كتاب الشهر\العدد الحادي والخمسين رمضان 1428هـ
أبو الهدى الصيادي في آثار معاصريه
الجمعة 14 سبتمبر 2007
أبو الهدى الصيادي في آثار معاصريه
 أبو الهدى الصيادي في آثار معاصريه
تأليف: حسن السّماحي سويدان
 
"من درويش يرتزق من ضرب الدف، والتكسب بالرّقى والعزائم، إلى استانبول حاضرة الخلافة العثمانية، حيث النفوذ والجاه والمال والمؤامرات... كان صعود نجم أبي الهدى السريع المعجِب".
تكاد العبارة السابقة تلخص بداية ونهاية شخصية صوفية لم يحظ أحد بمثل ما حظيت به في الدولة العثمانية، وتحديداً في عصرها الأخير، الذي كان السلطان عبد الحميد الثاني أبرز رموزه، حيث نال أبو الهدى الصيادي، شيخ الطريقة الرفاعية، مكانة كبيرة، ومنزلة عظيمة عند السلطان عبد الحميد، بحيث صارت كلمته تنفذ على السلطان نفسه.
وكتاب هذا الشهر "أبو الهدى الصيادي في آثار معاصريه" لمؤلفه حسن السماحي سويدان، يحاول أن يعطي صورة مفصلة عن هذه الشخصية التي بحسب المؤلف ـ ملأ الدنيا وشغل الناس "بحسبه ونسبه، وتصوفه وطريقته، وكرمه واريحيته، وعلاقاته الودية وغير الودية مع كثير من رجالات عصره" ص5.
والكتاب الصادر سنة 2002م عن دار البشائر بدمشق في 392 صفحة من القطع المتوسط، يقدم شهادات كتبها عدد من معاصري أبي الهدى الصيادي وممن تعامل معه مباشرة ـ في الغالب ـ من أهل العلم والثقافة والأدب، وقد تباينت الآراء تجاه شخصية الصيادي تبايناً كبيراً، واكتنفها الكثير من الغموض، وذلك يعود إلى اشتهار الصّيادي بالكذب، واختراع الأحداث والشخصيات ـ كما سيأتي بيانه ـ إضافة إلى أن المكانة التي تبوأها أثارت عليه بعض الحاسدين والطامعين والطامحين.
والمؤلف حسن سويدان، وهو لا يخفى بين الحين والآخر إعجابه بشخصية الصيادي وبذكائه ودهائه وطموحه، يشير إلى أن ماضيه ونسبه "هو نقطة الضعف التي اعتمد عليها خصومه في محاربته، فما كان منه (أي الصيادي) إلاّ أن أعاد كتابة سيرته كما يريدها هو متلائمة مع وضعه الحديد، خادمة لدوره العتيد، موثقة بشهادة الأعيان من كل البلدان، لا كما هي في الحقيقة والعيان" ص7.
وسيرة الصيادي التي دونها هو بنفسه، هي واحدة من 11 سيرة للصيادي يعرضها المؤلف بين مدح وذم، وقد اشتملت على الكثير من المعلومات عن حياة الصيادي ومؤلفاته وسياسته والمكانة التي تبوأها وخصومه...
أما الذين نقل المؤلف شهاداتهم عن الصيادي في كتابه فهم:
1ـ الصيادي نفسه.
2ـ العلامة عبد الرزاق البيطار.
3ـ الأديب ولي الدين يكن.
4ـ الأديب قسطاكي الحمصي.
5ـ المؤرخ محمد كرد علي.
6ـ الأديب محمد سليم الجندي.
7ـ البحاثة محمد عبد الحي الكتّاني.
8ـ القاضي عبد الحفيظ الفاسي.
9ـ الدكتور سامي الكيالي.
10ـ الأستاذ أدهم الجندي.
11ـ عدد آخر مثل: الأستاذ إبراهيم المويلحي، والعلامة المؤرخ محمد راغب الطباخ،...
وحيث أن الذين نقل المؤلف شهاداتهم في أبي الصيادي من مشارب وتوجهات ختلفة، فمن الطبيعي أن تختلف آراؤهم فيه، لكنها تجمع على ذكائه ودهائه وفصاحته وطموحه وتواضعه، ويتحدث الكثير منها عن كذبه وافتراءاته.
وفيما يلي بيان لأهم ما احتوته هذه الشهادات عن سيرة الصيادي:
1ـ ولد محمد أبو الهدى الصيادي في قرية خان شيخون، في محافظة حلب سنة 1849م، وتوفي سنة 1909م في الأستانة (اسطنبول)، ونقل رفاته إلى حلب سنة 1937م.
2ـ كان الصيادي صوفياً، وانتمى إلى الطريقة الرفاعية، وهي إحدى الطرق الصوفية المنتشرة، وقد ألف في الثناء على طريقته والدعوة إليها وشرح مبادئها عدداً من الكتب منها:
ـ قلائد الزبرجد على حِكَم الغوث الشريف الرفاعي أحمد.
ـ قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر.
ـ تنوير الأبصار في طبقات السادة الرفاعية الأخيار.
ـ هداية الساعي في سلوك طريقة الغوث الرفاعي.
ـ الفجر المنير فيما ورد عن لسان الغوث الرفاعي الكبير.
ـ المصباح المنير في ورد السيد الرفاعي الكبير.
"وازدهرت الطريقة الرفاعية بعهده، وشيّد السلطان ضريح القطب الرفاعي على نفقته الخاصة" ص276.
"فسلك الطريقة الرفاعية، وفتح أبوابه لرجالها، وللمنتسبين إلى الرفاعي، فتهافت الناس عليه تهافت الذباب على الشراب" ص 172.
وبعد موت الصيادي، ضعفت هذه الطريقة، وضعف شأن أصحابها.
3ـ اعتلى أبو الهدى أعلى المناصب في عهد السلطان عبد الحميد الثاني، فتولى منصب شيخ الإسلام، ومسؤول القضاء، وشيخ الطريقة الرفاعية، ونقيب الأشراف، وأغدق السلطان عليه الأموال والأوسمة والمناصب ، ودعمه بالنفوذ المطلق، ص6.
وتعود هذه المكانة التي تبوأها الصيادي إلى أن "السلطان عبد الحميد كان يحاول أن يقف في وجه التيارات المعارضة لسياسته في الأناضول والشام والعراق، ووجد في التصوف ضالته المنشودة، فتحت غطائه يستطيع أن يبثّ من الدعاية ما شاء حول شخصه وسياسته الداخلية، فقرّب إليه عدداً من رجال التصوف كالشيخ محمد ظافر المدني، والشيخ محمود أبو الشامات، شيخي الطريقة الشاذلية، فبنى لهما التكايا الفخمة وأجرى عليهما الأرزاق.. لكن لم تكد تقع عيناه على أبي الهدى الصيادي حتى وجد فيه الرجل الذي كان ينتظره لتنفيذ سياسته" ص6.
4ـ وصل الصيادي إلى ما وصل إليه من مكانته ونفوذ "بسرعة البرق" ص6، ذلك أنه قبل أن يتبوأ مكانته، كان درويشاً "يرتزق من ضرب الدف، والتكسب بالرقى والعزائم" ص5.
ينقل المؤرخ محمد كرد علي عن أبيه قوله: "كنّا بضعة تجار من الشاميين في إستانبول، ننزل في خان من خاناتها، ولم تكن الفنادق يومئذ معروفة، وكنّا نتألف ونشترك في النفقة والسمر، وكان يزورنا درويش أسمر اللون، جهوري الصوت، تبدو أمارات الذكاء عليه، وله جدائل يرخيها على ظهره، يعتم بمئزر، ويكتسي عباءة وقفطاناً، ويضرب بالدف، وينشد أشعاراً على طريقة القوم (الصوفية) وما كان يشاركنا في النفقة، ومهمته أن يسلينا بأناشيده كل ليلة، وهذا الفتى هو: محمد بن حسن وادي المعروف بأبي الهدى الصيادي الرفاعي" ص130.
وما هي إلاّ فترة وجيزة حتى "أقبلت السعادة على الشيخ الصيادي فتقمصها، وسيق إليه العز بعد الخمول، فأصبح مستشار السلطان، وأحد الرجال الممتازين في دولته، يستأمره في المسائل العظمى، ولا تصبر نفسه عن فراقه زمناً طويلاً" ص134.
5ـ ادّعى أبو الهدى الانتساب إلى آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم على عادة ما يصنعه شيوخ الطرق الصوفية، "وربط أسلافه ببيوتاتٍ وبطونٍ كثيرة، فهو رفاعي خالدي، قرشي، هاشمي، علوي، ثم غسّاني، تُبَّعِي" ص83.
كما نسب نفسه من جهة أخرى إلى خالد بن الوليد رضي الله عنه في حين انه "انقرض نسل سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه في العصر الأول" ص21.
و"كان ماضي أبي الهدى ونسبه هو نقطة الضعف التي اعتمد عليها خصومه في محاربته، فما كان منه إلاّ أن أعاد كتابة سيرته كما يريدها هو متلائمة مع وضعه الجديد، خادمة لدوره العتيد، موثقة بشهادة الأعيان في كل البلدان، لا كما هي في الحقيقة والعيان. أما خصومه، فقد نبشوا ماضيه، وتحرّوا أصله وفصله، وتصيدوا عثراته وهفواته، وتتبعوا مكايده، فأذاعوها، وألّفوا الكتب فيها" ص7.
6ـ ادّعى أن أباه كان من العلماء والأولياء، ونسب إليه الكرامات، ليعتقد الناس أن أبا الهدى ينحدر من بيت علم وفضل "وجميع ما وصفه به ولده من العلم والفضل، وما نسبه إليه من الكرامات وخوارق العادات، وسخاء الطبع، لا أصل له، وهو محض افتراء، فوالده لم يكن سوى رجل من البسطاء المغفلين، أُثِر عنه في تغفّله عدة حكايات، وليس فيه ميزة علم، ولا سمة فضل، وحقيقة أمره أنه لما نشأ ولده أبو الهدى أفندي، وعلا أمره، وذاع في الناس صيته، استحضره إلى الأستانة، وألبسه العمامة الخضراء، التي هي شعار السادة الرفاعية، وصار يعظم شأنه لدى سكان الاستانة، وينسب إليه ما شاء من الفضل والكرامات والأحوال" ص285.
7ـ كما ابتكر شخصية اسماها "الشيخ الرواس" ادّعى أنه شيخه ومعلمه، ونسب إليه العلوم والكتب والشعر، "وأكثر الناس يزعمون أن الرواس شخص موهوم لا حقيقة له، اخترعه أبو الهدى وأضاف إليه أقوالاً وأعمالاً" ص167.
"ومن مروياته (أي الصيادي): ديوان الروّاس، وهو مطبوع، وكان يقول إنه شيخه، عنه أخذ العلم، ويقول بعض الناس: إن الروّاس اسم وضعه هو، لمسمّى لم يوجد، وإن الديوان رواه ونسبه إليه، هو نظمه" ص115.
8ـ بالرغم من مكانة أبي الهدى وفصاحته، إلاّ أن الشكوك تحوم في حقيقة كتابته لمؤلفاته فقد "استمال فريقاً من الرجال، منهم الأمراء وأهلُ الثروة، وذوو الحكم في البلاد، فأظهر لهم الود، واستعمل قدرتهم في أغراضه، ووفد عليه العلماء والشعراء والكتاب يستعينون به على قضاء حوائجهم، فكان منهم من يؤلفون الأسفار ويعزونها إليه، ومنهم من ينظمون الأشعار ويروونها عنه" ص85ـ86.
يقول الأديب محمد سليم الجندي: "وأما منزلة أبي الهدى في العلم، فإن له رسائل نسبت إليه، وهي تدلّ على أنه شدا شيئاً من العربية والفقه والتصوف، وليس فيما رأيته من رسائله ما يدل على تبحره في علم ديني أو لدنِّيِّ" ص170.
ومنهم من يذهب إلى "أن أبا الهدى لم يكن على شيء كثير من العلم والأدب أول ظهوره، فلما عظمت شخصيته، جلب معلمين لأولاده، فكان بحجة أنه يلاحظ دروسهم يستمع لما يلقيه الأساتذة، وبذلك تعلم ما قوي به على وضع بعض كتب في التصوف والأدب، بلغت نحو أربعين رسالة وكتاباً" ص137.
9ـ كان الصيادي يحسن إلى العرب الذين كانوا مهمشين في ظل الدولة العثمانية التي تتعصب للأتراك "ومن أبرز أعماله أنه كان رحمه الله من أعظم المناصرين للعرب كافة، وما قصده أحد من أبناء البلاد العربية إلاّ آزره، ولبّى حاجته" ص269.
إلا أن إكرام الصيادي للعرب والذود عنهم ومساعدتهم كان لها ـ فيما يبدو ـ أهداف أخرى "وكان من سياسته أن يحمل سلطانه على الاعتقاد أنه صاحب النفوذ الأكبر في الولايات العربية، رضاه رضا العرب، وغضبه غضبهم، وأن عرب السلطنة العثمانية في قبضته، يحركهم ويسكنهم كما يشاء... ولقد رأى من متممات هذه السياسة أن يفتح بابه لكل طالب، فشخص إليه أرباب المصالح من الأقطار العربية، يتوسلون بجاهه للحصول على رغائبهم" ص135.
10ـ اتخذ الصيادي موقفاً عدائياً من الدعوة السلفية، ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد على وجه الخصوص "وكان من أعماله مكافحة المذهب الوهابي لئلاّ يتسرّب إلى العراق والشام، لأن السلطان كان يخاف على ملكه في ديار العرب من الوهابين وصاحبهم" ص134.
11ـ كان يدّعي التقوى والصلاح وينسب لنفسه الكرامات، على طريقة الصوفية، "وكان يقول لكثير من الناس: لو شئت لكلمت الطيور، وساميتها إذ تحلق في الجو، ولخاطبت النمال، ودعوت الوحوش فأجابت" ص102.
12ـ اتسمت علاقته مع جمال الدين الأفغاني في بادئ الأمر بالود، لكنها انقلبت إلى عداوة سافرة، ومردّ ذلك سعي البعض بالنميمة بينهما، ثم غضب أبي الهدى عندما بدأ السلطان عبد الحميد بتقريب جمال الدين إليه "فقد اعتقد أبو الهدى أنه (أي الأفغاني) جاء ليزاحمه على مقامه الديني الخطير، لاسيّما بعد أن عرض السلطان على جمال الدين مشيخة الإسلام... وهنا انقلب أبو الهدى على جمال الدين، وأخذ يتّهمه بالكفر والزندقة والإلحاد، وأنه جاء ليفسد العقائد" ص 243 ـ 244.
13ـ إن الخلاف الذي نشب بين الصيّادي والأفغاني، جعل الصيادي يكشف بعضاً من الحقائق عن الأفغاني، وأهمها أنه "إيراني شيعي، ولد في أسد أباد، ودرس في أصفهان، ثم في النجف، ثم طرد من النجف لاتهامه بالزندقة، وله صلات بالبهائية، لا كما كان يدّعي أنه أفغاني ولد في أسعد أباد، وأنه سني حنفي" ص8.
بالمقابل أطلق الأفغاني على الصيادي كنية "أبي الضلال" بدلاً من "أبي الهدى".
14ـ كان يظهر من الصيادي التشيع، كما هو دأب الكثيرين من أتباع الطرق الصوفية، ومن ذلك قوله: "إن نقطة واحدة أهريقت من دماء آل البيت أفضل من كلِّ مَن مشى على الأرض بعد الرسول صلى الله عليه وسلم" ص131.
15ـ تولى أحد أبنائه، وهو حسن خالد أبو الهدى، منصب رئيس الوزراء في إمارة شرق الأردن "ولم يكن مثل أبيه في الذكاء والدهاء" ص 177.
16ـ كان أبو الهدى يدني أقاربه، ويوليهم، "وأظن أنه لو وفق إلى اختيار أتباعه وخلصانه من خيرة الناس، لكان أمره على غير ما كان، ولاعترفوا بما كان له من جميل ومعروف بعد مماته، ولكنه اتخذ أناساً كانوا يحبونه لأجل الفائدة التي يتوقعونها منه، فلما يئسوا منها، قلبوا له ظهر المجن" ص179.
17ـ سعى الصيادي بكل السبل إلى كسب ود السلطان عبد الحميد، لتعظم منزلته عنده، "وركز دعوته إلى طاعة أمير المؤمنين... كما دعا إلى الالتفاف حوله، ودعم هذه الدعاية بالمنامات، والكرامات (والليرات الذهبية) والكتب السيّارة مثل (داعي الرشاد لسبيل الاتحاد والانقياد) و (بهجة الزمان في مآثر خليفة سيد ولد عدنان)" ص 7.
"وكان الشيخ (أبو الهدى) يزوّد مولاه (السلطان عبد الحميد) كل يوم بعجيبة من العجائب، فآونة بتبليغه سلامَ النبي صلى الله عليه وسلم، وحيناً يقص عليه رؤيا يزعم أنه رآها، ويفسرها له على ما يلائم هواه ورضاه، ثم يدّعي لأبيه ولنفسه كرامات لا وجود لها، وكان عبد الحميد محبّاً لهذه الأشياء، ويظن أنها من أقرب الوسائل لاستدامة حكمه" ص248.
18ـ توفي أبو الهدى الصيادي سنة 1327هـ (1909م) بُعيد الانقلاب الذي قاده الاتحاديون على السلطان عبد الحميد وأدّى إلى عزله، وكان من الطبيعي أن يمتد انتقامهم إلى أبي الهدى صاحب المكانة الكبيرة ومستشار السلطان، فقادوه إلى السجن وهو مريض، وأهانوه وعذبوه.
 
 
 
 
الاسم:  
عنوان التعليق: 
نص التعليق: 
خانة التحقق