سطور من الذاكرة\العدد الخمسون - شعبان 1428هـ
ابن عباس يناظر الخوارج
الأربعاء 15 أغسطس 2007
ابن عباس يناظر الخوارج
 
اتبع أهل السنة والجماعة، وعلى وجه الخصوص حكامهم وعلماؤهم، طرقاً عديدة للتعامل مع الفرق المخالفة، توزعت بين اللين والشدة، بحسب ما تقتضيه الظروف.
وبرغم ما لقيه أهل السنة قديماً وحديثاً من هذه الفرق من نشر للبدعة والانحراف، ومن الإيذاء والتآمر، ورفع السلاح احياناً، إلاّ أن أهل السنة من جملت ما اتبعوه من أساليب نحو أتباع هذه الفرق: دعوتهم ونصحهم، ومناظراتهم لبيان الحق وإظهاره أمام عموم المسلمين، ونصحاً وأداءً لواجب الدعوة والنصيحة وأملاً في أن يهدي الله أقواماً منهم إلى طريق الحق والخير.
وقد شاهدنا قبل عدة سنوات على شاشة بعض القنوات الفضائية مناظرات بين بعض علماء أهل السنة، وبين بعض علماء الشيعة الاثنى عشرية، وقد ساهمت تلك المناظرات في بيان الحق لكثير من عوام الشيعة .
ولم تكن المناظرات بين علماء أهل السنة، ورؤوس الفرق أمراً جديداً، فقد نشرنا في العدد 34 من الراصد أمر مناظرة شيخ الإسلام ابن تيمية لمبتدعة الطريقة الرفاعية الصوفية، الذين افتضح أمرهم وما هم عليه من السحر والشعوذة والخرافة وخداع بسطاء المسلمين، ليكون المسلم على بيّنة من أمر هؤلاء وغيرهم.
ومن المناظرات التي سجلتها لنا كتب الفرق والتاريخ، مناظرة الصحابي عبد الله بن عباس رضي الله عنهما للخوارج الذين خرجوا على خليفة المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أعقاب حادثة التحكيم التي جرت بعد معركة صفين بين جيشي علي ومعاوية.
تعود بنا الذاكرة بادى ذي بدء إلى عام 37هـ، وهو العام الذي شهد معركة صفين بين جيشي علي ومعاوية، وما تبعها من لجوء الفريقين إلى التحكيم حقناً للدماء.
وبالرغم من أن التحكيم لاقى ارتياحاً في صفوف المسلمين الذين أنهكتهم الحرب، وساهم في حقن دماء المسلمين، إلاّ أن نفراً من جيش علي رضي الله عنه، رأوا في التحكيم مخالفة شرعية وإثماً وباطلاً.
هؤلاء القوم الذين عرفوا فيما بعد بـ "الخوارج" لم يكتفوا برفض التحكيم وآثاره إنما خرجوا على خليفة المسلمين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وصاروا يقومون عليه في المسجد ويصيحون قائلين "لا حكم إلاّ لله" معتقدين أنّ علياً بلجوئه إلى التحكيم خالف مبدأ أن الحكم لله وحده، وحملهم ذلك على إعلان الحرب على المسلمين وخليفتهم والإفساد في الأرض.
وبالرغم من الصرامة التي أبداها علي تجاه إفسادهم، إلاّ أنه كان حريصاً على حوارهم وهدايتهم لعلمه بجهلهم وتنطعهم في الدين، وأن فسادهم ناتج عن شبهات وجهل، فكان يحاورهم وفي إحدى المرات أرسل علي رضي الله عنه إليهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وهو حبر الأمة وترجمان القرآن لمناقشتهم ومحاورتهم في الأمور التي نقموها على علي رضي الله عنه وجعلتهم يخرجون عليه ويفارقون جماعة المسلمين.
وفي السطور القادمة يروي ابن عباس أمر مناظرته مع هؤلاء الخوارج:
يقول رضي الله عنه: لما اجتمعت الخوارج في دارها وهم ستة آلاف أو نحوها قلت لعلي: يا أمير المؤمنين لعلي ألقى هؤلاء ـ أي لأحاورهم ـ قال: فإني أخافهم عليك، قلت: كلا، فلبس ابن عباس حلتين من أحسن الحلل، وكان جهيراً جميلاً، قال: فأتيت القوم فلما رأوني قالوا مرحباً بابن عباس وما هذه الحلة؟ قلت: وما تنكرون من ذلك لقد رأيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم حلة من أحسن الحلل، قال ثم تلوت عليهم:
{قلْ مَنْ حَرَّمَ زيِنَة اللهِ التِي أخْرجَ لِعبَادِهِ} سورة الأعراف (32).
قالوا فما جاء بك؟ قلت: جئتكم من عند أمير المؤمنين ومن عند أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أرى فيكم أحداً منهم، ولأبلغنكم ما قالوا، ولأبلغنهم ما تقولون، فما تنقمون من ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره؟
فقالوا: ننقم عليه ثلاث خلال، أحداهن: أنه حكّم الرجال في دين الله وما للرجال ولحكم الله، والثانية: أنه قاتل فلم يُسبِ ولم يغنم، فإن كان قد حل قتالهم فقد حل سبيهم وإلا فلا. والثالثة: محا نفسه من أمير المؤمنين فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير المشركين.
قلت: هل غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا، قلت: أرأيتم إن خرجت لكم من كتاب الله وسنة رسوله أراجعون أنتم؟ قالوا: وما يمنعنا، قلت: أما قولكم إنه حكّم الرجال في أمر الله، فإني سمعت الله يقول في كتابه: {يا أيُّها الذينَ آمنُوا لاَ تقتلُوا الصَّيدَ وأنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قتلهُ منكم متعمداً فجَزاء مثلُ مَا قتَلَ مِنَ النعَم يَحّكُمُ بهِ ذوَا عَدّلٍ منكُم} سورة المائدة (95)، وذلك في ثمن صيد أرنب أو نحوه قيمته ربع درهم فوض الله الحكم فيه إلى الرجال، ولو شاء أن يحكم لحَكمَ، وقال: {وَإنْ خفتمْ شِقاق بَينهما فابْعثوا حَكماً من أهلهِ وَحَكماً من أهلِهَا} سورة النساء (35)؛ أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت: وأما قولكم قاتل فلم يسب فإنه قاتل أمكم ـ أي عائشة([1])ـ فإن زعمتم أنها ليست بأمكم فقد كفرتم، وإن زعمتم أنها أمكم فما حل سباؤها، فأنتم بين ضلالتين؛ أخرجتُ من هذه قالوا: نعم.
قلت وأما قولكم: إنه محا اسمه من أمير المؤمنين([2])فإني أنبئكم عن ذلك أما تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية جرى الكتاب بينه وبين سهيل بن عمرو، فقال يا علي اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فقالوا ـ أي المشركين ـ لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال اللهم إنك تعلم أني رسولك ثم أخذ الصحيفة فمحاها بيده، ثم قال يا علي اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، فوالله ما أخرجه ذلك من النبوة؛ أخرجتُ من هذه؟ قالوا: نعم.
قال الراوي عن ابن عباس: (فرجع ثلثهم إلى جيش علي، وانصرف ثلثهم، وقُتل بقيتم على الضلالة).
إن مناظرة ابن عباس للخوارج وحرصه على إزالة شبهاتهم تدل على حرص أهل السنة قديماً وحديثاً على إظهار الحق والرحمة بالخلق، قدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لقي من أهل مكة الأذى الكثير، فلم يزده ذلك إلاّ حرصاً على دعوتهم وهدايتهم.
الأمر الثاني في هذه المناظرة: ضرورة أن يتحلى المناظر بالعلم والفصاحة والنباهة، فقد أحسن علي رضي الله عنه عندما أرسل إلى الخوارج، عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، وابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: أن يكون المناظر على علم بفكر القوم الذين يناظرهم ومنطقهم، ليسهل عليه التعامل معهم، ودعوتهم بما يناسب حالهم.
رابعاً: لا ييأس المسلم من المبتدعة وأصحاب الأفكار المنحرفة، فقد هدى الله عدداً كبيراً من هؤلاء الخوارج، وعادوا إلى جادة الصواب على يد ابن عباس.
 
للاستزادة:
1 ـ الفرق بين الفرق ـ الإمام عبد القاهر البغدادي.
2ـ البداية والنهاية (الجزء السابع) ـ الإمام ابن كثير.
3 ـ حقبة من التاريخ - الشيخ عثمان الخميس .
4- مقال " بين ابن عباس والخوارج " رياض العمري ، صحيفة الجزيرة 25/5/2007
 
 
 

[1]) ) ـ كانت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في معركة الجمل في الجيش المقاتل لجيش علي رضي الله عنه.
[2]) ) ـ عند كتابة بنود الصلح في حادثة التحكيم لم يقبل معاوية أن يكتب فيها علي أمير المؤمنين مبرراً ذلك بأنه لم يبايعه ولم يعتبره أمير المؤمنين، ولو كان بايعه أميراً للمؤمنين لما قاتله.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق