تعقيب على د. يوسف القرضاوي
الثلاثاء 20 فبراير 2007
تعقيب على د. يوسف القرضاوي
تاريخنا المفترى عليه..
أ.د. عبد الحليم عويس
( 1/2)
مجلة المنار الجديد عدد 34
عن دار الشروق (بالقاهرة) صدر كتاب (تاريخنا المفترى عليه) للدكتور يوسف القرضاوي (ط1/1425هـ. 2005م) يتضمن نقدا لبعض آراء الدكتور عبد الحليم عويس حول ما كتبه عن (الدولة الأموية).. وهذه الدراسة حوار علمي يتضمن ردا من الدكتور عبد الحليم عويس على الدكتور القرضاوي؛ تعاونا على تجلية تاريخنا، ووصولا إلى القسمات الكاملة لصفحة من كتاب (تاريخنا المفترى عليه)].
 
 
في البداية أشير إلى أن لأخينا الأستاذ الدكتور الداعية العلامة يوسف القرضاوي من الحقوق علينا ما يلزمنا أن نتعامل معه بما هو أهله؛ من الأدب الجمّ والخلق الرفيع. ولست من الذين يقولون: إنه لا كبير في مجال العلم! لا يقصدون من ذلك ضرورة أن تكون لكل عَاِلم آراؤه المرجوحة أو المخطئة، أو أن تكون له كبوة، فالكمال لله وحده ـ سبحانه وتعالى ـ والعصمة لأنبيائه ـ عليهم السلام ـ فهذا فقه متفق عليه، وإنما يقصدون وهم ـ مخطئون في ذلك في رأيي ـ أن مجال العلم يتساوى فيه الصغير والكبير، أو الكبير والأكبر، في أسلوب التعامل، وفي مقارعة الحجة بالحجة بالطريقة نفسها، وبالأسلوب نفسه.
فذلك في رأيي خطأ؛ لأنه قد يجوز للأكبر مع الكبير، أو للكبير مع الصغير، أن يستعمل في تقديمه حقائق العلم، أسلوبا لا يجوز للطرف الآخر أن يستعمله معه!!
فلا مجاملة في العلم حقاً؛ لكن تجب المجاملة؛ بل يفرض الأدب الأرقى مهما يكن الاختلاف بين الأكبر والكبير، أو الكبير والصغير.
وابتداء ألزم نفسي: إتباع هذا المنهج في الحوار مع أخير الدكتور/ يوسف القرضاوي حول ما ورد في كتابه : (تاريخنا المفترى عليه)، نشر دار الشروق بالقاهرة، الطبعة الأولى، 1425 هجرية، 2005 ميلادية.
وأبدأ بالثناء على ما يمكن اعتباره الفصل الأول، وهو ما ورد تحت عنوان: (جور العلمانيين على التاريخ الإسلامي وتحريفهم له، وقسوة بعض الإسلاميين عليه)، [الصفحات من 13ـ75]، وأعتقد أن هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد من الكتابات، الذي كتب في سبع صفحات فقط شرحا لعنوانه: (الشريعة كانت أساس المجتمع الإسلامي طوال 13 قرنا). [الصفحات من 25ـ31]، أشير عليه بتعميق هذا الجانب عن طريق بعض الدراسات الجادة، التي كتبها أساتذة أفاضل مثل : (محمد عابد الجابري، وجلال أمين)، كما أنني شخصيا أخرجت كتابا كاملا يكاد يتطابق مع هذا العنوان، أصدره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة، تحت عنون (القيم الإسلامية في تاريخ المسلمين)، وهو تتبع تاريخي يثبت وجود الشريعة الإسلامية والقيم الإسلامية في مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة، وحتى يوم الناس هذا، وذلك بالطبع ـ مع وجود نسبة الشذوذ البشرية ـ عبر كل الدول الإسلامية فالإسلام دين الأمة، والأمة كانت دوما تجاهد في سبيل الحياة في ظلاله.
أما حديث الشيخ (القرضاوي) عن قسوة بعض الدعاة على التاريخ الإسلامي، وأخص منهم الشيخ (محمد الغزالي، الإمام المجاهد رحمه الله رحمة واسعة) فلعل أخي الدكتور يوسف القرضاوي لم ينس أنني في ملتقي من ملتقيات الفكر الإسلامي بالجزائر نقدت بعض أراء الشيخ (الغزالي) في التاريخ الإسلامي أمامه دون أن أذكر اسمه، ثم قام الدكتور يوسف القرضاوي ـ جزاه الله خيرا ـ فأكد ما قلتُ، وطالبني بالتوسع في النقد، فلما نزلنا بعد الكلمتين والتقينا بالشيخ (الغزالي) قال لنا ـ رحمه الله ـ بابتسامة هادئة وادعة؛ ليقينه بحبنا له: لقد أدركت أنكما تقصداني بكلامكما، وقد اقتنعت به وأعاهدكما أن أتمهل بعد ذلك في حكمي على هذا التاريخ..
وهذه حسنة تذكر للشيخ الإمام (محمد الغزالي) الذي كان رجاعا إلى الحق متى اقتنع به، وعندما يكون الخطاب معه بإسلوب كريم هادئ.
الشيخ القرضاوي.. وبنو أمية
أكاد أتفق مع أخي الأكبر الدكتور (يوسف القرضاوي) في المنهاج العام الذي عالج به قضايا الدولة الأموية، ولا شك في أن رؤيته كانت منصفة إلى حد كبير، ولعل هذه العبارة التي أنقلها عنه تمثل خلاصة هذا المنهاج الذي أؤيده فيه، وإن كنا سنختلف في مجال التطبيق:
يقول الشيخ القرضاوي: "وأنا ممن يدافعون عن بني أمية، ولا أقبل التهم الجزافية التي تلصق بهم، وكثير منها لا يثبت عند التمحيص، أو يُعطي أكبر من حجمه، ولكني لا أبرئهم من مظالم ارتكبوها، وسنن غير راشدة استنوها وهي ما اجتهد عمر بن عبد العزيز أن يغيرها، ويضع مكانها سننا صالحة، ويزيل المظالم، ويرد الحقوق إلى أهلها". [تاريخنا المفترى عليه، ص:84].
وأشكر أخي (يوسف) أنه جعلني وكتابي المتواضع عن (بني أمية بين السقوط والانتحار) من مراجعة الأساسية التي اعتمد عليها عند حديثه القريب من الإنصاف عن أمير المؤمين (معاوية رضي الله عنه) إلا أنني أختلف معه فيما أخذه عليّ (في الهامش رقم2، ص93) وذلك في قوله: (مما أخذته على صديقنا عبد الحليم عويس: أنه عاب المؤرخ الرحالة الكبير المسعودي أنه كان يحمل ـ سلفا ـ تحيزا ضد معاوية في صراعة مع علي!!.
ويتساءل الشيخ القرضاوي: من في المسلمين من وقف مع معاوية ضد عليّ، وقد ثبت بالحديث الصحيح: أنه على رأس الفئة الباغية؟ [انظر بني أمية بين السقوط والانتحار ص: 20].
فهذا التعليق من الشيخ القرضاوي يعني أنه لا يوجد من المسلمين من يقف مع معاوية، مع أن الواقع التاريخي خلاف ذلك، فقد وقف معه أهل الشام (وهم مسلمون ولا يمكن تكفيرهم!!) كما وقف معه عدد يعتدّ به من الصحابة والتابعين المجتهدين!!.
بل إن هناك مؤرخين ومجتهدين ومفكرين كثيرين (مع حبهم وتقديرهم الكامل للإمام علي رضي الله عنه) يرون أن الخليفة معاوية رضي الله عنه كانت له (ولأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها) ومن معهم؛ وجهة نظر باغية مرجوحة [في رأينا ورأي أستاذنا القرضاوي ورأي أكثر الأمة].. لكنها ـ مع ذلك ـ وجهة تتكئ على أصل شرعي وفقه وعلم..
لقد كانت وجهة نظر معاوية ومن معه أن بقاء معاوية في الشام في تلك الظروف المضطربة التي تولى فيها عليّ الخلافة بقاء ضروري؛ حيث خبر معاوية الروم وأدرك أمورهم وعرف كيف يسوس الأمور في مواجهتهم بسياسة مرنة حكيمة، وقد أقره على سياسته عمر وعثمان رضي الله عنهما.. فلماذا لا يذهب عليّ مذهبهما حفاظا علي هذا الثغر المهم، لا سيما أن الوضع في المدينة كان يحمل في ظاهره وباطنه نذرا خطيرة لا تبعث على التفاؤل؟ وأصحاب الفتنة هم الذين نصّبوا عليا، وهناك عدد من كبار الصحابة توقف عن مبايعة عليّ رضي الله عنه مثل (سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر)، (وهما من أهل الشورى) ثم أسامة بن زيد، وصهيب من المهاجرين، وحسان بن ثابت، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، ورافع بن خديج، وسلمة بن وقض، وأبو سعيد الخدري من الأنصار، كما أن الحدود كانت قد أهملت لعدم إقامتها على من قتلوا الخليفة عثمان رضي الله عنه.
كما أن معاوية ـ في رأي كثيرين ـ كان أقدر على سياسة الدنيا في ظل انفتاح المسلمين على العالم، واستيلائهم على كثير من أرض إمبراطورتي الفرس والروم بما يحمله هذا التطور من تحديات تستوجب قدرا كبيرا من المرونة..
وقد كان الخليفة العظيم عمر بن الخطاب رضي الله عنه نافذ البصيرة والرؤية حين زار واليه معاوية في الشام، ورأى بعض أساليبه (البروتوكولية والأمنية) غير المألوفة، فأنكر عليه ذلك.. لكنه بعد حواره مع معاوية انتهى إلى إقرارها عن طريق السكوت عنها.. قائلا لمعاوية: (لا آمرك ولا أنهاك).. مع أن (معاوية) قال له: لو نهيتني يا أمير المؤمنين عن ذلك انتهيت!! فقال له عمر: (لا آمرك ولا أنهاك)..
وهذا يعني أن هناك أوضاعا جديدة في عدد من البلاد المفتوحة ـ لا يصلح معها (نوم الخليفة العظيم عمر بن الخطاب في جانب من الطريق في المدينة!!).
إن الأستاذ عباس العقاد ـ يشير إلى حقيقة هذا التطور الذي استطاع معاوية التعامل معه بقوله: "وما كان أحد ليطمع في بقاء عصر الخلافة على سُنة الصديق، والفاروق أبد الآبدين ودهر الداهرين؛ لأن اطراد النسق من ولاة الأمر على هذه الطبقة العليا من الخُلُق والتقوى أمرٌ تنوء به طاقة بني الإنسان. فما كان دوام الخلافة الصديقية، أو الفاروقية بمستطاع على طول الزمن، وما كان قيام الملك بعد الخلافة بالأمر الذي يؤجل إلى زمن بعيد". (العقاد: معاوية، ص 206، دار الكتب اللبناني، ط1/1974م).
وقد حاول بعضهم النيّل من معاوية عند عمر (رضي الله عنهما) فقال له عمر: "دعونا من ذم فتى قريش، من يضحك في الغضب، ولا يُنال ما عنده إلا علي الرضا، ولا يؤخذ ما فوق رأسه إلا من تحت قدميه".
وإلى جانب ذلك، فإن من المعروف أن عمر رضي الله عنه كان يحاسب ولاته على الصغيرة والكبيرة، ولا يقبل منهم العمل إلا من خلال وجهة نظره القائمة على العدل والشورى، إلا أنه قبل من معاوية رضي الله عنه وجهة نظره وقال: "لحسن مصادره وموارده جشمناه، ما جشمناه".
وهكذا استحق معاوية أن يظل على ولاية الشام أيام عمر، ثم أقره الخليفة عثمان رضي الله عنه عليها ولم يقبل فيه أي شيء، حتى أصبحت الشام في عهد عثمان شبه دويلة مستقلة يقوم واليها بتعيين العمال على أقسامها بنفسه دون الرجوع إلى الخليفة، فلما ولي عليّ الخلافة أراد أن يعزل كل ولاة عثمان (ومنهم معاوية) ورفض أن يتألفهم أو أن يستجيب لهم فيقتص من قتلة عثمان حتى يسلموا له، فنشأ الخلاف، وقام بينهم أناس يسعون إلى الفتنة، ويحرضون عليها حتى تمكنوا من إشعالها وظلوا يؤججون أوارها بتدبير المكائد الخفية حتى ظن الناس أن المشاركة فيها واجب ديني!! (انظر: صلاح النبراوي ـ معاوية: الصحابي الفاتح المفترى عليه، ص: 15، نشر مصر 2005).
ونحن ـ وإن اتفق رأينا مع أكثر الأمة في تأييد الإمام عليّ وموقفه ـ إلا أننا نرى أن المنهج العلمي والضمير الديني معاً ـ يفرضان علينا أن نبرز وجهة نظر (الطرف الآخر)، وأن نقدم المبررات التي جعلته يتخذ هذا الموقف، وكأنه هو الذي يدافع عن نفسه، حتى ولو كان موقفه خاطئا ولا نؤيده فيه.. فهذا المنهج موقف علمي مبدئي لا علاقة له بعاطفتنا، وهو من صميم المنهج العلمي الذي يفرض التعرف الكامل على رأي الخصم، وتقديم اللوحة كاملة بكل قسماتها، وألوانها، فلم يكن معاوية ومن معه مجردين من كل فقه وحجة (بل إنه لا يمكن القول ـ كما يعترف العقاد ـ بأن معاوية لم يكن يعمل بباعث من الغيرة الدينية أو بباعث من أحكام المروءة والعرف المتبع في الأخلاق فليس في وسعه أن يتجرد من هذه البواعث لو أراد وليس في وسع رجل أسلم علي يد النبي ـ عليه السلام ـ وصَاحَبَه، وعمل على أيدي الجلة من صحابته ـ أن يغفل عن غيرة دينه وأحكام فرائضه وواجبات المروءة في عرف زمنه). (العقاد: معاوية، ص: 210).
كما أن معاوية وأنصاره لم يكونوا مجردين من كل (إيجابية) حتى ولو كانت هذه (الحجج والإيجابيات) كما يسميها الشيخ (القرضاوي) ـ من وجهة نظره ـ (دفاعا عن من لا يستحقون الدفاع) (تاريخنا المفترى عليه، ص 287)، وهي مقولة أقرب إلى مقولات أصحاب (المنهج الثوري) منها إلى الشريعة الإسلامية التي تعطي كل إنسان حق الدفاع.. حتى ولو كان هذا الإنسان هو هذا الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فلما سأل عن إمكانية قبول توبته، أغلق باب التوبة في وجهة أحد الذين يؤمنون بمبدأ أن هناك (من لا يستحقون الدفاع) فما كان منه إلا أن قتله وأتم به المائة!!.
ثم وجد بعد (قتله المائة) من يفتح له باب الأمل.. وفي النهاية (يدخل الجنة)!!
فهل ضاقت رحمة الله عن أن تسع (معاوية ويزيد، والحجاج بن يوسف الثقفي) ـ مع أننا أيضا ـ لا نحبّه لكننا لا نسبّه!!
وهل يُلام ـ من ناحية المبدأ ـ باحث جادّ عندما يقدم رسالة أكاديمية في جامعة الكويت خاضعة لشروط (منهج البحث التاريخي) تحمل نبرة جديدة كاشفة لبعض ظلمات التاريخ.. حول (الحجاج بن يوسف الفترى عليه)؟! مع أن من حق غيره ـ باسم المنهج العلمي أيضا ـ أن يقدم أطروحة تتعلق (بمثالب الحجاج) قياسا على المقريزي الذي كتب عن مثالب بني أمية!!
وإذا كان الباحث الأول قد دافع عن الحجاج وحاول أن يهون من سيئاته، وأن يضخم من حسناته ـ فهذا خطأ بالطبع (إذا كان قد وقع فيه).
لكن يبقى من حق غيره أن يعيد الأمور إلى موازينها القسط، وأن يرصد كل الجوانب بعدلٍ وإنصاف (!!) وهذه هي حركة البحث العلمي التي تؤدي إلى إثرائه، بدلا من إغلاق الباب تحت مقولة أن هناك من لا يستحقون الدفاع!!
ومهما يكن رأينا الشخصي في الحجاج ـ وهو رأي ليس لصالحه ـ فإن هذا لا يعني أن نستسلم لكل الآراء الشائعة عنه، ونتغاضى عن تقدير الظروف التي أحاطت به، وننظر إليه على أنه (شيطان) مجرد من الحسنات والإيجابيات..
إن هذا (الحجاج) الذي ينصبونه هدفا لطعناتهم في تشويه التاريخ الإسلامي يقول عنه المؤرخ الثقة الدكتور عمر فروخ ـ رحمة الله ـ ما يأتي "لما جاء (الحجاج) إلى العراق كانت حروب الفتن قد خربت الدور، وطمرت الأفنية، فخلت المزارع من فلاحيها، وهجر معظم أهل القرى قراهم، فلم يبدأ الحجاج إصلاح البلاد وتنظيم الإدارة بإصدار المراسيم والقوانين، ولكنه أعاد بناء البلد وأصلح الطرق، وأعاد حفر الأفنية، وبعدئذ أمر أهل القرى بالرجوع إلى قراهم، وأخذ يجمع الضرائب وإرسال الجيوش إلى الفتوح، فانتشر الأمن في طول البلاد وعرضها، حتى كانت المرأة تنام وحيدة في بيتها وباب بيتها مفتوح ولما مات (الحجاج بن يوسف) خلف مصحفا وسيفا، وعشرة دراهم فضة".
وهذا الذي يقوله المؤرخ الكبير الدكتور عمر فروخ ـ عليه رحمة الله ـ عن (الحجَّاج) يدفعنا إلى ألاَّ نغالي في إصدار الأحكام.. لأن الأحكام التاريخية أحكام (قضائية معنوية)!!
وليس معنى هذا أننا نحاول ـ ونرجو ألا يفهم بعضهم ذلك ـ أن ندافع عن الحجاج ابن يوسف، كما أننا لا ننكر أننا (نبغضه) في الله هو ومدرسة الجبارين جميعا.. لكننا لا نذهب فيه مذهب الشيخ (القرضاوي) الذي اقتبسه ـ مؤيدا ـ عن الإمام الذهبي والذي يظهر فيه أنه ـ (يسبه ولا يحبه؛ بل يبغضه في الله)، وخلافنا معه في (السب) فقط ـ أما الباقي فنحن نؤيده فيه وحساب الحجاج على الله!!
وليس معنى بغضي لمبدأ (السباب) لمن لا أستطيع تكفيره (وهو خُلُقٌ إسلامي عام، لاسيما في أمور بعيدة عنا لا يعلم الحقائق الكاملة فيها إلى الله)، أني لا أحاول تبرير ما اقترفه الحجاج من سيئات، وتسويغ الموبقات التي سجلها التاريخ عليه وعلى غيره (انظر القرضاوي تاريخنا المفترى عليه، ص 288). لكني أومن بأن من الواجب الديني والقضائي والتاريخي أن نعرف وجهة نظر الذين نبغضهم ـ كما أننا يجب أن نعرف موقف الطرف الآخر الذي نحبه والذي عامله الطرف الأول معاملة سيئة أو اجترأ على قتله.. فلربما كان موقفهم يقتضي بعض ما عوقبوا به قَلَّ أو كثر!
إن هذا حق أساسي بصرف النظر عن النتائج وعن وجهات النظر الإنسانية والعاطفية التي قد توجه رؤيتنا بصفة عامة، وفي قضايا ذات طبيعة تشريعية وتاريخية!!
 
اتجاه جديد بعد قرون طويلة لإنصاف بني أمية:
وأحب أن أقول هنا: إن المؤرخ الموضوعي هو (محام) عن الحقائق التي ينتهي إليها من خلال معايشته للوقائع وفحصها..
وحتى لو كان دفاعه حارا، فهذا لا يؤخذ عليه (من ناحية المبدأ) لاسيما بالنسبة لقوم كبني أمية ظل تاريخهم هدفا للتجني والافتراء والازدراء خلال القرون الخمسة التالية لسقوطهم على الأقل، وهي قرون خصومهم العباسيين.. كما ظل تاريخهم هدفا للغمط والازدراء من الفاطميين ومن آل البيت والهاشميين ومن الخوارج ومن بني بويه ومن عملائهم المأجورين كأبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب (الأغاني) وغيرهم..
فإذا جاءت مدرسة تاريخية معاصرة ـ على هذا النحو ـ تكشف اللثام عن هذا الظلم، وتقدم للأمة الصفحة الحقيقية ـ بكل ألوانها وأطيافها ـ لدولة إسلامية لم تعش إلا تسعين عام [وهو ما يساوي أعمار ثلاثة حكام من الجبارين المعاصرين الذين دمروا كل شيء إيجابي في أوطانهم المحدودة!!] [وبالمناسبة المستنصر الفاطمي الذي أكلت مصر في عهده لحوم الكلاب والحمير وبيعت لحومها في الأسواق حكم ستين سنة!!]..
ومع ذلك استطاعت هذه الدولة (الأموية) ـ في هذا الزمن الوجيز ـ أن تفتح معظم بلاد العالم القديم، وتدقّ أبواب القسطنطينية، وتسيطر على البحر المتوسط الذي كان بحيرة رومانية، وتقضي على البيزانطيين في الشمال الإفريقي الذي عجز من كانوا قبلها عن فتحه، وتفتح الأندلس حتى ما وراء جبال البرانس وتتوغل في الهند الشمالية وتسيطر على منطقة ما وراء النهر، وتزحف على آسيا الوسطى وغيرها.
إذا جاءت مدرسة تَفْعَلُ هذا دون أن تُخفي الأخطاء.. فهل تُلام هذه المدرسة (وأنا واحد منها)؟ وهل تستحق أن يُقال عنها كما قال عني الشيخ (القرضاوي): (إنني أغالي غلوا غير مقبول، وأنَصِبُ نفسي محاميا عن تاريخ بني أمية كله بأخطائه وخطاياه) [القرضاوي، تاريخنا ص289]؟!
إنني لا أعتقد أنني ـ وهذه المدرسة ـ نستحق اللوم أو نستحق هذه الصفات (فحاشا لله أن ندافع عن الأخطاء والخطايا)؛ بل إنني أعتقد أن هذا الموقف الذي نتبناه إنصاف جاء متأخرا عدة قرون لبعض صفحات (تاريخنا المفترى عليه!!).
لنتذكر هنا ما يقوله العقاد:
حق الأمانة على المؤرخ في هذه المرحلة من التاريخ الإسلامي أن يراجع بينه وبين ضميره طائفة من الحقائق البديهية، قبل أن يستقيم له الميزان الصادق لتقدير الرجال بأقدارهم وتقديم المناقب والمأثم بقيمتها.
ومن الحقائق البديهية تواطؤ الزمن على إقرار ما قيل وتكرر، وطال وقوعه في الأسماع، حتى لتكاد تنفر من تغييره لو عرض لها في شيء من التغيير، وحتى لتكاد تعجز عن النفاذ إلى الحقيقة لو رغبت في ذلك التغيير لسبب من الأسباب، وقلما تعرض هذه الأسباب لمن لا يغنيهم تمحيص ما يقال في الساعة الراهنة، فضلا عما يقال ويعاد منه مئات السنين. (العقاد: معاوية، ص325).
ومن الجدير بالذكر ـ أيضا ـ في هذا المقام ـ أن الموازين العاطفية لا تحكم وقائع التاريخ، وبالتالي فالقول بأن المسلمين جميعا ـ كما يقول الشيخ (القرضاوي) ـ يتحيزون للإمام علي وذريته هو قول صحيح إذا كان التحيز دينيا وعاطفيا، ونحن مع المسلمين جميعا في هذا، فنحن نحب آل البيت أكثر من معاوية والأمويين مئات المرات..
لكن هذا الحب الديني والوجداني لا يمنعاننا (ما دمنا في مقام الإنصاف التاريخي) أن نحكم بالعقل المجرد، وبالمنهج الموضوعي المحايد، كما يحكم القاضي العادل على أقربائه لحساب أعدائهم (اعدلوا ولو كان ذا قربى).
وليس معنى تحليلنا التاريخي الذي ينصف معاوية رضي الله عنه ويظهر بعض ملكاته وقدراته ـ في مقام السياسة والقيادة والمصلحة العامة للأمة ـ أننا نحابي معاوية أو الأمويين؛ بل نحن في ذلك خاضعون للرؤية التي رأى فيها شيخ الإسلام (ابن تيمية) وغيره أن الإمام (القوي الأقلّ التزاما) أصلح للمسلمين من الإمام (التقي الأقل قوة) في مجال فقه التحديات ومقتضيات السياسة الشرعية المناسبة للعصر وتحدياته، والتعامل معها بما يلائمها.
ومرة أخرى ليس معنى تحليلنا هذا،وإنصافنا لبني أمية أو لمعاوية، وإظهارنا لمكانته وقدراته التي تقتضيها المرحلة الجديدة التي لم يعد الوقوف فيها عند المستوى (المثالي) الذي كان عليه أبو بكر وعمر وعثمان (رضي الله عنهم) ممكنا.. أقول: ليس معنى هذا أننا نقلل من قدر عليّ أو الحسن أو الحسين أو آل البيت رضي الله عنهم جميعاً، فهم الأجدر ـ بيقين ـ في ميزان الدين والآخرة، وغرس القيم والمبادئ التي بذلوا من أجلها أرواحهم رخيصة في سبيل الله.
لكننا نؤمن بأن حظوظ الدنيا يتفاوت فيها الناس سواء كانوا من آل البيت أم من غيره كما أننا نؤمن بذلك الرأي العظيم الذي ذهب إليه المفكر التركي الكبير (بديع الزمان سعيد النورسي) عندما قال: إن آل البيت هم الأئمة في الدين والدعوة والولاية، وليس شرطا أن يكونوا الأئمة في أمور الدنيا والسياسة، فلو أن هذا التخصص طبق في تاريخنا لما كثرت (مقاتل الطالبيين) وَلَنَشَرَ آلُ البيت الإسلامَ خلال القرون ـ عبر العالم ـ بعيدا عن المعارك الطاحنة التي حَصَدَتهم ـ بأثير دعاوى العصمة لهم، ودعاوى أحقيتهم في حكم الدنيا وقيادة شئون السياسة وما يتصل بها وهو الأمر الذي ينتهي أيضا إلى (الملك العضوض) ـ مشفوعا (بالثيوقراطية) ـ على نحو أكبر مما كان عليه بنو امية!!
ولعله لهذا المعنى كتب المؤرخ المعاصر الدكتور حسين مؤنس (رحمه الله) في تلعيقه على ما ورد تحت عنوان (مثالب بني أمية) من كتاب المقريزي (النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم) [تحقيق حسين مؤنس]، ونشر دار المعارف 1989م يقول:
إن معظم هذه الجرائم التي تنسب إلى بني أمية ـ إن صدقت ـ جرائم سياسية، أي أن جميع هؤلاء المقتولين كانوا منافسين سياسيين لبني أمية، يريدون انتزاع الخلافة منهم، والسياسة تعمي البصر، وتظل الذهن، وتملأ القلب قسوة وتجعل الإنسان يرتكب جرائم لا توصف.. ويقول الدكتور مؤنس أيضا:
ولقد سبق أن ذكرنا أن بني أمية إذا لم يكونوا أصحب حق في الخلافة فما هو الأساس الشرعي لمطالبة العلويين بالخلافة؟
وهل إذا مات علي بن أبي طالب ورث الحق في الخلافة أولاده: الحسن والحسين ثم زيد، وهكذا؟
كل ذلك نشأ من أن أحدا لم يضع للخلافة تشريعا؛ بل الكل هنا يجمعون على حق أبناء عي بن أبي طالب في الخلافة!! [وفي المقابل يحرمون بني أمية من هذا الحق] ثم: هل نحن واثقون من أن كل العلويين كانوا أفاضل؟ وأنهم لو كانوا قد تولوا الخلافة لما اقترفوا مثل هذه الجرائم؟
(وحسبك أن تقرأ ما كتبه ابن حزم في جمهرة أنساب العرب عن سيرة أحد العلويين وهو محمد بن الحسن بن إبراهيم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي) ففيهم من الفظائع ما يكفي للدلالة على أن آل البيت هم كغيرهم من البشر!! (د. حسين مؤنس: تنقية أصول التاريخ الإسلامي، ص 97، 101،100 طبع الهيئة المصرية العامة للكتاب).
وأحب أن أقول لأخي الأكبر الدكتور يوسف القرضاوي: إنني لست وحدي في كل آرائي التي بسطتها في كتابي عن سقوط بني أمية سواء فيما يتعلق بمعاوية، أم بيزيد بن الوليد، أم بالوليد بن يزيد؛ بل هناك عشرات المؤرخين قديما وحديثا يؤيدونني.. وبالتالي فأنا لم أخالف إجماع الأمة ـ كما تقول ـ (انظر، ص289 تاريخنا المفترى عليه ـ د. القرضاوي).
وكذلك لم أجازف "مجازفة لا يجرؤ عليها مؤرخ، ولم يقبل بها أحد من سلف الأمة وخلفها فيما نعلم" [أي فيما يعلم أستاذنا القرضاوي!!] [تاريخنا المفترى عليه ص290].. لقد تجرأ عليها ـ كما ذكرت ـ عشرات المؤرخين والمحققين في القديم والحديث من قبلي.. ولسوف يرى ذلك أستاذنا القرضاوي عندما نصل معه إلى الحديث ـ بإذن الله ـ عن هذا الخليفة الذي يرى الدكتور (القرضاوي) أن كل الناس أجمعوا (!!) على أنه أعدل(!!) بني مروان بعد عمر بن عبد العزيز وهو الخليفة يزيد بن الوليد الذي هاجمني شيخنا الجليل (القرضاوي) هذا الهجوم من أجله. (انظر: تاريخنا للشيخ القرضاوي ص289).
بينما نرى نحن أن هذا الخليفة ـ خليفة ثوري قاتل ظالم ـ لا يجوز أن يوضع مع عمر بن عبد العزيز في كفة واحدة، ولا أن يوصف بالعدل!!
كما أن عدوه الوليد بن يزيد (الخليفة الشرعي المقتول المظلوم) ليس بهذه الصفات من السوء الذي يشبه الأساطير، وليس صحيحا أكثر ما قيل فيه، وإن كانت له أخطاء أخرى تتصل بالحكم شأن أكثر الحكام (وسنثبت هذا بإذن الله في الصفحات التالية)، ولا نملك إلا أن نقول: سامح الله شيخنا القرضاوي على هذه (الأحكام) التي لا يسندها النص ولا العقل عند التحليل التاريخي الموضوعي!!
معاوية في الميزان الصحيح
لقد كان خروج العرب من الجزيرة العربية وسيطرتهم على أكثر أرجاء الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية، ملزما بضرورة مواجهة التحديات الجديدة بآليات تسمح بالسيطرة عليها وهذا ما أدركه (معاوية رضي الله عنه) في الشام، وأبصره (الخليفة عمر) وسكت عنه، فالبيئات الجديدة تختلف عناصرها وتتنوع ميول شعوبها، وتتعد موروثاتها الثقافية ودياناتها، وبالتالي تتباين عاداتها وأنماط حياتها، ومن ثم كما يقول (أستاذنا الدكتور محمد حلمي أحمد في كتابه عن الخلافة والدولة في العصر الأموي ص123، طبع مصر1974) اقتضى الموقف مواجهة الحاجات والمشكلات الجديدة في مواطنها، وفي ضوء ظروفها المباشرة، وهذا لا يمكن أن يكون إلا بإقرار نظام (اللامركزية)، فقد مضى الزمان الذي كان عمر يقول فيه: (لا أريد أن يحول الماء بيني وبين المسلمين في شتاء أو صيف، إن شئتُ أن أركب ظهر ناقتي إليهم فعلت)!!
فلقد قضى تنوع المذاهب السياسية والميول العنصرية على الخلفاء بأن يكتفوا في معالجة المشكلات التي تنشأ عن تحركات هذه المذاهب والميول بالإشراف اليقظ في مقر الحكومة المركزية بدمشق، وإلا فكيف يستطيع الخليفة أن يتدخل تدخلا مباشرا في مواجهة الشيعة والخوارج والموالي والبربر في العراق وفارس والشمال الإفريقي والأندلس، (والطريقة المثلي) المناسبة للتحديات الجديدة هي إتباع (اللامركزية) (والواقعية الملتزمة بالثوابت) في مواجهة هذه التحركات، وذلك على العكس من مركزية الدولة ومثاليتها في عصر عمر رضي الله عنه!!
ولقد بقي الإمام علي رضي الله عنه واقفا عند مستوى (المثالية الراشدية) وملتزما بنظام (المركزية العمرية) متجاهلا لحقيقة أساسية اعترف هو بها لأحد محاوريه، وهي أن (عمر بن الخطاب) كان يحكم ناسا في مستوى (علي بن أبي طالب) ـ رضي الله عنهما ـ أما هو ـ (أي علي) فقد جاء في ظروف مختلفة، فهو يحكم ناسا مختلفين انفتحوا على العالم القديم وتغيرت أساليبهم وبساطتهم [كما اعتراف هو].. لكن الإمام الورع عليا رضي الله عنه بدلا من تقدير هذا التطور ومواجهته بما يلائم بقي عند مستوى المثالية والمركزية، مع أن أقرب الناس إليه وأخلصهم له قد نصحوا له.. وطالبوه بالإيمان (باللامركزية) وأن يترك (معاوية) على الشام، وهو الوالي الذي سبق توليته والتسليم بقدرته وكفايته من قبل الخليفين الراشدين (عمر وعثمان) رضي الله عنهما، إلا أنه رفض رفضا لم يقبله كثير من المحيطين به، وكثير من المؤرخين... وبمثل هذا الوقوف عند (المثالية والمركزية) فشل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه وهو الذي أوشكت الأمة كلها على أن تبايعه، لكنه أضاع بمنهجه هذا كل شيء في عدة أيام!!
وعلى العكس من ذلك كان موقف معاوية مختلفا، فقد كان مستوعبا للظروف، قادرا على مواجهتها بأكثر الطرق مرونة وسياسة، وذلك في مقابل هذا الموقف السياسي (الجامد الحازم) للإمام علي رضي الله عنه..
كان معاوية ـ بحق ـ (كما وصفه ابن الطقطقا صاحب الفخري) داهية من الدهاة، ومن أوفر الناس حظا بأساليب السياسة، وكان عاقلا في دنياه، قويا، حسن التدبير، حكيما، فصيحا، بليغا، يحلم في موضع الحلم، ويشتد في موضع الشدة، إلاّ أن الحلم كان الغالب على طبعه، كريما باذلا للمال، محبا للرئاسة شغوفا بها، وهو يفضل على أشراف رعيته، فلا يزال أشراف قريش من أمثال عبد الله بن العباس، وعبد الله بن الزبير، عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وبعض آل أبي طالب، يفدون عليه بدمشق فيكرمهم ويقضي حوائجهم، ولا يزالون يحدثونه أغلظ الحديث، ويجابهونه أقبح مجابهة، وهو يداعبهم تارة، ويتغافل عنهم أخرى، ولا يعيدهم إلا بالجوائز السنية والصلات الجمّةّ!!
وكان معاوية ـ إلى جانب ذلك ـ أرحب أفقا، وأبعد مدى من المحيط الذي حوله، وكانت تطلعاته تتجه إلى قيام دولة إسلامية يسودها الرخاء والعدل، وينتهي فيها سيل الدماء إلى الأبد، لذلك اجتهد أن يقيم صرح دولته على أركان أهما: التغيرات في بنية النظام السياسي، وتنظيم الإدارة، وتحقيق التوازن القبليّ، وتأمين ولاية العهد، وإخضاع المعارضة، والإحسان إلى كبار الشخصيات الإسلامية من الصحابة وأبنائهم خاصة بنو هاشم، وتوطيد الأمن في العالم الإسلامي، فاختار من أجل ذلك أكفأ الرجال في الإدارة والسياسة ليساعدوه في إدارة الدولة، وتحقيق الاستقرار فيها ومباشرة أمور الدولة بنفسه من أجل رعاية مصالح المسلمين، هذا بالإضافة إلى اتجاه معاوية لفتح العالم، معتمدا على مواهبه السياسية، حيث كان على درجة عالية من الذكاء والمرونة يعاونه في ذلك مجموعة من القادة الممتازين، ومنهم (الحجاج) مع مآخذنا عليه وبغضنا له (انظرـ بتصرف ـ عمر العقيلي: خلافة معاوية بن أبي سفيان، صفحات 15، 16، 17).
وتأكيدا لما قلناه من وجود مريدين له من المسلمين نشير ـ مرة أخرى ـ إلى نجاح معاوية الساحق الذي لم يستطعه غيره ـ في السيطرة على أهل الشام وتعلقهم به تعلقا عميقا (انظر الطبري والمسعودي وغيرهما)، كما أنه وجد تأييدا من اليمانيين وغيرهم.. ولهذا فمع أنه دون الإمام علي رضي الله عنه في الفروسية والحرب (كما يقول فيليب حتى وآخرون معه)، فإنه لم يستطع أحد من معاصريه أن يتقدمه في مضمار الإدارة والتنظيم الحربي، فلقد أوجد من أهل الشام مادة حربية لتأليف جيش دربه، فكان أول جيش منظم في الإسلام، وقد طهره من آثار العصبية القبلية المتخلفة عن العهود السابقة، واستخدمه لضبط الأمن والنظام في الداخل وإثارة الجهاد في الخارج، ثم تناول الإدارة الحكومية فألغى كثيرا من مظاهرها التقليدية وأنشأها على الأساس البيزنطي السابق، وأقام جهازا حكوميا منظما، وأنشأ مجتمعا إسلاميا جديدا، وينسب إليه المؤرخون فضل السبق في وضع ديوان الخاتم وأنه أول من اهتم بأمر البريد الذي صار في أيام عبد الملك مصلحة راقية تربط أجزاء الدولة المترامية الأطراف. (انظر فيليب حتى وآخرون: تاريخ العرب، ص:255، طبع: دار غندور).
وفي مجال التطبيق نشير إلى الحقيقة المؤسفة التي شاعت بين المؤرخين، فبينما كان معاوية على هذا النحو م المرونة وجذب الناس والحنكة السياسية.. فإن الإمام عليا كان ينطلق من مبدأ ضرورة تطبيق ما يرى أنه (الحق) مهما تكن الظروف غير مواتية (دون أن يخشى في الله لومة اللائم).
ـ وحتى لو كانت النتائج السيئة شبه مرئية للعيان، ويحتاج التطبيق إلى صبر وكياسة.. أو لأن التطبيق بهذه الصورة صالح عند التمكن والتوحد والحياة البسيطة مثل زمن الراشدين، أما في الفتن، وفي كثير من الظروف فالأمة تحتاج إلى تدرج وأناة.. وقد صبر الرسول ـ عليه السلام ـ على كثير من الأذى في مكة دون مقاومة، كما قبل شروطا مجحفة في صلح الحديبية تجاوبا مع الظروف، وإيمانا بالتخطيط البعيد وسلامة العاقبة..
لكن الإمام عليا رضي الله عنه رفض كل النصائح التي وجهت إليه داعية إياه إلى الأخذ بالتدرج.. ولهذا فعندما أشار عليه المغيرة بن شعبة بإبقاء معاوية على الشام لاعتبارات عملية، ولأنه ولي من قبل الخليفتين الراشدين اللذين سبقاه.. رفض بقوة نصائح المغيرة التي تتلخص في قوله لعليّ (رضي الله عنهما): "يا أمير المؤمنين إن أردت أن يستقيم لك الأمر فاستعمل طلحة على الكوفة، والزبير على البصرة، وابعث بعهد معاوية على الشام حتى تلزمه الطاعة، فإذا استقرت لك الخلافة فأدرها كيف شئت برأيك".
وعندما علم عبد الله بن عباس بنصيحة المغيرة لعلي بإبقاء معاوية على الشام ذهب إليه وأشار عليه بتثبيت معاوية والأخذ برأي المغيرة في هذه الظروف بخاصة، وعمد إلى إغرائه على قبول ذلك بقوله له: إن علي أن أقلَعَهُ من مَنزِلهِ بعد أن تستقر الأمور.. يا أمير المؤمنين أنت رجل شجاع لكنك لست بصاحب رأي في الحرب، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول [الحرب خُدعه] فقال علي: بلى.. فقال ابن عباس: أما والله لئن أطعتني لأصدرنهم بعد ورد، ولأتركنهم ينظرون في دبر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها في غير نقصان عليك ولا إثم لك، فقال علي: يا ابن عباس لست من هناتك ولا من هنات معاوية في شيء، فقال ابن عباس لعلي: أَطِغنِي والحَقْ بِمَالِكَ بِينبُع، أغلِق بابَك عليك، فإن العرب تمور وتضطرب ولا تجد غيركَ، فإنك والله لئن نهضت مع هؤلاء اليوم ليُحَملِنكَ الناسُ دمَ عُثمانٍ غدا.. فأبى علي قبول ما أشار عليه به ابن عباس (رضي الله عنهما)..
وكان ما كان ـ بعد ذلك ـ من تطور الأمور على النحو المعروف خلال السنوات الخمس التالية التي سميت (سنوات الفتنة)، وانتهت بنهاية أسيفةٍ يحزن لها كل مسلم بالسبة للإمام علي رضي الله عنه.. لكنها ـ على الطرف الآخر ـ انتهت بوصول معاوية إلى منصب الخلافة الذي لم يكن يطمح إليه، أو يعتقد أنه جدير به بالنسبة لمكانة الإمام علي وغيره من عليه الصحابة.
لكن هذه السنوات الخمس بخاصة ـ وما قبلها حين كان واليا ـ أثبتت أنه (رجل دولة وصانع حضارة).
وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام ابن تيمية في الجزء الثالث من منهاج السنة.. حين قال: "لم يكن من ملوك الإسلام في زمان ملك من الملوك خيرا منهم في زمن معاوية إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده، وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل" ـ كما أخرج البخاري في التاريخ الكبير عن همام بن منبه أنه قال: "سمعت ابن عباس يقول: ما رأيت أحدا أخلق للملك من معاوية، إن كان ليرد الناس منه على أرجاء وادٍ رحب، ولم يكن كالضيق الخضخض الحصر (أي قليل الخير)!!
معاوية ويزيد والملك العضوض
على امتداد الصفحات التي كتبها شيخنا الدكتور القرضاوي عن (الدولة الأموية) والتي تجلت فيها روح الإنصاف ـ بصفة عامة ـ بقي موقف الشيخ واحدا ثابتا من معاوية، ويزيد ابن معاوية، وقضية اختيار معاوية لابنه يزيد خليفة له، وهو اختيار حول النظام السياسي الإسلامي في الحكم من نظام (الشورى) إلى نظام (الملك الوراثي العضوض).. [وهذه ـ عند الشيخ ـ هي أكبر خطيئة ارتكبها معاويه..] وكذلك بقيت نظرته ثابتة إلى المفاضلة بين علي ومعاوية (رضي الله عنهما) على أساس أن عليا ـ في كل صفة ـ أفضل من معاوية في كل صفة (وهذا ما لا نقره عليه) فعلي في جملته أفضل دينا و دنيا من معاوية، لكن كلا منهما يتميز ببعض الصفات التي قد تكون الحاجة إليها ماسة في بعض الظروف، يفضل فيها الآخر أخاه.. وتلك هي سنة الله في خلقه (غير المعصومين)..
وقد أشار إلى أفضلية معاوية في بعض الصفات كثير من المؤرخين دون حرج أو تأثم.. وقد ورد ذلك ـ صراحة ـ في بعض النصوص.. ومن المعروف المجمع عليه تقريبا (ودعك من الباطنية) أن (أبا بكر) أفضل صحابة الرسول ـ عليه السلام ـ ويليه عمر ... ويليه عثمان، ثم علي (رضي الله عنهم جميعا)...
وهذا يعني وجود نوع من المقارنة والتمايز والتفاضل دون أن يعني ذلك الانتقاص من قيمة كل منهم.. فماذا علينا أن نقول: إن صحابيا من أكبر الصحابة مثل معاوية يتميز عن الإمام علي في جانب من الجوانب، وماذا علينا أن نرى أن (معاوية). [وعشرات النصوص تقول ذلك صراحة أو على استحياء..] أقدر من باب صناعة الحضارة وقيادة الأمة ومواجهة التحديات؟! بينما نؤمن بأن الإمام عليا وكثيرين من أصحابه لديهم الكثير جدا مما يمكن أن يتفوقوا فيه على معاوية (رضي الله عن الجميع) وفي كل خير!!
ـ وإلى جانب هذا الرأي الذي يتصل بملكات علي ومعاوية ـ رضي الله عنهما ـ وتفوق كل منهما في جانب من الجوانب ـ نتساءل: ماذا علينا أن نقدم (وجهة نظر أخرى) تضاف ـ بل وتُثري ـ وجهات النظر التقليدية الموروثة حول القضيتين اللتين يُحسبان على معاوية..
ولو تعمق أخي العالم الفاضل الشيخ (القرضاوي) في الأسلوب الذي عرضت به القضيتين الخطيرتين اللتين بدأت حديثي بأنهما (يحاسب عليهما معاوية).. وهما ترشيحه لابنه يزيد كي يلي الأمور من بعده (فتحولت الخلافة إلى ملك عضوض!!)، و( عدم جدارة يزيد، فقد كان هناك من هم أجدر منه) لعرف أنني لم أتعصب لرأي معين.
ومن الطريف أنني لم أدل فيهما برأي قاطع وإنما أثرت القضيتين ـ بهذا الأسلوب ـ سعيا للتنبيه على ضرورة إعادة البحث في (تاريخنا المفترى عليه)، وعلى أساس الأخذ في الاعتبار بكل الاجتهادات والآراء والظروف التي أحاطت بالواقعة ـ اتفقنا معها أو اختلفنا ـ وإلا فنحن سنبقى واقفين عند الآراء الشائعة، مضيفين في كل بحث من بحوثنا، افتراءا جديدا على عظماء تاريخنا، مصورين إياهم تصويرا (باطنيا) يسعى إلى إدانة جيل الصحابة كله، وهم خير القرون.. حتى ولو كنا نقف موقف الدفاع عنهم ـ في ظاهر الأمر ـ !!
وعلى سبيل المثال.. فإن التكرار غير الواعي لمصطلح (الملك العضوض) يجرد نظام الحكم القائم على (الوراثة) و (الشورى المحدودة) من كل الحسنات ويجعله (سُبَّة دائمة)، خضوعا لبعض التجارب الديمقراطية المعاصرة التي بدأت تترنح مظهرة طابعها الشعاراتي الماسوني الإلحادي الظلوم.
ومع إخلاص هؤلاء الذين يدينون (الملك العضوض)، ولا يفرقون بينه وبين (الملك الجبري الظالم) الذي يمثله أصحاب الطبيعة الثورية الوحشية من قدامى ومعاصرين.. مع إخلاص هؤلاء للإسلام ولتاريخه وحاضرته (وعلى رأسهم أستاذنا وصديقنا الشيخ القرضاوي) فإنهم يوجهون سهم كبيرا لتاريخنا ـ يخدم الأعداء ـ حين يعالجون أمر نقل السلطة بهذه الطريقة (العائلية) أو (الملك العضوض).. ناسين أن تاريخنا ـ في معظمه ـ قد سار على هذا النمط.. وهو ـ ككل النظم ـ له سلبياته وإيجابياته، بيد أن إيجابياته ـ على علاته ـ أفضل بكثير من النظم الرئاسية والثورية الهائجة، كما أنه قد يمنع عن الأمة ويلات كثيرة عند (فاصل) انتقال السلطة، بدون ضوابط (وراثية)، لاسيما وأن الأمة الإسلامية لم تبدع (النظام البديل) الذي يمنع وقوع الفتن، ويداول السلطة دون حروب ودماء وفاقا لنظام سياسي صارم يحكمه الدستور والقانون!!
وقد كان الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ على علمه وفضله ـ يقول معجبا وناقدا لتاريخنا بالجملة: كيف يمكن أن يحكم تاريخنا أربع أسر؟ فقلت له: إن هذه الأسرات الكبرى الحاكمة هي التي قادت صناعة الحضارة الإسلامية.. فالأمويون هم فاتحو العالم، والعباسيون هم صناع الحضارة الذين قال عنهم (ول ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة): إن إشعاعات علوم العباسيين ومعارفهم سادت العالم لعشرة قرون ـ أي بعد سقوطهم بأربعة قرون (وأنت لا ترى فيهم إلا أنهم أسرة وراثية حاكمة!!) وأما الأيوبيين ، فقد صدوا الغزوة الصليبية، كما أن العثمانيين حموا العالم الإسلامي ونشروا الإسلام لخمسة قرون!!
فجوهر القضية ليس في الآليات ـ فحسب ـ بل إن الثمار والنتائج يجب أن تؤخذ في الاعتبار..
مرة أخرى.. ما زلتُ أدعو إلى تشريح نظامنا السياسي الإسلامي تشريحا جديداً يجمع بين المثال والممكن، ولئن كان بعضهم يحاول إخضاعه الآن للديمقراطية المعاصرة، فأولى بنا أن نحلله تحليلاً ينسجم مع تجربتنا في التاريخ ـ في الإطار الذي تقبله الشرعية والثوابت وفقههما والطبيعة العربية والإسلامية.. وإلا فإننا ـ (من حيث لا ندري وبإخلاص تام كما كان الأمر بالنسبة للشيخ الغزالي، وبما يفهم من كلام أستاذنا الشيخ القرضاوي) سننتهي من تحليلنا إلى إدانة أكبر مساحة زمنية وإيجابية في تاريخنا.. ونكون ـ بالتالي ـ قد اتفقنا مع الذين يعمدون إلى تشويه هذا التاريخ، ونكون قد قدمنا مزيدا من الافتراءات على هذا التاريخ!!
والعبرة ـ في النهاية ـ ليست وقفا على جانب واحد من جوانب الحضارة؛ بل إنما تقوم الأمور بمجموع فعالياتها وآثارها.
ونحن نظن أن الشيخ (محمد الخضري) كان يدور في فلك هذه الرؤية الهادفة إلى إنصاف (الأسرات الحاكمة في التاريخ الإسلامي) ـ مهما يكن ثمة مآخذ على أسلوبها السياسي في تولي السلطة وانتقالها ـ حين صرح في كتابه عن (الدولة الأموية، ص447، 448، نشر دار القلم بمصر) بأن فكر معاوية في اختيار الخليفة حسن جميل ما دام لم توضع (قاعدة الانتخاب الخلفاء)، ولم يعين أهل الحل والعقد الذين يرجع إليهم الاختيار وقد فعل معاوية ما يظهر معه أنه لم يستبد بالأمر دون الأمة.
لكن الناس ـ مع ذلك ـ انتقدوه في أنه استهان بأولئك النفر الذين لم يرضوا ببيعة يزيد، وهم من سادة الأمة.
وأنه اختار ابنه للخلافة، وبذلك سن في الإسلام سنة الملك المنحصر في أسرة معينة، بعد أن كان أساسه الشورى ويختار من عامة قريش، وقالوا إن هذه الطريقة التي سنها معاوية تدعو في الغالب إلى انتخاب غير الأفضل الأليق من الأمة.
ثم يعقب الشيخ (محمد الخضري بك) على هذه المآخذ قائلا:
أما رأينا في ذلك فإن هذا الانحصار كان أمرا لا بد منه لصلاح أمر المسلمين وألفتهم ولم شعثهم فكلما استعت الدائرة التي منها يختار الخليفة كثر الذين يرشحون أنفسهم لنيل الخلافة، وإذا انضم إلى ذلك اتساع المملكة الإسلامية وصعوبة المواصلات بين أطرافها وعدم وجود قوم معينين يرجع إليهم الانتخاب فإن الاختلاف لابد واقع.
وأعظم من ينتقد معاوية في توليه ابنه هم الشيعة مع أنهم يرون انحصار ولاية الأمر في آل عليّ، ويسوقون الخلافة في بنيه يتركها الأب منهم للابن، وبنو العباس أنفسهم ساروا على هذه الخطة فجعلوا الخلافة حقا من حقوق بيتهم لا يعدوهم إلى غيرهم!! (محمد الخضري: الدولة الأموية ـ طبع دار القلم، ص:447، 448).
أما العلامة عبد الرحمن بن خلدون فيقدم تحليلا رائعا في مقدمته [ص 228، 333، نشر دار الجيل بيروت] حول استخلاف معاوية لابنه يزيد، وهو تحليل يعالج النقطتين اللتين أشرنا إليهما معا (الملك العضوض، وشخصية يزيد) وأظن أن تحليل العلامة ابن خلدون يكفيني في الرد على أستاذنا الشيخ القرضاوي الذي بلغ به (حماس الشباب المنصرم) أن يقول عبارات (عفا الله عنه فيها وما كان أغناه عنها) والتي نقتطف منها العبارات التالية:
يقول الشيخ القرضاوي: ومما نأسف له هنا أن الكاتب (يعني العبد الفقير لله) حاول أن يتمحل (!!) للتهوين من الأموين المعترض عليهما، وهما:
ـ تحويل الخلافة إلى وراثة وملك عضوض.
ـ وعدم جدارة يزيد لمنصب الخلافة، فقد كان هناك من هم أجدر منه، وهما أمران في غاية الوضوح لمن تأمل وأنصف واعتراف بالواقع.
وقول: (فما بال الدكتور/ عويس يقول: إن الإسلام لم يلزم في أصول الحكم فيه بنظام معين!! أي أنه يريد أن يضفي الشرعية على النظام الوراثي).
ويقول: (وقد أخسر عويس الميزان في هذا الأمر، ليتحدث عن الخروج الانقلابي الثوري، وإحداث الفتن، كأن كل همه أن يثبت شرعية يزيد بن معاوية، ويدين الحسين بن علي).
ويقول "ومما قاله عويس: وأيا ما كان الأمر، فلم يكن يزيد كما وصفوه: بل هو من الطبقة الأولى من التابعين، وعنه قال عبد الله بن العباس "إذا ذهب بنو حرب ذهب علماء الناس"!!
ويقول الشيخ القرضاوي أيضا: (وقال عويس: وقد علمه أبوه (أي معاوية) العدل، والإنصاف، والتواضع، وأرسله لغزو القسطنطينية سنة 49هـ، وقد شهد له محمد بن الحنفية، ودافع عنه، إلخ.
ويقول الشيخ القرضاوي: (وكم كنت أحب أن يكون أخونا د. عويس في هذه الموضوعات التاريخية الشائكة: قاضيا محايدا، بدل أن يجعل من نفسه محاميا متحمسا للدفاع عن موكله حيال خصومه، وفي غمرة الحماس والاندفاع يفقد الموضوعية والحياد) (القرضاوي: تاريخنا المفترى عليه، ص292: 294).
إن المؤرخ والفيلسوف العظيم ابن خلدون ـ من خلال النصوص التي سنقتبسها منه ـ هو خير من يرد على (رؤية الشيخ القرضاوي) بأسلوب المؤرخ المستوعب للظروف كلها، بشتى أبعادها، وبالتالي يلتمس العذر لمعاوية دون أن يقول: إن هذا هو بالضبط المنهاج المثالي للإسلام في الحكم.. ونحن أيضا لا نقول بهذا..
وما يقدمه ابن خلدون يوجهنا إلى ضرورة البحث المتأني ومعالجة الأمور في ظل ملابساتها، كما يوجهنا إلى الانفتاح الكامل على كل الآراء، دون نسيان الأصول الشرعية، رافضين للمبدأ القائل أن هناك أوضاعا ووقائع وأشخاصا وقضايا يجب أن يصادر حق البحث فيها وأن تبقى بعيدة عن مجال الدراسة أو محاولة الإنصاف (!!) أو حسب (نصيحة) أخينا الشيخ القرضاوي بالامتناع (عن الدفاع عمن لا يستحق الدفاع) وبالتالي فكل إثارة لمشكلاتنا المزمنة تهدف إلى فتح آفاق بحثية جديدة تعد ـ من وجهة نظر شيخنا القرضاوي: (تمحلا) !! و (إخسارا في الميزان) و (حماسا واندفاعا يؤديان إلى فقدان الموضوعية والحياد)!!
ـ إننا يؤسفنا أن نقول: إننا لا نقبل هذه النصيحة لا شكلا ولا مضمونا، ولا نملك إلا أن نقول للشيخ الجليل: سامحك الله.. لقد ضيقت واسعا!!
إن مؤرخنا العظيم ابن خلدون ـ حين يتكلم في هذه القضية ـ يؤكد في البداية أنه لا يجوز أن يظن (بمعاوية) توليته ليزيد وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق ـ (حاشا لله لمعاوية من ذلك) ـ والذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنما هو مراعاة المصلحة في اجتماع الناس واتفاق أهوائهم باتفاق أهل الحل والعقد عليه حينئذ من بني أمية؛ إذ بنو أمية يؤمئذ لا يرضون سواهم وهم عصابة قريش، وأهل الملة أجمع، وأهل الغلب منهم، فآثره دون غيره، ممن يظن أنه أولى بها، وعدل عن الفاضل إلى المفضول حرصا على الاتفاق واجتماع الأهواء الذي شأنه أهم عند الشارع".
ـ ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك.
ـ وحضور أكابر الصحابة لذلك وسكوتهم عنه دليل على انتفاء الريب فيه، فليسوا ممن يأخذهم في الحق هوادة، وليس معاوية ممن تأخذه العزة في قبول الحق، فإنهم كلهم أجل من ذلك، وعدالتهم مانعةٌ منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك محمول على تورعه من الدخول في شيء من الأمور مباحا كان أو محظورا كما هو معروف عنه ولم يبق في المخالفة لهذا العهد الذي اتفق عليه الجمهور إلا (ابن الزبير) وندور المخالف معروف ثم إنه وقع مثل ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الذين كانوا يتحرون الحق ويعملون به مثل عبد الملك وسليمان من بني أمية والسفاح والمنصور والمهدي والرشيد من بني العباس وأمثالهم ممن عرفت عدالتهم وحسن رأيهم للمسلمين، والنظر لهم ولا يعاب عليهم إيثار أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء، فإنهم كانوا عن حين ـ أي في ظروف ـ لم تحدث طبيعة الملك، وكان الوازع دينيا فعند كل أحدٍ وازع من نفسه فعهدوا إلى من يرتضيه الدين فقط، وآثروه على غيره ووكلوا كل من يسموا إلى ذلك إلى وازعه.
ـ وأما من بعدهم من لدن معاوية فكانت العصبية أشرفت على غايتها من الملك، والوازع الديني قد ضعف واحتج إلى الوازع السلطاني والعصياني، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعا وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف(..)
ـ أفلا ترى إلى المأمون لما عهد إلى علي بن موسى بن جعفر الصادق وسماه الرضا كيف أنكرت العباسية ذلك، ونقضوا بيعته، وبايعوا عمه إبراهيم بن المهدي، وظهر من الهرج والخلاف وانقطاع السبل وتعدد الثوار والخوارج ما كاد أن يصطلم الأمر حتى بادر المأمون من خراسان إلى بغداد، ورد أمرهم لمعاهده، فلابد من اعتبار ذلك في العهد، فالعصور تختلف باختلاف ما يحدث فيها من الأمور والقبائل والعصبيات، وتختلف باختلاف المصالح، ولكل واحد منها حكم يخصه لطفا من الله بعباده (المقدمة دار الجليل 234).
ولا أدري ـ بعد هذا العرض الرائع من ابن خلدون ـ هل يمكن أن تطلق هذه (النعوت) التي أطلقها الشيخ القرضاوي على شخصي الضعيف، كذلك على المؤرخ وفيلسوف التاريخ ومؤسس علم الاجتماع (العمران) العلامة ابن خلدون؟.. وهل يمكن أن تطلع على العشرات من المؤرخين الذين عالجوا الأمور بأناة وروية ـ دون زعم بأنهم يقولون الكلمة النهائية والأخيرة ـ وإنما هي اجتهادات من الاجتهادات، وآراء من الآراء تُضاف إلى الآراء الأخرى التي يمكن أن تشكل في مجموعها الرؤية القريبة من الموضوعية.. فالكلمة النهائية في هذا الأمر الغيبي لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالي.
وأيضا هل يمكن كذلك أن تطلق هذه الصفات أو النعوت على كل مؤرخ حاول تقديم مساحة من الضوء على شخصية محكوم عليها (بالإعدام المعنوي النهائي) مثل شخصية (يزيد ابن معاوية) أو (الحجاج الثقفي).. أو غيرهما من تلك الشخصيات التي يبدو لي ولكثير من المؤرخين الملتزمين بالحق والعدل أنه صدرت ضدهم (أحكام) لا تسمح بتقديم أية تفسيرات موضوعية لسلوكهم..!!
وبالنسبة ليزيد بن معاوية ـ بخاصة ـ فقد شكك في كثير مما نسب إليه كثيرون ـ منهم ـ إلى جانب ابن خلدون ـ الإمام أبو حامد الغزالي، وابن الصلاح وأبو بكر بن العربي، وشمس الدين أبي عبد الله محمد بن طولون الصالحي الدمشقي المتوفى سنة 953هـ، والذي كتب كتابه المعروف (قيد الشريد من أخبار يزيد) [بتحقيق الدكتور كرم حلمي فرحات، نشر دار عين بالقاهرة ط1/ 2005]، يدافع فيه عن يزيد، ويقدم بعض الحقائق حول ما يريد بعضهم تثبته حول مسئولية يزيد (الكاملة) عن قتل الإمام الشهيد (الحسين بن علي) وشماتته في قتله، وعبثه بأسه ومسئوليته (الكاملة) عن موقعة (الحرة) وعدم معالجة الأمور بالقسط، للوصول إلى نسبة محددة في المسئولية.. (ذلك أن القول بعدم المسئولية نوع من التدليس لا نقبله ولا نقره) فمسئولية يزيد قائمة لا يمكن المماراة فيها.. لكن في الوقت نفسه لا يمكن تجاهل ظروف الطرف الآخر ومستوى نصيبه من المسئولية.. لأن هذا هو (القضاء العادل)، وهو (المنهاج الموضوعي) في التقويم التاريخي والعلمي..!
ونقدم هنا ـ باختصار ـ بعض النصوص المتصلة بيزيد، التماسا لتخفيف الحكم ـ لا لإلغائه ـ وكذلك تعميقا لمنهجية (العدل الموضوعية والحيدة) في البحث التاريخي، بعيدا عن ضغط العواطف والأحكام المطلقة والموروثة، التي يقف وراء كثير منها أصحاب النزعات الباطنية وأعداء بني أمية من أبناء الدول والثقافات التي هزمها بنو أمية.. قادة الفتوحات الكبرى في تاريخ الإسلام.
ونبدأ بالنص الأول، أو بالشهادة الأولى، وهي لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت 505هـ) فقد سُئل حجة الإسلام عمن يصرح بلعن يزيد بن معاوية، هل يحكم بفسقه أم لا؟ وهل كان راضيا بقتل الحسين بن علي أم لا؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم لا؟ فلينعم بالجواب مثابا، فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال صلى الله عليه وسلم (ليس المسلم بلعان) وكيف يجوز لعن المسلم وقد نهينا عن لعن البهائم، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة، بنص حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد صح إسلام يزيد بن معاوية، وما صح قتله الحسين، ولا أمر به، ولا رضاه بذلك، ولا كان حاضرا حين قتل، ولا يصح ذلك منه، ولا يجوز أن يظن ذلك به، فإن إساءة الظن أيضا بالمسلم حرام.
وقد قال الله تعالى: {اجْتَنِبُوا كَثِيرا مِّن الظَّنِّ إنَّ بعضَ الظَّنِّ إِثمٌ} (الحجرات: 12)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم [إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه، وأن يُظن به ظن السوء] (متفق عليه).
من زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به فينبغي أن يعلم أن به غاية الحماقة، فإن من قتل الملوك والأمراء والكبراء بحضرتنا، لو أردنا أن نعلم حقيقة الأمر: من الذي أمر بقتله، ومن الذي يرضى به ومن الذي كرهه، لم نقدر على ذلك، وإن كان قد قتل في جوارنا وزماننا ونحن نشاهده، فكيف بمن قتل في بلد بعيد، وفي زمن بعيد (تهذيب الإحياء 2/52، عبد السلام هارون) نقلا عن: (ابن طولون الصالحي ـ قيد الشريد، ص 119ـ 121) [وهي شهادة علمية تدلّ على عقلية أبي حامد الغزالي الفذة!!].
وفي فتاوى الشيخ (تقي الدين بن الصلاح) مسألة: هل يعتقد أن يزيد بن معاوية أمر بقتل الحسين بن علي ورضي به طوعا منه لا كرها واختار ذلك؟
ـ أجاب: لم يصح عندنا أنه أمر بقتل الحسين رضي الله عنه، والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله (كرمه الله) هو عبيد الله بن زياد والي العراق إذ ذاك.
وأما سبّ يزيد ولعنه فليس ذلك من شأن المؤمنين، وإن صحّ أنه قتله أو أمر بقتله (ابن طولون قيد الشريد، ص123).
قال الحافظ أبو القاسم التيمي الطلحي الأصبهاني في كتابه (الحجة في بيان المحجة) فصل في ذكر يزيد بن معاوية وحاله، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن عمر حشمه وولده وقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة) وإنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعم من أي يبايع رجل على بيعة الله ورسوله ثم ينصب له القتال، وإني والله لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا تابع في هذا الأمر إلا كانت الفصيل (أي القطيعة) بيني وبينه (قيد الشريد ـ ابن طولون، ص129).
وقال عبد الرحمن بن أبي مذعور: حدثني بعض أهل العلم قال: آخر ما تكلم به يزيد بن معاوية: (اللهم لا تؤاخذني بما لم أحبه، ولم أرده واحكم بيني وبين عبيد الله بن زياد) (ابن طولون ـ قيد الشريد، ص111)!!
وهذه النقول ـ وغيرها كثير ـ ما أردت منها اتخاذ موقف معين، ولا التعصب لبعض بني أمية أو لكلهم، وما أردت ـ علم الله ـ تبرير أخطائهم وتحويلها إلى قاعدة، وما أردت تفضيل نظام (الأسرات الإسلامية) على النظام الراشدي، أو على أي نظام إسلامي سياسي يصل إليه (الفقه الإسلامي المعاصر) يأخذ بأكبر قدر من الشورى، ويعبر عن أكبر قدر من أبناء الأمة أو الوطن، ويكون محكوما بالإسلام لا بضغوط الفكر الليبرالي الديمقراطي الذي افتضح أمره في التجربة الأمريكية المعاصرة (عصر بوش وحربه العالمية الديمقراطية على الإسلام والمسلمين باسم الديمقراطية، بينما هو أكبر خائن للديمقراطية في داخل أمريكا وخارجها)..
كما أن أهل البيت لهم مكانتهم التي لا يمكن مقارنتها بالأمويين أو غيرهم (فحبهم دين ونحن نتعبد لله بالصلاة عليهم).
وإنما أردت من كل ما سقته الدفاع عن وجهات النظر الأخرى التي يراد مصادرتها، وإصدار (صكوك حرمان) بشأنها، فالبحث التاريخي والإنساني لا يعرف هذا الحرمان.. وصفحات التجديد والرأي فيه موصولة دائما وباقية ما بقي العقلُ يعمل والتطور يتلاحق.
وكل ذلك يصب في مصلحة تجربتنا الحضارية الإسلامية في التاريخ، [وهذا بيت القصيد] حتى تبقى بين الخلف والسلف وشائج الحب والتقدير في إطار الاعتراف باحتمالات الخطأ والصواب التي تفرضها الطبيعة البشرية!!
 
 
 
 
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
أدخل الرموز التالية: