين"!!([16])، ولاحقا بعد الإفراج عن المعتقلين زادت فرقة هذه الجماعات، ويحدثنا عنها د. إبراهيم الزعفراني: "استمر هذا الفكر التكفيرى ينتشر داخل طبقة الشباب حتى أوائل السبعينيات حتى بعد السنوات الأولى لخروج عدد من الإخوان من السجون في عهد الرئيس السادات، وكان عددٌ قليل منهم يحملون الفكر التكفيري، مثلا في الإسكندرية أ. محمد سالم وأ. محمد عبد المجيد، وكانوا قيادات سابقة لإخوان الإسكندرية، بل وتكونت جماعات تحمل هذا الفكر أكبرها جماعة التكفير والهجرة التى كانت تسمي نفسها (جماعة المسلمين)، ولا أبالغ إن قلت أن عدد هذه الجماعات كان بالمئات وكل جماعة منهم تزعم أنها تمثل جماعة المسلمين وتكفّر الجماعات الأخرى، بل وكانت بعض الجماعات تكفّر الخارجين عليها وتعتدي عليهم بالضرب وأحيانا بالقتل"([17])، وهذه طبيعة الغلو والتكفير التشرذم والتفتت ومعاداة الاجتماع والوحدة، ومن ذلك ما نعيشه –لليوم- من انشقاقات جماعات العنف والتطرف على بعضها البعض ومن أبرزها في حاضرنا انشقاق داعش عن القاعدة!

5- تقدم لنا هذه القصة مثالا حيا ومعاصرا على كيفية تولّد البدع من بعضها البعض، وكيف تكبر وتتضخم بسبب الجهل، فعلي إسماعيل وجد فريقين الأول يكفّر بحق وبغير حق، والآخر يتهاون في تعظيم حرمات الله، فلم يكتف بذلك بل ابتدع قولا جديدا لا سند له شرعيا، ثم بدأ ينزل تطبيقات اجتماعية له، وبعد تراجعه أصر شكري مصطفى وعبد الله السماوي على المضي في الغلو مع جهلهما وصغر سنهما، ثم لم يكتفيا بغلو شيخهما المتراجع، بل زادا على ذلك كثيرا وخاصة شكري، وسوف نعرض ذلك بعد قليل.

6- أيضا هذه القصة تقدم لنا دليلا على ضرورة نشر العلم والتزامه للوقاية من الفتن والغلو، فعلي إسماعيل تمكّن من التيقظ لخلل مساره وغلوه برحمة من الله عز وجل وتوفيقه أولا، ثم بما لديه من رصيد علمي أزهري تم استثماره للخروج من الفتنة.

شخصية شكري مصطفى وتدرجه في الغلو والتكفير

شكري مصطفي من مواليد سنة 1942م، وحين قبض عليه سنة 1965 كان عمره 23 سنة، وفي السنة الثالثة من كلية الزراعة، وكان شابا عاديا من شباب الإخوان المسلمين ليس له أي معرفة أو شأن في العمل الإسلامي، ولكن قدّر الله له أن يُسجن مع الزعماء وخاصة مجموعة محمد قطب، ومن هنا بدأت مسيرته في الغلو والتطرف.

وسنعتمد شهادة رفيقه في رحلة السجن أحمد رائف حيث يقول: "ترجع معرفتي بشكري مصطفى إلى أيام التعذيب الأولى بالسجن الحربي، ثم رجعنا إلى معتقل أبي زعبل على قدر، وجمعنا عنبر الزعماء -هكذا كانوا يسمونه- ثم انفصل مع الآخرين إلى زنازين الشمال عندما رفضوا تأييد "الملهم"([18]) "ثم غادرنا معتقل أبي زعبل السياسي وغادره معنا أهل زنازين شمال، وذهب الجميع إلى معتقل طرة السياسي"([19]).

أما نشأته الأسرية فيتحدث عنها أحمد رائف بقوله([20]): "كانت ظروفه الأسرية شديدة فقد طلقت أمه، وتزوج أبوه امرأة أخرى وتزوجت أمه رجلا آخر، وهو لا يدري أين يذهب بعد الإفراج عنه، وكان كثيرا ما يتندر بهذه الحالة ويقول ضاحكا: هذا الاعتقال حلّ لي الكثير من المشكلات".

أما عن شخصيته وتكوينه الشرعي فيقول أحمد رائف: "قد جاء صدفة إلى السجن الحربي وهو لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره -هذا خطأ لا يناسب تاريخ مولده ولا دراسته!- وعذّب مثل الآخرين، ... وفوجئت به في عنبر الزعماء وهو الغلام الحدث، وفوجئت أنه لا يعرف الكثير أو القليل عن الإسلام، اللهم إلا الصلاة، ... كان يسكن في العنبر على مقربة مني، وكان هذا أدعى للأحاديث الكثيرة بيننا، كنتُ في أغلبها المتحدث الذي يجيب على أسئلته الكثيرة النهمة، فهو يريد أن يعرف قصة الإخوان المسلمين وكيف اعتقلوا؟ ولماذا؟ وما هو الجهاد في سبيل الله؟ وكيف قامت دولة الإسلام في سالف عهدها؟ وما معنى دين ودولة؟ مصحف وسيف؟ كان يَسأل ويَسأل ولا يفعل أكثر من ذلك، وفيما عدا ذلك فهو مهرّج مع المهرّجين، ضاحك مع الضاحكين في مرح بالغ".

ثم بدأ بالتحول قليلا كما يقول رائف: "ثم انتابته حالة ... فهو يصمت ويستمر في الصمت حتى أنه لا يتبادل الحديث مع أحد بالمرّة، واقتربتُ منه أيامها وكنت الذي أجيب على أسئلته الكثيرة أسأله عن سبب صمته المريب فلا يجيب، ويكتفي بالقعود على بطّانيته محدقا في لا شيء، ويأكل في موعد الطعام ويصلي مع المصلّين، وإذا خرجنا إلى طابور الفسحة لا يخرج معنا ويكتفي بالجلوس وحيدا في العنبر متأملا محدقا حتى يعود الناس، وتطور الأمر معه فصار يصلي في الليل، وكان في العنبر كثير يفعلون هذا، وانضمّ إليهم وصار واحدا ممّن يقيمون الليل.

وكففت عن سؤاله عن سبب صمته واكتفيت بملاحظته عن كثب أحاول أن أدرك ما يفكر فيه بلا فائدة حتى جاء اليوم الذي رفض فيه التوقيع على التأييد، وانحلّت عقدة لسانه وصار مرحا ثرثارا كما كان من قبل.... وقال لى بشوشا: لعلك تعجب من عدم توقيعي على التأييد؟

في الحقيقة نعم.

تريد أن تعرف السبب؟ وقلت له ملحّا: لو سمحت.

وتنهّد شكري مصطفى تنهيدة طويلة ملأت عينيه بالحزن وفارقه مرحه وبدا جاداً صارما: قد رأيت ما حلّ بنا وما فعلته الحكومة معنا، استباحت أبناءها وضربتهم بالسياط وقتلتهم واغتصبت الفتيات والأطفال، قد رأيت بنفسك هذا هنا في هذا المكان، وفي السجن الحربي كنا سويّا، وصنّفوني من الزعماء ولست كذلك، قد عرفت هذا بنفسك. لقد سمعت منك قصة الإسلام بالتفصيل لم أسمعها من قبل، وكلما ازددت معرفةً ازددت غيظا، والظن أنه إن لم تأتني هذه الفرصة للمعارضة وإعلانها لمتّ كمداً، أقل ما نفعله لحكومة مثل هذه التي تحكمنا أن نظهر لها احتقارنا لها، هذا أقل ما ينبغي علينا فعله، ولو استطعت أكثر من هذا ما ترددت"، وهو هنا يتحدث عن تأييد عبد الناصر في حرب 67 وسبق الإشارة إليه، وواضح هنا تأثير الظلم بالسجن والتعذيب على شخصية شكري.

وفي قصة شكري خطأ يتكرر كثيرا في السجون وهو خلط الشباب الصغار أو المساجين الجنائيين مع شخصيات فكرية أو رمزية في جماعات العنف مما يحوّل هؤلاء الشباب لمسار العنف والتطرف، فشكري في محيط يعلن كفر الرئيس والحكومة ومعاونيه على لسان محمد قطب([21])، ثم يكفّر أحمد نصير بقية السجناء وهو ابن شقيقة محمد قطب([22])، ثم كانت فتنة علي إسماعيل بابتداع التوقف والتبيّن والتي استمسك بها شكري ثم غلا فيها وزاد.

ويواصل أحمد رائف تسجيل تطور شخصية شكري مصطفى فيقول: "كان عنبر اثنين هو أعظم العنابر خطرا على الإدارة والحكومة، وكان في تسلسله يبدأ بغرفة اثنين حيث بها شكري مصطفى ومحمود حلمي والشيخ علي إسماعيل وعبدالله بن أحمد السماوي وآخرون يبلغ عددهم حوالي العشرين حيث الحدة في تناول الأمور من وطأة الاعتقال الرهيب والتعذيب البشع الذي كان.

ثم انتقل محمود حلمي وآخرون إلى غرفة ثلاثة حيث محمد قطب "والعشرات" وهي طبقة الذين قضوا عشر سنين كاملة في السجن دون تأييد، وهؤلاء أقل حدة"([23]). "وكانت غرفة اثنين حيث شكري مصطفى ومن معه تضطرم بالثورة العارمة، شكري يريد أن يعلنها حربا على العالم أجمع، ومن ليس معه فهو من الكافرين، وعنبره هو سفينة نوح والناجي من ركب فيها، ومن ليس معه فهو عليه، كانت نفسه تضطرم بالغضب والرغبة بالانتقام، ويعلن هذا في كل مكان ولكل شخص، وكلّمه العقلاء والحكماء بلا فائدة، وصار الغضب يغلي في صدره حتى جافاه النوم فهو يقطع الليل جيئة وذهابا في الممر الطويل صامتا متأملا يفكر كيف يبدأ ومتى يخرج"([24]).

"وتغيرت أحوال شكري مصطفى داخل زنازين شمال. ومن داخل هذه الزنازين نضج فكر الرفض الذي بلغ مداه عندما قالوا بكفر الحكومة، وزادوا في هذا حتى اعتَبروا أن الأرض كلها دار حرب ليس فيها إسلام، وقد تم هذا كله على مراحل"([25]).

وكان غضب شكري المعلن يواجَه بكثير من الحوارات بلا فائدة، منها هذا الحوار الذي نقله أحمد رائف على هامش لقاءات المرشد الهضيبي بمحمد قطب لمحاولة جمع الآراء لكن لم يتم ذلك، وبقي المرشد على رأي، ومحمد قطب على رأي([26]) وشكري وبعض الشباب على رأي ثالث في غاية الغلو والتطرف، يقول أحمد رائف: "وكان شكري مصطفى يرى القتال الضروس والإرهاب، وقتْل كل من اشترك في تعذيب المعتقلين ليكونوا عبرة لغيرهم، ويجب تعليم الشباب معنى الشهادة والتضحية، وأنه لو قتل ضابط واحد فلن يفكر آخر بتعذيب معتقل واحد بعد ذلك... ويقول إنه من العار على المسلمين أن يمسك بهم كالدجاج دون مقاومة ... فلماذا لا نستشهد عندما يفكرون بالقبض علينا ... ولماذا لا نبدؤهم بالحرب؟ .. وكان يقول إننا نستطيع تصفية هذه الحرب لصالحنا بقتل بضع مئات من الضباط قبل أن ينتبهوا.

ويسأله عاقل: وما نتيجة ذلك في نظرك؟

... سوف نخلق جيلا جديدا من الضباط المؤمنين سيخافون من القتل، وينتبهون لكلمة الإسلام، ولن ينفذ واحد منهم الأوامر، نحن نسلب الظالم سيفه الذي يضرب به الناس.

ويهز الشيوخ رؤوسهم أسفا ... ويقول حكيم: أنت تدعو إلى فتنة تأكل الأخضر واليابس"([27])، هكذا كان يفكر شكري في السجن، لكنه حين خرج من السجن هدأ قليلا ووجّه طاقته وغلوّه نحو المجتمع بدلا من النظام ورجالات التعذيب، فهل كان هذا بسبب الغلو في الغلو أم بسبب توجيه خبيث ذكي؟!

يقول رائف إن شكري واجَه حسن طلعت مدير مباحث أمن الدولة حين زارهم في السجن وقال له: "أنت كافر ورئيس جمهوريتك كافر، ولئن أحياني الله وخرجت من المعتقل لأقاتلنّكم قتالا شديداً، ولئن متّ فسوف يأتي من بعدنا من يقضي عليكم ويزيل دولتكم.... وبطبيعة الحال تحركت الرشاشات والتفّ الجند حول شكري مصطفى، وبإشارة يسيرة من مدير المباحث تركوه...

وقام الرجل -حسن طلعت- إلى مبنى الإدارة وصحب معه شكري مصطفى الذي غاب ساعات"!!([28])، ومن يَعرف وحشية أجهزة أمن عبد الناصر يوقن أن ترك شكري حياً لم يكن عبثاً، هذا الاستخدام من الأمن لشكري مصطفى لن يتوقف بل سيصبح نهجا علنيا بعد أن يقيم تنظيمه عقب الإفراج عنه.

واستقلّ شكري بغلوّه عن بقية الإخوان ومجموعة محمد قطب([29]) وبعد عام 68 أصبح شكري يخلو في سجن طرة بالمسجد المهجور الذي شهد اجتماعات الهضيبي ومحمد قطب، فقد كان "شكري عنيفا غضوبا متنائيا عن الناس يمهّد لأمر عظيم سوف يكون بعد الإفراج"([30])، ولم يكن يوافقه إلا شخص واحد ثم انشق عنه وأسس جماعة تبعه فيها شخص واحد أيضًا([31])، وفي سنة 70 كان شكري منبوذا في السجن من الإخوان([32]).

يعلق أحمد رائف بعد سرده لحوار طويل مع شكري مصطفى بقوله: "كان شكري مصطفى مشروعا خطيرا يوشك أن يكون، قد قام المعتقل بإعداده إعدادا جيدا، وأشرف عبد الناصر وضباطه على صناعته، ولم يغفلوا تفصيلة صغيرة فيه"([33])، وفي نبوءة صادقة عن أثر سياسات الظلم الرسمية التي انتهجتها الأنظمة القمعية على شاكلة نظام عبد الناصر اليساري قال أحمد رائف: "وتركتُه ... وأنا أفكر في جريمة عبد الناصر التي ارتكبها في حق هذه الجماهير الممتدة في ذلك الجسد الهائل الممتد من المحيط إلى الخليج، فقد صنع نظاما إرهابيا صار قدوة لكل البلاد المجاورة وهم يقلّدونه، ومن ثم سوف يكون في كل بلد شكري مصطفى آخر بملابس مختلفة ولهجة أخرى، ولكنه سيكون بنفس هذه الروح المدمّرة التي ترفض العلم وتلقي بنفسها في مجهول الخرافة ... عالما قد ملئ بالفتية والفتيات وقد ملئت أخيلتهم بأحلام الشهادة وضباب التضحية من أجل غاية لا يفهمونها ومُثل لا وعي لهم بها، ومن خلال طريق مخوفة مجهولة قد فَرض الوهم نفسه عليها.."([34])، وكم ينطبق هذا الكلام على فتنة داعش في واقعنا المعاصر التي عصفت بآلاف الشباب والشابات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وينقل أحمد رائف عن محمد قطب توقعه الذي تحقق بانتفاش هذه الجماعات التكفيرية الصغيرة، فينقل عن محمد قطب: "قد ترى واحدا ممّن نراهم رائحين وغادين هنا وهناك يبحثون عن نصير لهم أو تابع فلا يجدون، ولكنهم خارج هذا المعتقل سوف يتبعهم الكثيرون، أكثر مما يظن أي أحد، ربما عشرات الألوف أو قل مئات الألوف"([35])، وفعلا سرعان ما تبع شكري مصطفى عدة آلاف وانتشر فكره في عدة دول، واليوم داعش تجد من يصدق أكاذيبها في مختلف دول العالم!

وينبّه أحمد رائف لقضية مهمة وهي غفلة الجماعات الإسلامية، وخاصة جماعة الإخوان المسلمين، عن مثل هذه الحالات وكيف سيكون مستقبلها خطيرا بسبب إغفالها فحص العقائد والأفكار ومراعاة دروس وتجارب التاريخ، يقول رائف لشكري مصطفى: "مشكلة الإخوان أنهم لا يدركون خطورتك، ولا يفكّرون فيك، ولا يتاولونك تناولا جادا، أما أنا فأرى المستقبل لأني قرأت الماضي وفهمتُه، وأكاد أتخيل ما سوف تفعله عندما تغادر هذا المكان"([36])، ويؤيد مختار نوح أن جماعة الإخوان قصّرت في معالجة التطرف فيقول: "إنها أيضاً لم تشارك بصورة جادة أو حقيقية في مواجهة هذه الأفكار بالقول أو بالعمل على الأقل"([37])، وهو الأمر الذي ما يزال يتكرر من الجماعة بالاستخفاف بكثير من بؤر التطرف حتى تتضخم وتجلب الكوارث التي كان يمكن علاجها بقليل من العلم والفطنة وسلامة المنهج والتفكير!  

الخلاصة؛ إن شكري مصطفى الشاب الغر المهرج تحت ضغط السجن والتعذيب والكفر الذي لم يكن يتورع عنه عسكر عبد الناصر وبسبب سجنه مع مجموعة محمد قطب تشرب فكر سيد قطب([38]) - ويبدو أنه فقد توازنه في تلقي فكر سيد كبعض من سبق لهم تكفير الناس وتبرأ منهم سيد- فتحول إلى وحش فكري يعتقد كفر كلّ الناس حتى من علّمه الغلو والتكفير إلا نفسه ومن تبعه! ويتوعد السلطة بتكوين جماعة تحاربها!

كل هذا وهو جاهل بالشريعة وسنه آنذاك لم تتجاوز 30 سنة، وتم إطلاق سراحه للمجتمع ليتحول إلى وحش فكري يطبق نظرياته على خصومه قتلا وعدواناً.

في الحلقة القادمة نتعرف على تنظيم شكري جماعة المسلمين.

 



[1] - مجموع الفتاوى، 8/425.

[2]- تم اعتقال 34 ألف شخص، منهم 450 امرأة، انظر: اختلافات الإسلاميين، أحمد سالم، ص 134.

[3]- التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين، علي العشماوي، ص 240، البوابة السوداء، أحمد رائف، ص 372.

[4]- البوابة السوداء، ص 394، 403.

[5]- المرجع السابق، ص 432.

[6]- المرجع السابق، ص 356.

[7]- عبد المنعم أبو الفتوح، شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، تحرير حسام تمام، ص 63.

[8]- سراديب الشيطان، ص 114، تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السري، د. السيد عبد الستار، ص 13. لكن نجيب ابن عبد الفتاح إسماعيل وأخاه أنس وأختيهما، وهم أبناء شقيقه عبد الفتاح دينمو تنظيم 65، سيصبحون لاحقا من رؤوس التكفير الغلاة لدرجة أن كفّروا أباهم عبد الفتاح الذي أعدم مع سيد قطب لكونه إماما وخطيبا بالأزهر! وكفّروا  كثيرا من رؤوس التكفير حتى سميت جماعتهم بجماعة تكفير التكفير! نقلا عن بعض من سُجن معه في بداية الثمانينيات.

[9]- جماعة التكفير والهجرة، صفحة د. إبراهيم الزعفراني على الفيس بوك، 12/11/2015.

[10]- الإخوان وعبد الناصر: القصة الكاملة لتنظيم 1965م، أحمد عبد المجيد، نسخة الكترونية على موقع الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين.

[11]- تجربتي مع الإخوان من الدعوة إلى التنظيم السري، ص 13.

[12]- سراديب الشيطان، أحمد رائف، ص 62.

[13]- فصّلنا ذلك في الحلقة السابقة.

[14]- البوابة السوداء، ص 398 ، 405.

[15]- اختلاف الإسلاميين، ص 473.

[16]- سراديب الشيطان، ص 103. وغالب هؤلاء التكفيرين لم يكن يتجاوز سنه 25 سنة، نفس المرجع ص 116، وهي علامة من علامات الخوارج في السنّة النبوية.

[17]- مذكرات الزعفرانى.. الفهم الإسلامي في مواجهة الفكر التكفيرى (1) منشور على شبكة الإنترنت، اختلاف الإسلاميين، ص 470.

[18]- سراديب الشيطان، ص 95.

[19]- نفس المرجع، ص 96.

[20]- البوابة السوداء، ص 399 وما بعدها.

[21]- البوابة السوداء، ص 355.

[22]- نفس المرجع، ص 432.

[23]- نفس المرجع، ص 508.

[24]- نفس المرجع، ص 509.

[25]- سراديب الشيطان، ص 95.

[26]- "كان محمد قطب نسيج وحده ... والفرق بينه وبين أصحاب العنف أنه يدعو إلى الثبات والمواجهة بكلمة الإسلام... وإن كان لا بد من شهداء فليسقطوا تحت هذا الشعار، ويوما سوف ينتصرون ويتبين الشعب إلى أي شيء يدعون الناس"، سراديب الشيطان، ص 82.

[27]- سراديب الشيطان، ص 62.

[28]- البوابة السوداء، ص 584،583،574، وسبق الإشارة لتلاعب إدارة السجن بشكري في ص 509، حيث قال أحمد رائف: "واستثمرت الإدارة هذه الروح -الغاضبة- في إجراء التدريبات السمجة" والتدريبات تعني الترويض للمساجين.

[29]- يقول د. عبد الله أبو عزة: "تميزت المجموعة القطبية التي تزعمها الأستاذ محمد قطب، شقيق سيد، وهي التي حملت لواء التطرف. ثم انشق عن هذه المجموعة فئة تزعمها شكري مصطفى، وتوالت الانشقاقات بعد ذلك، فقد انسحب من فريق شكري مصطفى شخصان كوّنا من نفسيهما مجموعة منفصلة عن الآخرين، تتبرأ منهم وتكفرهم"! كتابه (الإخوان المسلمون الحركة الأم دراسة نقدية)، ص 208. ورصد انشطارات جماعة شكري مصطفى في السجن ثم تطورها باسم التوقف والتبين محمد سرور في مقدمة كتابه (الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو) الجزء الثاني التوقف والتبين.

[30]- سراديب الشيطان، ص 134.

[31]- سراديب الشيطان، ص 76، 96، 103.

[32]- ذكرياتي مع جماعة المسلمين، عبد الرحمن أبو الخير، نقلا عن موسوعة العنف، مختار نوح، ص 525.

[33]- سراديب الشيطان، ص 112، 123.

[34]- نفس المرجع، ص 114.

[35]- نفس المرجع، ص 146.

[36]- نفس المرجع، ص 99.

[37]- موسوعة العنف، ص 199.

[38]- الحكم بغير ما أنزل الله وأهل الغلو، محمد سرور، ج 1 ص 300، والعجيب أن المؤلف يورد نص كلام شكري في اعتماده كلام سيد، ثم ينفى صلة شكري بسيد قطب! قد يصلح أن يقول إن شكري غلا في فكر سيد أو تجاوزه أو انحرف به عن مراد سيد، لكن القول بأنه لا يربطه رابط بسيد قطب فهذه مجازفة.

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق