قضية المرأة والابتزاز العلماني للإسلاميين
الخميس 18 أكتوبر 2012
أنظر ايضــاً...

فاطمة عبد الرءوف – كاتبة مصرية

خاص بالراصد

قضية المرأة .. كينونتها .. ثقافتها .. دورها ومسئولياتها .. طريقة تأثيرها في الحياة العامة .. باختصار كل التفاصيل المتعلقة بالمرأة منذ الطفولة وحتى الشيخوخة مرورا بفترات ربما لم تحظ باهتمام، أصبحت قضية القضايا في السجال الساخن الدائر بين الإسلاميين والعلمانيين، وعلى درجة عالية من الأهمية والظهور إعلامياً، ولكن الغريب في الأمر أن هذه السجالات الفكرية والإعلامية غالبا ما تكون هجوماً من جانب العلمانيين بينما يقبع الإسلاميون في دائرة الدفاع، وقد يتطور الأمر لدى فريق منهم للتنازل والتنصل عن مبادىء صحيحة لمجرد استرضاء الجانب العلماني ومحاولة التقارب معه.. يأتي هذا التنازل تحت لافتات شتى .. المصلحة المرسلة .. تغير الأحكام بتغير الأزمان .. آراء فقهية شاذة .. يقينا فإن مجال الفقه الإسلامي واسع والمسائل المجمع عليها قليلة ولكن الدافع في كثير من الأحيان لدى فريق من الإسلاميين ليس هو الدليل القوي وإنما فقط هو محاولة استرضاء العلمانيين أو استمالتهم وهو الشيء الذي لم يحدث على الإطلاق، فكلما تنازل الإسلاميون وتهاونوا ازداد هؤلاء العلمانيون شراسة وتجبراً وتعالياً وتمادياً في الغي والضلال.

وحتى على مستوى الخطاب يميل هؤلاء للحديث الليّن الرقيق خوفا أو استمالة بينما يرد هؤلاء العلمانيون بقسوة وغلظة واستهزاء والأمثلة كثيرة:

ممثلة هابطة تحترف أدوار البغاء وما يقاربها، وتقوم بما كانت تقوم به صاحبات الرايات الحمر في الجاهلية، تتطاول وبكل وقاحة على الإسلاميين - وهي نجمة دائما على قنوات الإعلام العلماني - وتبث وقاحتها ومخاوفها من حكم الإسلاميين، فيرد عليها أحدهم بما فيها ويسألها من أنتِ حتى تتحدثين عن الإسلاميين وأنت تحترفين أدوار البغاء، فقامت دنيا العلمانيين ولم تقعد كيف يتحدثون هكذا عن الفنانة الطاهرة التي تؤدي رسالتها بإخلاص ثم كان سيل الخطاب الاعتذاري من مجموعة من الإسلاميين، حتى أنه تم دعوتها للقاء رئيس الجمهورية في لقائه مع الفنانين وعلى الرغم من ذلك رفضت الحضور.

العجيب أن هذه المرأة التي هي ممن لا يعتد بشهادتها أصلا لانحرافها البيّن، لأنها ممن يشيعون الفاحشة، هي موضع احترام نفر من الإسلاميين، ويا للمفارقة هي تحتقرهم، وهم يلتمسون رضاها فلماذا هذا الخوف؟ هل الخوف بسبب لائحة الاتهام الجاهزة.

أنتم أهل بداوة لا تتفهمون الفنون الراقية ستعيدوننا للحكم الثيوقراطي .. إلى آخر القائمة. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم " سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُون خَدَّاعَة، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ " رواه الإمام أحمد.

وفي رواية: قيل: وما الرويبضة؟ قال: الفويسق يتكلم في أمْر العامة!، وفي رواية: قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافِـه يتكلّم في أمْر العامة. وما أكثر السفهاء الفاسقين التافهين في أيامنا هذه.

نموذج آخر: ما هو السن المناسب لزواج الفتاة، تلك القضية المثارة مؤخراً، فهم يعتبرون أن سن الثامنة عشرة هو الحد الأدنى الذي تستطيع الفتاة أن تتزوج فيه، أما قبل هذه السن فالفتاة مجرد طفلة غريرة يعتبر زواجها لوناً من الاتجار بالبشر، وهم يشهرّون بأي إنسان يعارض هذا الحكم المقدس المستمد من المواثيق الدولية التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها في زعمهم، عندما ترى العلماني في أحد البرامج الحوارية وهو يتحدث باستعلاء أن سن الثامنة عشرة هذا حددته الاتفاقات الدولية، وترى الإسلامي يتحدث بكل هدوء وأدب ورفق ويقول له ولكن يا أخي هناك بنود لا تتوافق مع الشريعة، فيرد عليه العلماني مزمجرا أنتم هكذا أيها الإسلاميون تريدون العودة بالزمن للوراء ويقوم بإلقاء خطبة عصماء يسانده فيه المذيع الذي يدير الحوار والذي تقتضي منه المهنية أن يقف على الحياد، فيصاب المشاهد بحالة شديدة من الإحباط ويرتسم السؤال الكبير، لماذا يخضع بعض الإسلاميين لهذا الابتزاز. فالمحاور يرفض المرجعية الإسلامية ويرى أنها أحكام تاريخية، وآراء مفسرين وفقهاء، بينما نحن لا نستطيع مس مقدساتهم الجديدة مثل اتفاقية إلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة المعروفة باتفاقية سيداو.

الحقيقة المؤكدة أن هذه الشرذمة من العلمانيين التي تعيث  في الأرض فسادا أحدثت شرخا واسعا في بنية الأمة بعد أن أخذت على عاتقها تشويه وضعية المرأة في المجتمع وإهدار مصالحها، فعندما تصل الفتاة لسن التكليف أو كما يطلقون عليه المراهقة يحرمون ويجرمون أن تشبع رغبتها الفطرية في الجنس الآخر عن طريق الحلال، ويمنحونها في الوقت ذاته المفاتيح السحرية للولوج لهذا العالم عن طريق الحرام من خلال وسائل عديدة  أهمها الفن الخادش للحياء الذي يثير الغريزة ويقدم وسائل وطرق ملتوية لإشباعها ويلتمس العذر للفواحش والمنكرات، كما أنهم لا يمانعون في أن تجرب الفتيات الجنس بدون زواج قبل سن الثامنة عشرة، ولن يكلف دعاة العلمانيين أنفسهم أن يسألوا هؤلاء المراهقات عن رأيهن في تلك القوانين التي تسن لأجلهن فالعلمانيون يرون أنهم بالطبع الأكثر دراية بالمصلحة العامة  (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ  يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ  فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) (البقرة: 8-11).

الأكثر خطورة في هذه القضية أن الثقافة العلمانية المتعلقة بالمرأة أصبحت شبه سائدة لا يعارضها أحد حتى  كثير من أصحاب التوجه الإسلامي يحاولون تجميلها وصبغها بروح إسلامية ولا يمتلكون جرأة الوقوف ضدها نظرا للتشنيع الذي سوف يلقونه من هؤلاء العلمانيين.

وعلى سبيل المثال في القضية السابقة وهي سن الزواج المناسب للفتيات، أصبحت الثقافة الشائعة أنه لا ينبغي للفتاة أن تفكر في موضوع الزواج حتى تكمل تعليمها أولا حتى نهايته وربما يسمح لها بالزواج في السنة النهائية من الجامعة مثلا .. هذه الثقافة التي تفرض فرضا على الفتيات بحيث لا يمكن للفتاة أن تعبر عن رأيها الحقيقي حتى لا توصم بأنها فتاة غير مهذبة وتفكر في أشياء غير لائقة أو أنها فتاة كسولة ومهملة.

الفارق الأساسي أن الفتاة الملتزمة سوف تربى على تجنب الحرام بكل صوره ولكن هذا لن يمنعها من الشعور بالضغط  أو حتى الكبت.

ليس معنى كلامي أن كل الفتيات يفضلن هذا الاختيار فالمسألة شخصية من الطراز الأول وإذا كان الإنسان رجلا أو امرأة يمتلك حرية إرادته بدءا من سن التكليف فكل المطلوب أن نمنح الفتاة حرية كاملة وحقيقية لاختيار مسار حياتها فالإسلام يرفض تماما فكرة الإكراه فلا تزوج فتاة كرها أبدا وإلا فإن هذا الزواج يكون باطلا، كما أنني أرفض أن تزوج الفتيات الصغيرات بهدف حصول عائلتها على المال من الأثرياء، فهذا يحرّمه الإسلام، وفي المقابل لابد أن نزيل العوائق المترسخة في اللاوعي الجمعي للفتيات نتيجة الثقافة العلمانية والتي تكرههن على رفض الزواج في سن صغيرة رغم حاجتهن الماسة لذلك وهن يعرفن ذلك جيدا.

على الإسلاميين ألا يتنازلوا أبدا طمعا في هداية من لا يريد الله هدايته فهناك فريق ختم على قلبه وعقله، كلما تنازلنا خطوة طالبوا بالمزيد حتى ننسلخ عن ديننا.

مع هؤلاء لابد أن نواجه بقوة ولا نخشى في الله  لومة لائم وندخر جهدنا للتفكير في حلول حقيقية وإبداعية لما يواجه المرأة من مشكلات صادقة ولعل القضية الأساسية للمرأة والتي ينبغي بذل الجهد فيها كيف نحقق للمرأة التوازن والراحة النفسية للقيام بكافة مسئولياتها، كيف تتزود من العلم قدر ما تستطيع وفي الوقت نفسه لا نحرمها من كينونتها كأنثى .. كيف نعدها كأم وكيف نساعدها للقيام بهذا الدور العظيم .. كيف نساعدها على العمل عندما تكون بحاجته أو يكون بحاجتها وكيف نوفر لها حياة كريمة حتى لو لم تكن تعمل حتى نمنع أي محاولة للاتجار بها والتعامل معها كسلعة لا تمتلك إلا جسدا .. باختصار شديد كيف في هذا العصر المملوء بالفتن نجعل المرأة أمَة لله حقا فتسعد وتسعد من حولها. 

 

 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق