إيران والجماعة الإسلامية.. عندما تتكشف الحقائق
الخميس 18 أكتوبر 2012
أنظر ايضــاً...

 

أسامة الهتيمي – كاتب مصري 

خاص بالراصد

كما أن الحق هو ما يشهد به الأعداء فإن أقسى النقد وأصدقه هو ما يوجهه الأصدقاء، فالصديق هو الأكثر وعيا بما يكون عليه صديقه بحكم عمق المعاشرة والمخالطة ومن ثم فإن ما ينطق به من مثالب وعيوب بحقه يكون توصيفا دقيقا لواقعه وحقيقته التي ربما تغيب بكليتها عن الآخرين الذين غالبا ما تكون آراؤهم مطعوناً فيها لأنها جاءت نتيجة انطباعات خاصة ربما لا تعكس الحقيقة المقبولة عند التقييم الموضوعي والحيادي.

هذا المنهج السابق يمكن الأخذ به بشكل كبير عند دراسة الحالة الإيرانية الشيعية ومحاولة فهم ودراسة سياساتها التي تحمل الكثير من التباينات بل والتناقضات التي تصيب الدارسين بحالة شديدة من الحيرة إذ أن هذه السياسات لا تتبع في أكثر الأحيان معايير ثابتة بل إنها أيضا لا تتوافق والمصالح المرحلية التي ينظر إليها الدارسون باعتبارها المصالح التي يفترض أن يستهدفها صاحب القرار والتي لأجلها يتم تبرير اتخاذ هذا القرار أو ذاك إلا أن السياسات الإيرانية بتناقضاتها تلعب على ما هو أبعد من ذلك فهي ترنو دائما في مسلكها إلى تحقيق أهدافها الإستراتيجية البعيدة والتي تمثل انقلابا حقيقيا على ما رفعته من شعارات وتبنّته من هتافات ذلك أن ما يبدو منها يكشف عن رغبتها في ممارسة النفوذ والسيطرة ولو على حساب غيرها من مكونات الأمة الإسلامية بل ولو بالتحالف مع مكونات أخرى تدرك هي قبل غيرها أنها من تعادي الأمة وتود عنتها.

 

شهادة الصديق

في هذا السياق تأتي أهمية الشهادة التي أدلت بها مؤخرا بعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية خلال ندوة استضافتها صحيفة الأهرام وخصصتها للحديث عن الحركة الإسلامية في شبه جزيرة سيناء على ضوء الجريمة البشعة التي شهدتها خلال شهر رمضان المبارك وراح ضحيتها نحو ستة عشر جنديا مصريا إذ لم تتردد الجماعة الإسلامية على لسان بعض قادتها (الدكتور عصام دربالة رئيس مجلس شورى الجماعة، والدكتور طارق الزمر رئيس المكتب السياسي لحزب البناء والتنمية، والدكتور صفوت عبد الغني المتحدث الرسمي وعضو شورى الجماعة) أن تشير بأصابع الاتهام إلى إيران باعتبارها طرفا مستفيدا من توتر الأجواء في سيناء وبالتالي فإنها يمكن أن تكون متورطة بالفعل في هذه الحادثة.

ففي سؤال لمنظمي الندوة حول الجهة التي تقف خلف حادث رفح قال قادة الجماعة :"إن ما يحدث في سيناء مرتبط بشكل أساسي بالصراع الإقليمي بالمنطقة العربية خاصة ما يتعلق بالمواجهة بين "إسرائيل" وإيران.. مضيفين أن هذا المشهد بات واضحا ومكشوفا".

واستطرد قادة الجماعة الإسلامية :"أنه وبعد انهيار النظام السوري الحليف الأول لإيران أصبحت إمكانية استمرار حزب الله كقوة يمكن أن تردع "إسرائيل" عن استهداف إيران محل شك وهذا يعني أن الاستراتيجيات التي يمكن التفكير فيها من جانب إيران وحزب الله يمكن أن تذهب إلى ضرورة إيجاد مواقع جديدة يمكن الضغط بها على إسرائيل لمنعها من اتخاذ أي قرارات ضد إيران.. وفي مثل هذه الأمور يبحثون عن الأماكن الرخوة ومنها سيناء".

ويخرج قادة الجماعة من قناعتهم السابقة بالقول بأن :"هناك تيار تمت تغذيته منذ سنوات عديدة قبل ثورة 25 يناير وهذا التيار لكي يستمر وجوده كان يتمحور حول قضية محددة هي وجود مقاومة "إسرائيل".

وهنا يتساءل منظمو الندوة عمّن يغذي هذا التيار؟ ليجيب قادة الجماعة قائلين :"هذا التيار كانت تصنعه أطراف خارجية على أنه تيار نابع من الحالة المصرية وكان يدعى إليه في بعض المحافظات بهدف تكرار التجربة اللبنانية على أرض سيناء.. وهذا ما كشف عنه حادث رفح في ظل وجود رئيس ينتمي للمشروع الإسلامي السني الذي يجب ألا ينهض من قبل استراتيجيات أخرى وهي إيران وبالتالي إدخال مثل هذا المشروع في دولة ناهضة بعد ثورة ناجحة قد يفرض عليها أمورا تسبب احتمال دخولها في صدام مع الدولة "الإسرائيلية" وهذا سيؤدي إلى نتيجتين:

الأولى: أن هذا النظام الجديد سوف يتورط في حرب لا يريدها وبالتالي سوف يخفف الضغط على إيران.     

والثاني: إنهاك هذا النظام الجديد فلا ينهض ولا يقوى.. وإذا ما رفض هذا النظام الجديد الدخول في هذه المواجهة فسوف تستمر حالة الارتباك في سيناء بما يعني أن مصر لا تستطيع السيطرة على الوضع في سيناء وهذا يتطلب تدخلا دوليا لإخماد ما يدور في سيناء وهذا ما يجعل الشعب المصري يثور على النظام الجديد الذي ترك الأمور تتداعى بصورة تؤدي إلى فقد لجزء عزيز من أرض الوطن". 

ونستطيع أن نخلص مما سبق بأن أدلة اتهام الجماعة الإسلامية أو شكها في إيران تتركز حول ثلاثة أسباب:

أولا: أن أحداث الثورة السورية وقرب سقوط نظام بشار الأسد يسحب البساط من تحت أقدام حزب الله الذي يتم الترويج له باعتباره رمز المقاومة ضد الكيان الصهيوني لسببين:

الأول: أن حزب الله حتما سيفقد مصداقيته أمام الشعوب العربية والإسلامية خاصة تلك التي انتفضت وانحازت للثورة وللربيع العربي.

الثاني: أن الحزب سيخسر رافدا مهما من روافد الدعم المالي والسياسي واللوجستي المرتبط بنظام بشار الأسد إذ أن النظام السوري الذي سيخلفه سيكون في كل الأحوال على علاقة عدائية أو متوترة مع حزب الله لدوره في دعم الأسد ومحاولاته لإجهاض ثورة السوريين.

ثانيا: أن إيران تسعى بكل السبل إلى أن تخفف من حدة الضغوط التي تواجهها من الغرب والمجتمع الدولي نتيجة برنامجها النووي ويكون ذلك عبر لفت النظر إلى بؤرة جديدة للتوتر مع الكيان الصهيوني الذي تدرك إيران جيدا أنه المحرك الرئيس لضغوطات الغرب.

ثالثا: إشغال مصر التي تقود المشروع السني الناهض الذي يحاول أن يستعيد دور مصر الإقليمي والدولي بعد فترة من التغييب والتهميش لأسباب ارتبطت بنظام حسني مبارك إذ تعتقد إيران أن هذا المشروع وعلى الرغم من انفتاحه على إيران وتحركه من منطلق أهمية أن يحسن علاقته بها إلا أنه ستأتي لحظة معينة وتحدث حالة من الصدام بينهما لأن المشروع السني يأبى محاولات إيران لفرض النفوذ والهيمنة على المنطقة فضلا عن حرصها على نشر مذهبها وتشييع السنة.

وليس أفضل من العمل على إجهاض هذا المشروع أو إعاقته بأية طريقة ومن ثم فقد كان العمل على توتير شبه جزيرة سيناء بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد، أحدهما ما أشرنا إليه سلفا من لفت انتباه الغرب بعيدا عن إيران والثاني توريط النظام المصري في معارك ربما هو ليس على استعداد كامل لخوضها الآن خاصة وأن البلاد تمر بمرحلة من عدم التوافق السياسي الداخلي بعد أحداث ثورة 25 يناير 2011.

 

أهمية الشهادة

والحقيقة أن أهمية هذه الشهادة تكمن في طبيعة العلاقة السابقة بين الجماعة الإسلامية والدولة الإيرانية التي تحتاج إلى الكثير من الدراسة والتحليل وهو ما سنحاول أن نسلط الضوء على بعض جوانبها سريعا خلال السطور المقبلة كما تنبع أهمية هذه الشهادة من كونها جاءت مصحوبة باستنتاجات وأدلة تستند إلى فهم الجماعة الإسلامية لتوجهات إيران التي وعتها وأدركتها عن قرب خلال مرحلة التقارب بينهما طيلة حقبة الثمانينات والتسعينات من القرن الميلادي الماضي.

إن الجماعة الإسلامية لم تكن بالنسبة لإيران مجرد حركة إسلامية من بين عشرات الجماعات التي نشأت في البلدان العربية والإسلامية خلال عقود النصف الثاني من القرن العشرين الميلادي فقد ارتبطت إيران بعلاقة خاصة مع هذه الجماعة التي تعاطفت عناصرها وبشدة مع الثورة الخمينية الإيرانية عام 1979م وهو التعاطف الذي وصل إلى حد أن نظمت الجماعة مؤتمرا شعبيا كبيرا أعقبته بمظاهرة حاشدة أعلنت خلالها رفضها استضافة الرئيس الراحل أنور السادات لشاه إيران وأعلنت تأييدها لثورة الخميني وهي التظاهرة التي قتل فيها أحد عناصر الجماعة بعد الاشتباك مع قوات الأمن.

ويفسر علي عبد العال، الباحث في شئون الحركات الإسلامية، في اتصال مع "الراصد" هذا التعاطف بأن الجماعة كانت وقتئذ تبحث في فكر الثورة الإيرانية خاصة بعد قرارها برفع السلاح ضد النظام، فالثورة الإيرانية كانت ملهمة لها في حين كان لدى الإيرانيين الرغبة في تصدير ثورتهم خارج إيران ولهذا فقد توافقت الرغبتان وهو ما دفع إيران إلى أن تؤوي عددا من قيادات الجماعة الإسلامية في أعقاب قيامهم بالتحالف مع جماعة الجهاد لاغتيال الرئيس الراحل أنور السادات بل إنها رغبت في أن تعلن دعمها وتأييدها لمثل هذه المواقف فأطلقت اسم قاتل السادات خالد الإسلامبولي على أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة طهران وهو ما كان أحد المشكلات الحاضرة في العلاقات المصرية – الإيرانية زمن حسني مبارك حيث طالبت الخارجية المصرية مرات ومرات الدولة الإيرانية برفع اسم الاسلامبولي وهو ما رفضته إيران.

ويضيف عبد العال أن بعض الحركات الإسلامية ومنها الدعوة السلفية التي كانت في بداية نشأتها آنذاك تنبهت لمثل هذا المسلك فأعلنت تخوفها من الثورة الإيرانية وعابت على الجماعة الإسلامية موقفها الداعم لها وذلك من خلال البيانات التي أصدرها شباب الدعوة في الجامعات المصرية فضلا عما كتبوه من مقالات في مجلة (صوت الدعوة) لكن هذا لم يكن ليثني الجماعة الإسلامية عن مسلكها حيث قررت ما قررت أن تسير فيه.

 

إيران تتعرى

الموضوعية تقتضي الإشارة إلى أن الجماعة الإسلامية وقعت في فخ خداع إيراني فلم يكن تعاطفها مع الثورة الإيرانية هو تعاطف مع مشروع شيعي توسعي ولكنها بالفعل – أي الجماعة الإسلامية – كانت تنظر للثورة الإيرانية باعتبارها نموذجاً للانعتاق من الاستبداد والفساد والسعي لتحكيم الشريعة الإسلامية وهي الشعارات التي كانت ترفعها الثورة الإيرانية آنذاك ووجدت لها مكانا في قلوب شباب الحركة الإسلامية الذين كانوا يعانون الأمرين. 

ويؤكد ذلك أن عناصر الجماعة الإسلامية بما فيها قياداتها في الخارج اصطفت جميعها ضد المشروع الإيراني الشيعي عندما تعرت إيران شيئا فشيئا وانكشف للجميع حقائق منهجها وطموحاتها وهو ما عرّض قيادات الجماعة الذين كانوا يقيمون في إيران لأبشع أنواع الانتهاكات حيث السجون والإقامة الجبرية وحرمان أبناءهم من التعليم وتسليم بعضهم لأجهزة مخابراتية دولية تعلم إيران كيف ستعاملهم وماذا ستفعل بهم وذلك تنكيلا بهم نتيجة رفضهم للسياسات الإيرانية التي ووفق الباحث علي عبد العال أكدت أن الثورة الإيرانية ثورة توسعية تريد نشر التشيع في العالم.

وقال عبد العال إنه وبعد سنوات قليلة من استضافة إيران لقيادات الجماعة الإسلامية كمحاولة للثأر من مصر لاستضافتها من قبل لشاه إيران بعد قيام الثورة الخمينية حتى استيقظت قيادات الجماعة الإسلامية على ما لم تكن تتوقعه أو تتحسب له فإيران هي من ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية في غزوها لأفغانستان وهي من كانت العامل الرئيسي الذي مكن قوات الاحتلال الأمريكي من استتباب الأمر لها في العراق وتدفع بإعدام صدام حسين بعد محاكمة هزلية وهي الدولة التي تجسد بسلوكها العنصرية والمذهبية والطائفية نتيجة حربها الشرسة ضد السنة والعرب في الأحواز وبلوشستان وأحكام الإعدام ضد نشطائهم بلا محاكمات حقيقية.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد فقد وصل التعري الإيراني إلى حد أن تكشف عن حقيقة علاقتها بالجماعة الإسلامية وأنها وعناصرها ليسوا إلا ورقة أرادت بها إيران ابتزاز النظام المصري وأنها على استعداد أن ترمي بهم في حال كان ذلك يحقق لإيران أدنى مصلحة ولهذا فقد مارست إيران على عناصر الجماعة الإسلامية وأسرهم كل من يمكن تخيله لإرضاء أطراف بعينها ومن ذلك:

1 – السجن وتحديد الإقامة وكان ذلك بهدف إرضاء الولايات المتحدة والنظام المصري.

2- تسليم بعض العناصر أو طردهم خارج الحدود الإيرانية في وقت تعلم فيه أن هذه العناصر مطلوبة لدى أجهزة استخبارات بعض الدول.

ويضيف عبد العال أن العقل لا يقبل مطلقا أية مقولات إيرانية لتبرير هذا السلوك إذ السؤال: ما الذي كان يجبر إيران على أن تبيع أصدقاءها؟ والإجابة بكل تأكيد أن هؤلاء الأصدقاء لا يساوون شيئا عند إيران ولم تكن أبدا منحازة لما يطرحونه ويستميتون في الدفاع عنه.

ويقول عبد العال: "وتستمر إيران في سياساتها المعادية لأمن واستقرار الأمة فلا تكف عن ترديد الزعم بأنها صاحبة الحق في الجزر الإماراتية الثلاث (أبو طنب الصغرى وأبو طنب الكبرى وأبو موسى) وتواصل دعم إثارة التوتر والقلاقل في البحرين وتمد الحوثيين في إيران بالسلاح والمال من أجل تفتيت اليمن وأخيرا تقف داعمة ومساندة للنظام السوري ضد ثورة الشعب وهو الأمر الذي يحدث حتى اللحظة ما أسفر عن مقتل وإصابة وتشريد الملايين من السوريين.

ويشير عبد العال إلى أن كل ذلك كان كفيلا بأن تدرك الجماعة الإسلامية أن إيران ليست مبدئية وأن دعمها لأطراف هنا أو هناك ليس لإيمانها بما تحمل هذه الأطراف من قيم تسعى لتحقيقها وأن هدف الدعم يستهدف إحداث خلخلة وتفكيك بعض البلدان في إطار أن تسير نتائجه نحو الهدف الإستراتيجي الأعلى الذي يجعل من إيران القوة الكبرى والأقوى في المنطقة ليس لخدمة الإسلام كما تدعي وإنما لإحياء الحلم الفارسي.

ويتساءل عبد العال قائلا: ألا يرقى ما سردناه سالفا إلى أن تشير بعض قيادات الجماعة الإسلامية بأصابع الاتهام لإيران ووضعها في دائرة الشبهات الخاصة بالمسئولين عن عملية رفح؟

ويضيف .. صحيح لا يوجد دليل مادي على تورط إيران في العملية لكننا دائما عند البحث عن المسئول عن حادث نبحث دائما عن المستفيد أيضا من هذا الحادث ولهذا فإنني اتفق مع قيادات الجماعة الإسلامية في استبعاد كل الأطراف عدا "إسرائيل" وإيران فالكيان الصهيوني بالفعل يريد احتلال سيناء ولن يتراجع عن استمرار المحاولات لتحقيق ذلك، ولذلك نرى صحفه دائما ما تتحدث عن سيناء باعتبارها مصدر تهديد للأمن والإرهاب وأن مصر غير قادرة على أن تحقق فيها الاستقرار، أما إيران فهي تريد أن تلفت نظر المصريين بعيدا عن سوريا وأحداثها حتى لا تتلقى الثورة السورية الدعم المصري رسميا وشعبيا فضلا عن انشغال الجيش المصري في سيناء واحتمالية جره إلى الحرب.

واختتم عبد العال قائلا: "إن الجماعة الإسلامية وقياداتها تنتقد الآن إيران وسياساتها فقد انتهى التقارب بينهما فالجماعة الإسلامية تدعم وبشكل علني الثورة السورية بل إنها أرسلت بعضاً من عناصرها لمشاركة الجيش الحر في جهاده ضد بشار الأسد وقواته". 

 

 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق