حزب البعث والطائفية ...مقارنة بين تجربتي سوريا والعراق
الخميس 18 أكتوبر 2012
أنظر ايضــاً...

عبد الحميد الكاتب – كاتب عراقي

خاص بالراصد

أصبح حزب البعث -بعد تجربتيه في العراق وسوريا– موصوفاً بأنه حزب طائفي نبذ مبادئه القومية واحتمى بالهوية الطائفية ليشبع رغبته في التسلط والاستبداد، هكذا يُتهم الحزب من قبل قوى المعارضة (الشيعية العراقية، والسنية السورية)، فلم يعد أحد يهاجم البعث لعلمانيته المتشدده أو لفشله في تحقيق أهدافه القومية في الحرية والوحدة، أو لطرقة الإقصائية القمعية في الحكم وإدارة شؤون الدولة.

ولمعرفة مدى دقة وصحة هذا الاتهام لا بد من النظر في التجربتين، والمقارنة بين السياستين (البعثية السورية، والبعثية العراقية) حتى يتسنى لنا الحكم الموضوعي والالتزام بالحقائق بعيداً عن تهويل قوى المعارضة واتهاماتها المطلقة دون دليل وبرهان.

إذ ليس من الصعب القول بأن سياسة البعث العراقي كانت على النقيض من سياسة البعث السوري، ولعل إلقاء الضوء على التجربتين يكفل لنا إثبات هذا الأمر دون عناء.

السياسة الداخلية

بنى حزب البعث حكمه في سوريا على أساس العصبة الطائفية، فمكّن العلويين من مواقع السلطة والقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، وقرّب الأقليات الأخرى، وأبقى الغالبية السنية تابعين أذلاء وواجهات مجردة من أي نفوذ أو سلطة فعلية، وجعلهم أدوات تنفذ إرادة العلويين ولا ينالون ما يريدونه إلا بالذل والتملق والنفاق.

ولم يكتف النظام بوضع مؤسسات الدولة ورقاب الشعب تحت تصرّف وتحكّم العلويين، وإنما تعدى ذلك إلى سياسة التوسع الديمغرافي في كثير من المناطق، وذلك مُلاحظ في مدن اللاذقية وحمص ودمشق وريفها.

أما نظام البعث في العراق فلم يعتمد على العرب السنة إلا بقدر ما يحفظ سلطته ولذلك وجدناه يقرب بعض العشائر ويُهمل عشائر أخرى، ويفضل بعض المدن على بعض، ويُنصّب شخصيات شيعية في مواقع السلطة في المحافظات السنية وبالعكس، ويوطّن الشيعة العرب في محافظة كركوك بعد تهجير أهلها الأكراد السنة، ولم يقم بأي عملية تغيير ديمغرافي لصالح السنة، وأي تهمة يوجهها الشيعة لصدام ونظامه بالطائفية فلا تعدو كونها فرية أو أنها فهمت على نحو خاطئ فالنظام لم يفكر يوماً بذهنية طائفية إلا إذا حققت مصلحته، وهذا أقرب للتلاعب بالسنة من خدمتهم فهو لا ينفع السنة إلا بقدر ما ينفع نفسه، لكنه في نفس الوقت كان يُقرّب الشيعة ويستعملهم في المواقع المهمة بالرغم من قناعته بأنهم أهل غدر وخيانة وأن جانبهم لا يُومَن لا سيما بعد (الحرب العراقية الإيرانية 1980 - 1988، وتمرد آذار 1991)؛ ولذلك لم يكن غريباً في عراق البعث أن يكثر وجود الشيعة في المناصب العليا والمؤثرة في الدولة.

فالمسألة تعدّت حدود السذاجة والحمق والتهور الناشئ من الإيمان بالمبادئ البالية للفكر القومي البعثي، فالسياسة قائمة على المصالح وتُحسن التمييز بين العدو والصديق، وبين الولاء الصادق والنفاق المفضوح، فسلوك البعث في العراق سلوك أناني لا يبالي بمستقبل الأوطان والشعوب المبتلاة بالتشيع، فلا يمكنني مناقشة من يرفضون الخطاب الطائفي - من سائر الاتجاهات الفكرية- إلا في ضوء اتهام النوايا والتشكيك بالمقاصد.

فالمنطق اللاطائفي مليء بالخبث من حيث كونه يُغرر الجهلة العوام بزخرف القول وسحر الكلام ويصرفهم عن واقعهم البائس، بل هو لون من الدجل والسحر لشعوب مغيبة ألفت الجهل والهزيمة يُزين لها التعايش مع الورم والوباء والطاعون والبلاء المقيم، ويقدم لها السم على صورة الترياق المجرب والدواء الشافي.

 والمحرك الوحيد لأنصار الخطاب المعادي للطائفية هو المصالح الحزبية والمنافع الشخصية والأنانية المحضة، والرغبة بالتفرد بالحكم والقيادة، وهذه هي حال عامة البعثيين والإخوان والناصريين والوسطيين المعتدلين من الساسة وأرباب الفكر والثقافة، فمقتل النظام العراقي كان في الأنانية والدكتاتورية التي أهلكت العراق وأسلمته للشيعة.

السياسة الخارجية

لم تختلف السياسة الخارجية للحكم العلوي البعثي السوري عن طريقته في إدارة شأن الداخل السوري، إذ كانت تتمحور حول تعزيز التحالفات مع القوى الشيعية والأقليات في المنطقة والإضرار بالدول والمصالح السنية قدر المستطاع، فالبعث العلوي رأس الحربة في المشروع الشيعي، ولولاه لما كان لإيران النفوذ الكبير في سوريا ولبنان وفلسطين، فهو شريك أساسي وليس عنصراً تنفيذياً تابعاً للإرادة الإيرانية، ونذكر على سبيل الإجمال أهم ما قدمه البعث السوري للشيعة في المنطقة:   

1- احتلال لبنان واضطهاد أهل السنة منذ عام 1976 وحتى يومنا، ولم يتوقف النظام السوري عن إثارة الفتن حتى بعد خروجه المذل من لبنان عام 2005، ومن آثار هذا الاحتلال:

- مجزرة تل الزعتر بحق الفلسطينيين 1976.

- مجزرة باب التبانة بحق أهل طرابلس 1986.

- مساندة المليشيات الشيعية (منظمة أمل) في عملياتها الدموية ضد مخيمات الفلسطينيين السنة.

- اغتيال رموز السنة (الشيخ صبحي الصالح، مفتي لبنان الشيخ حسن خالد، الرئيس رفيق الحريري).

- الاضطهاد الأمني المخابراتي على يد قيادات شيعية، مثل: (علي دوبا، بهجت سليمان، غازي كنعان، جميل السيد، علي الحاج)([1]).

- دعم شيعة (حزب الله وحركة أمل) سياسيا وعسكريا، ودعم المسيحيين والدروز المؤيدين للنفوذ الشيعي المتنامي.

- ملاحقة الإسلاميين والتضييق عليهم لا سيما في مدن الشمال، أما سياسته بعد الانسحاب عقب مقتل الحريري (شباط 2005)، فتمثلت في تسليط المتشددين (فتح الإسلام) على مناطق السنة بغية زعزعتها أمنيا، وتوريطها بتُهم التطرف والإرهاب.

2- احتضان المعارضة العراقية لنظام صدام، وإعدادها لمشروع تشييع العراق وخدمة الأجندة الأمريكية بعد الاحتلال، فما قدمته سوريا للمحتل الأمريكي يفوق ما قدمته الدول الخليجية من قواعد وأراض للقوات الغازية، وهذه النقطة يتغافل عنها كثير من الذين يهاجمون محور الاعتدال وحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، فلولا المالكي وبيان جبر الزبيدي وكوادر حزب الدعوة والمجلس الأعلى التي ترعرعت في ظلال العلويين سنين طويلة ما كانت الإدارة الأمريكية لتنجح في بناء دولة للشيعة في العراق، أو في ما تسميه التجرية الديمقراطية!

3- احتضان تنظيم القاعدة وإدخاله للعراق لنشر القتل والدمار والفوضى في المناطق السنية لا سيما محافظات الأنبار وصلاح الدين والموصل.

4- دعم المتمردين الأكراد ضد الحكومة التركية السنية.

5- التواصل مع خصوم النظام السني في الأردن وهي سياسة ثابتة للحكم العلوي منذ أيام حافظ الأسد.

أما السياسة الخارجية للبعث العراقي فكانت على النقيض من سياسة العلويين، فآخر ما يخطر ببالهم هو مصالح أهل السنة والدفاع عن قضاياهم، وليس أدل على ذلك من عملية اجتياح الكويت ( آب 1990) التي قضت على نتائج المعركة مع إيران ومهدت لصعود الشيعة في المنطقة، فضلاً عن استعداء دول الخليج والسعودية، ومردّ هذه التصرفات الكارثية إلى العقلية الرعناء لصدام حسين ونظامه، وعدم المبالاة بخصوصية العراق كبلد مجاور لإيران يحتضن السم الشيعي في أحشائه.

لم يحسن النظام العراقي الاستفادة من المعارضة السورية الإسلامية / الإخوانية التي لجأت للعراق، ومنعها من العمل ضد النظام العلوي وذلك لتوجسه منها من جهة، وعدم إيمانه بمذهبية الصراع بين الأقلية الحاكمة والأكثرية السنية من جهة أخرى، فالنظام في بغداد لم يكن يفكر في الإضرار بالحكم الشيعي في دمشق بينما عكف العلويون على التخطيط والتدبير والإعداد للإضرار بالعراق وإضعافه من خلال المشاركة في العدوان الثلاثيني عام 1990، واحتضان ودعم نشاط المعارضة العراقية بقيادة حزب الدعوة والأحزاب الشيعية الأخرى.

الموقف من الحركات الدينية

رغم تشدد البعث السوري تجاه التيارات الدينية السنية السورية لم يجد العلويون حرجاً في إقامة أقوى التحالفات مع الحركات والأحزاب ومراجع الدين الشيعة في سبيل تعزيز قوة المذهب في المنطقة سياسيا وثقافيا وعسكرياً.

فالبعث السوري أنشأ تحالفاً وقدم دعماً لأهم التيارات الشيعية في المنطقة وهي (حزب الله اللبناني، حزب الدعوة العراقي، المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، مراجع الدين وعلى رأسهم محمد حسين فضل الله) ولم تقف العلمانية المتطرفة "المزعومة" في وجه مصالح المذهب، بل أصبحت بلاد الأمويين ساحة مباحة لنشر الفكر الشيعي في أوساط السنة من جهة وتدريسه لأبناء الطائفة من جهة أخرى.

لم تكن "سوريا العلوية" مرتعا للفساد الأخلاقي والانسلاخ من الالتزام الديني فحسب، وإنما غدت مرتعاً للتبشير بالديانة الشيعية فكثرت فيها العمائم وطلبة الفقه وزوار المراقد الدينية، ولعل هذا هو معنى التعايش والتسامح الديني: أن يجتمع في المدينة السُنية: المرقد الشيعي والمرقص الليلي، والحسينية والنوادي الليلة، والأضرحة والمسابح المختلطة، ولا يُهدد التعايش السلمي والوحدة الوطنية إلا المسجد والمصلون واللحية ودُور القرآن الكريم ومعاهد العلم الشرعي!.

في المقابل وجدنا البعث العراقي يتشدد مع التيارات الدينية السنية والشيعية على حد سواء، بالرغم من علمه بارتباط الشيعة دينيا وسياسياً بإيران، وهو أمر غير موجود في الحركات السنية (الإخوان والسلفيين) .

لقد أصدر مجلس قيادة الثورة القرار رقم (461) لعام 1980 والذي يقضي بإعدام كل من ثبت انتماؤه لحزب الدعوة الشيعي، ليصدر قراراً مماثلاً رقم (201) لعام 2001 يحكم فيه بإعدام كل من ثبت انتماؤه للمذهب الوهابي.

لا مجال للمقارنة بين النشاطين والتيارين، فللحزب الشيعي المذكور قيادات وكوادر وكيان سياسي وعسكري منظم وارتباط خارجي، فهو تنظيم مسلح يترأس المعارضة الموالية للعدو الإيراني.

أما الدعوة السلفية فليست سوى مجموعة من المثقفين الإسلاميين لهم نشاطهم الدعوي السري المحدود في بعض المدن والمحافظات تدعو للعودة إلى أساسيات الدين وثوابته المتفق عليها ونبذ الشركيات والبدع والمستحدثات والتمسك بالكتاب والسنة، ولم يكن لها قيادة أو تنظيم تحكمه ضوابط العمل الحزبي السري فضلا عن أن يكون لها نشاط مسلح أو طموح سياسي، بل إن جهاز المخابرات وتقارير مديرية الأمن العامة والحزبيين لا تحفل بكثير من المعلومات عن النشاط الدعوي للسلفيين لأنه كان يتم بسرية تامة وحذر شديد من أعين الرفاق المنافقين، ومع هذا فقد أصدر مجلس القيادة قراره الظالم بحق مجموعة من الإسلاميين كان الأولى به توجيهه في محاربة التشيع الذي اختطف ولاء حشد كبير من الشعب العراقي وأرهق القيادة السياسية لذلك البلد المبتلى بجوار إيران.

لم تكن الوهابية (السلفية) في أدبيات الفكر العروبي إلا حركة إحياء وتجديد إصلاحية، فسياسة البعث تجاه هذه الدعوة لم تُبن على أساس فكري مبدئي ولم تنطلق من ضرورة أمنية وسياسية، وإنما على الحمق المحض والجهل بالمصالح والمفاسد وانعدام التمييز بين الأصدقاء والأعداء، وبين الحلفاء والخصوم.

وسيطول ندم البعثيين السنة على سنوات ملاحقة السلفيين بعد أن لاحق الشيعة البعثيين بنفس التهمة "الوهابية"، وبعد أن رأوا إخوانهم في الفكر والنضال القومي يعودون ثانية الى مناصب الدولة القيادية دون تمييز أو اجتثاث فمذهبهم الشيعي كان شفيعهم عند النظام الشيعي الجديد.

4-الموقف في الأزمات

كان العراق في ظل حكم البعث موضع التآمر الإقليمي والدولي، وبقيت القيادة السياسية في موضع تلقي الضربات وكشف المخططات التآمرية الشيعية والأمريكية منذ سنوات الحرب مع إيران وحتى الأيام الأخيرة؛ وذلك لأن النظام لم ينظر في مشكلته الداخلية حيث خاصرته الرخوة وموضع دخول العدو (شيعة العراق الخونة) ولم يلتفت إليها بعلاج ملائم، واكتفى بأمرين:

1- البطش الأعمى المتهور (خلال الثمانينات وحتى مطلع التسعينات) والذي زاد من نقمة الشيعة، فقاموا بسرقة البلد ونهبه في نيسان 2003 عقب احتلال الأمريكان للعراق.

2- الإهمال والتراخي (أثناء الحصار الدولي) والذي مكّن الشيعة من إعادة ترتيب الصفوف وانتظار جهود شيعة الخارج للانقضاض على النظام السني المنخور بالفساد والاستبداد.

فنظام صدام حسين الموصوف بالشدة وبالبطش أصيب بالإنهاك والإجهاد والضعف لا سيما بعد تمرد الشيعة في آذار 1991، وكان الأولى به استخدام الهجوم كأفضل أسلوب للدفاع، لكنه لم يكن قادراً على تصدير الأزمات والمشاكل لخصومه (إيران وسوريا) لأنه لا يُحسن استخدام السلاح الذي يستخدمه الشيعة الإيرانيون والسوريون!.

النتيجة: بغداد شيعية ودمشق علوية

تمكن الحكم الشيعي في سوريا من الصمود والبقاء لفترة تقترب من نصف قرن (1963 - 2012)، وعلينا أن نقرّ أن العلويين استطاعوا الصمود قرابة عامين أمام الثورة كما نجحوا في قمع كل محاولات التمرد السابقة وما زالوا يقاتلون في سبيل الحفاظ على ملكهم.

 بينما لم يتمكن النظام العراقي السني من الصمود أكثر من 23 سنة (1979 - 2003) بعد أن أنهكته الضربات والمؤامرت الإيرانية والأمريكية والإسرائيلية، وكانت نهايته الخاطفة المخزية دليلا على هشاشته الداخلية وسوء إدارته لبلاده لأنه لم يتخذ عقيدة قتالية صالحة للبقاء في الزمن الشيعي.

لم يعترف البعث العراقي بالفوارق الدينية والطائفية فلم يجد من يقاتل معه في معركته الأخيرة، فالسنة لم يجدوا في النظام ما يدفعهم للقتال عنه، فهو لم يحتضن إلا المنافقين والوصوليين والنفعيين وكان صوت المخلصين والأكفياء الأوفياء ضعيفاً ومضطهداً إن كان مسموعاً! أما الشيعة فاستغلوا الحدث ليقوموا بدورهم التاريخي المعروف بالخيانة والغدر.



[1]  - بالإضافة  إلى خونة السنة كاللواء رستم غزالة، والعماد مصطفى طلاس.

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق